هو ـ فعلًا ـ لم يفعل حرامًا، لكن.. ستلوكه الألسن، وسيظلّ حديث الناس لزمن طويل!!
فمن الطبيعي أن يخشى النبي صلى الله عليه وآله كلام الناس؛ لحماية شخصيته الاجتماعية، وهذا فعل العقلاء عادة، لكنّ الله تعالى يقول له لا تهتم بالناس، ولا تهتم بالموضوع، لا تحمّل نفسك شيئًا زائدًا ما دام الأمر طبيعيًا وحلالًا وضمن إطار الشرع، لا تهتم بكلام الناس: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}.
وهذا التوجيه الربّاني ليس فقط لذاك الزمان التاريخي الذي عاشه النبي، بل يسري في الزمان، ويشمل زماننا الحاضر؛ لأنّ قسمًا من حياتنا تصنعها كلمة باطلة، وهي: ماذا يقول عنّا الناس!!
هذه كلمة غير صحيحة؛ فاذا كنتَ تشتغل في الإطار الصحيح فالمهم أن تخشى الله، وتحافظ ـ أيضًا ـ على وجودك الاجتماعي، لكن لا تغدو أسيرًا لكلام الناس، فمثلًا: لو كان عندك بنتان، وجاء خاطب للصغيرة، والكبيرة لم يأتِ لها إلى الآن فلا تقل: لن أزوج الصغيرة، ماذا يقول عنّا الناس؟!، ولو أراد ابنك أن يتزوّج، وليس عنده قدرة مادية للذبح والوليمة، وتريد أن تعمل ضيافة بسيطة، فلا تتردد وتقول: لكن ماذا يقول عنّا الناس؟!
كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد تزوّج من أم سلمة، فأطعم الحيس (مثل الشوربة الآن)؛ لأنّه وقتها لم يكن مقتدرًا ماليًا، ولما تزوّج من زينب بنت جحش كان عنده قدرة على الإنفاق، فأطعم الناس الثريد واللحم. ونحن ينبغي أن نقدر أنفسنا بما تستطيع، وليس بما يقول عنّا الناس، فلا ينبغي أن يكون المعيار والمقياس عندنا ماذا يقول عنّا الناس، الله تعالى يقول لنبيه: {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}، هؤلاء الناس الذين سيتكلمون عليك هم المعتدون.
لو جاء أحدهم وقال ـ مثلًا ـ: (انظر إلى فلان؛ فقد زوّج أبناءه، ولم يصنع وليمة وعشاء وكذا وكذا)، أو (انظر إلى فلان؛ فقد زوّج الصغير قبل الكبير، وزوج ابنته زوجه ثانية، فكيف يقبل ذلك؟!)، فعمله هذا محرّم وغيبة، وأنت لستَ ملزمًا بتطبيق كلامه، وليس شرطاً عليك أن تطيعه، هو من سيبوء بإثم ذلك القول!!
فالنبي صلى الله عليه وآله أخفى هذا الأمر، وبعد ذلك ألحّ زيد على الطلاق، فالنبي صلى الله عليه وآله قبِل منه طلاقها، والله تعالى يقول: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}([٨])، فقد تصل الأمور ـ أحيانًا ـ إلى نقطة لا يستطيع فيها الزوجان مواصلة الحياة الزوجية معًا.
وعندما وصل زيد إلى هذه النقطة وطلّق زينب، وقضت عدتها ثلاثة أشهر، وأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يتزوّجها أرسل زيدًا نفسه لزينب بنت جحش؛ لكي يخطبها لرسول الله، فجاء زيد إليها، يقول: لما دخلتُ على زينب، وتصورتُ أنّ النبي صلى الله عليه وآله سيكون زوجًا إليها أعظمتها الآن، وشعرتُ أنّها ليست زينب التي كانت زوجتي، وكنتُ أختلف معها، فأعظمتها وأعطيتها قفاي، وقلتُ لها: أبشري؛ فإنّ رسول الله يخطبك إلى نفسه.
وهذا تعليم عظيم من النبي صلى الله عليه وآله لنا بأنّ الذين تحدث بينهم مسألة الطلاق لا يعني ذلك الانتقام بينهم، فلا يقول الرجل: (بما أنّي طلقتها فدعني أنشر ملفاتها!!)، أو يمنعها من رؤية أبنائها الذين أضحوا عنده، ويقول لها ـ مثلًا ـ: (ستموتين ولا ترين أبناءك)، وإذا كان عنده أموال لها فيذيقها شتى صنوف العذاب والأذى والتعب حتى يرجعها إليها، ويلطخ سمعتها بالتراب!!
وقد تفعل المرأة ذلك، فتنتقم، وتلطخ سمعة من كان زوجها وطلّقها.
وقد يذهب الرجل لكي يتزوّج من جديد، فيقولون له: انت كذا وكذا بحسب ما قالت زوجتك، أو بالعكس تُخطب المرأة ـ مثلًا ـ فيقول: لا هذه هكذا وهكذا، حتى يصل الأمر في بعض الأحيان إلى الاتهام الباطل في العرض والشرف، وهنا يتبيّن تديّن الإنسان من عدمه، فليس مقياس التديّن الركعتين يصليهما، او المجلس الديني الذي يحضره، او الزيارة للمراقد المقدسة التي يقوم بها، هذه ليست المقاييس، المقياس الأكبر هو ما قاله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : "الدين المعاملة"([٩]).