سيرة الإمام الحسين من ٥٠ هـ الى ٦٠ هـ

سيرة الإمام الحسين من ٥٠ هـ الى ٦٠ هـ
00:00 --:--

والعقد الذي أجراه الإمام الحسن، ولم يغير فيه شيئا، ولم يحرك ساكنا. مع أن وفودا كثيرة جاءت من العراق، ومن الكوفة، ومن البصرة، وجاءت إليه شخصيات، وبعضهم من خُلَّص الشيعة، واستنهضوه، وحرَّكوه، والمظالم على قدم وساق. فذا معاوية يقتل، ويصادر الأموال، وغير ذلك. لكن الإمام الحسين (ع) كان يجيبهم إجابة واحدة: "مَا دَامَ مُعَاوِيَةُ حَيًّا الْزِمُوْا بُيُوتَكُم، فَإِذَا مَاتَ مُعَاوِيَةَ يَأْتِكُم رَأْيِي"، فماذا سيفعل؟ لم يقل لهم. فالإمام الحسين (ع) ذكي، ويعرف أن قسما من الناس لا يأتمنون على سر. فاليوم أنت تقول له سرا، فيذهب يخبر به كل البشرية. لذلك لم يقل لهم: أصنع ماذا. وإنما قال: الزموا بيوتكم، فإذا مات معاوية يأتكم رأيي. فذاك الوقت، أنا أخبركم ماذا يحدث. هذا كان لسان حاله باستمرار.حافظ على ما أجراه الإمام

الحسن، ولم يغير فيه شيئا. مع كثرة الداعين إلى الانتفاضة، وكثرة المبادرين إلى الدعوة إلى التغيير، لم يصنع الإمام الحسين شيئا من هذا القبيل. هذا. اثنين: استمر في فضح الحالة الأموية والجرائم المرتبكة. وفي هذه الخطبة التي قدمنا بها، وهي عبارة عن رسالة من الإمام الحسين إلى معاوية. إذ أن معاوية أرسل للإمام الحسين: أنني أسمع أن جماعات يأتون إليك، ويمرون عليك، فاعلم أنه متى تكدني أكدك. أي إذا تكيد لي، أكيد لك، وإذا تتآمر علي، أعمل كذا وكذا.فأرسل إليه الإمام الحسين (ع) رسالة صاخبة، صارخة، قوية، بدأها بتعداد موبقاته وجرائمه، فقال له: "أَوَلَسْتَ قَاتِلَ عُدَيَّ بِنَ حِجْر الكَنَدِي صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابَهُ البَرَرَةُ مِنْ بَعْدِ مَا أَعْطَيْتَهُم الأَيْمَانَ المُغَلَّظَةَ وَالمَوَاثِيقَ المُوَثَّقَة"! ألست أنت هكذا، "أَوَلَسْتَ قَاتِلَ عُمَرَ بْنَ الحَمَقِ

الخُزَاعِي صَاحِبَ رَسُولَ اللهِ الَّذِي أَدْأَبَ نَفْسَهُ فِي العِبَادَةِ حَتَّى ذَابَ بَدَنَهُ، بَعْدَ أَنْ أَعْطَيْتَهُ مِنَ المَوَاثِيقِ مَا لَوْ أَعْطَيْتَهُ طَائِرًا عَلَى جَبَلٍ لَنَزَلَ إِلَيكَ ثُمَّ غَدَرْتَ بِهِ وَمَكَرْتَ بِهِ"، ألست أنت هذا، هذا أنت الوالي الذي ليس عنده كلمة، ولا شرف للعهد والميثاق. "أَوَلَسْتَ المُسْتَلْحِق زِيَادًا – زياد بن أبيه – وَهُوَ المُوْلُودُ عَلَى فِرَاشِ عُبَيدٍ تَجَرُّءًا عَلَى حُكْمِ اللهِ وَهُزْءًا عَلَى كَلَامِ رَسُولِ اللهِ "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَر""، ألست هذا ما قمت به. ألست، ألست، ألست، وثيقة اتهام مفصلة لا يستطيع أن يردها معاوية. ثم قال له: "وَقُلْتَ إِنَّنِي أَسْعَى فِي الْفِتْنَةِ! وَاللهِ إِنِّي لَا أَعْرِفُ أو لَا أَعْلَمُ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ مِنْ وَلَايَتِكَ عَلَيْهَا"، فهذه هي الفتنة الحقيقية الضارة، هي: نفس ولايتك على هذه

الأمة. فكان (ع) يعمل على هذا الاتجاه بشكل صريح وواضح ويتحدث. لكن المواجهة الأكبر ما كانت هنا، المواجهة الأكبر كانت في قضية تولية معاوية لابنه يزيد للعهد. فهذه كانت قضية مفصلية، وهي فاتحة الخراب الأكبر في الأمة، وهذا عند حتى غير المدرسة الإمامية، الذين يقولون: أن الخلافة الراشدة كانت إلى زمان علي بن أبي طالب، ثم تحولت إلى ملك عضوض، وقضية متوارثة كسروية وقيصرية وهرقلية. فالأب يولي الولد من غير كفاءة! وهذا عند غيرنا أيضا. وأما عندنا، فقد قال الإمام الحسين، مقالته المعروفة: "وَعَلَى الإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذَا بُلِيَتْ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلَ يَزِيد". معاوية في هذا الأمر، اشتغل كثيرا، لما يقارب عشر سنوات أو أكثر، أولا: بدأ بمحاولة تلميع صورة يزيد بن معاوية. فقد كان يزيد معروفا، متهتكا، فأراد أن يلمع

صورته. فأرسله مع بعض الجيوش حتى يقال أن هذا قائدا من قواد المسلمين، مجاهد، مقاتل. وذهب أيضا إلى تلك المعركة، فزاد في طينها أكثر، حسب التعبير. فنحن تحدثنا عن الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري - في مناسبة من المناسبات – وقلنا: ماذا صنع يزيد هناك، إذ جعل الجيش الإسلامي يذهب ويقاتل في منطقة انتشر فيها وباء الحمى، والبعوض الناقل له، فسقط هناك من المسلمين الضحايا، وماتوا هكذا، هو أين؟ في دير مرَّان، في منطقة جبلية، في حلب، في البرد، والهواء اللطيف، ومعه أيضا زوجته هند بنت عبدالله، ويعاقر الخمر، ويقول: وما علي إذا لاقت جموعهم بالفرقدونة من حمى ومن موم - الموم: يعني البعوض الكبار.إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا بدير مران عندي أم كلثوم، فماذا علي بشأن أولئك! ليموتوا. وهذا

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة