أيضا لم يحسن قضيته، مع محاولة معاوية أن يلمع صورته. فإذن، أتينا إلى ما بعد ٥٢ هجرية، إذ اشتغل معاوية أولا: على تصفية من يمكن أن ينافس يزيد كشخصية من الشخصيات. فبعض الباحثين يقولون: أن اغتيال الإمام الحسن بالسم كان أيضا في هذا الاتجاه. فلا يمكن أن يقبل الناس بيزيد وليا للعهد والحال أن الحسن المجتبى - الذي وقَّع معاوية على أنه بعده – موجود. فإذن الطريقة ما هي؟ أن يتخلص منه، باتفاق مع الأشعث ومع ابنته جعدة. أيضا، أتى إلى داخل الدائرة الأموية نفسها، فبدأ "يقصقص" حسب التعبير، فخالد بن الوليد القائد المعروف، كان عنده ولدان، المهاجر بن خالد، وهو من أفضل خلص أصحاب أمير المؤمنين علي (ع)، صحابي جليل، وشهيد صفين إلى جانب أمير المؤمنين (ع). وسبق أن
كان وتحدثت عن حياة هذا الرجل وعن عظمته، وهذا واحد. في الطرف المقابل تماما، كان أخوه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وهذا أموي إلى النخاع، وشديد الوطأة على شيعة أهل البيت (ع). ولَّاه الأمويون على حمص، وأذاق شيعة أهل البيت الأمرَّين من العذاب. هذا الرجل، كان مقربا عند بني أمية، فأصبحت له شخصية، فحاكم حمص هذا، فلما بدأ معاوية يمهد إلى قضية يزيد، سأل جمع من أهل دمشق، في جلسة معهم: أنه أنا الآن كبر سني - لأنه ذاك الوقت، من بعد الخمسين، عمر معاوية كان قد تجاوز السبعين، فهو توفي أو مات في سنة ٦٠ هجرية، وعمره ٧٨ سنة - فقال: أنا كبر سني، ودق عظمي، وأريد أن أولي أحدا، فمن ترونه مناسبا؟ فقال عدد منهم: عبد الرحمن
بن خالد بن الوليد. لكنه لا يريد هذا الجواب، يريد الجواب: ابنك يزيد. فرأى أن هذا منافس له، فماذا صنع؟ استقدمه إلى حمص، وقال له: يا عبد الرحمن بن خالد، تعال، إنا لدينا شغل معك في حمص. فأبقاه مدة هناك، وصادف أن مرض عبد الرحمن بن خالد، فقال له: أنا عندي طبيب خاص، متخصص، من أفضل الأطباء، فلا تستدعي أحدا يعالجك. فهذا طبيبي الخاص أرسله لك. وأعوز إلى هذا الطبيب بأن يفصده بريشة مسمومة. فأتى له: فصد، وهو إخراج الدم بطريقة معينة، معروفة في الطب، وهذه كانت مسمومة. فمات من فوره. انتهى في نفس الوقت، وهذا فيه درس: أن الظالم الذي يعين الظالم، تكون هذه نتيجته، "مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيهِ"، فيكون هو أول من يقع في هذه المسألة.
هذا عبد الرحمن بن خالد.سعد بن أبي وقاص، ينقل صاحب مقاتل الطالبيين: أن سعد بن أبي وقاص، في الذاكرة الإسلامية العامة، واحد من أصحاب رسول الله، ولا يمكن أن يقبل الناس بيزيد، وسعد بن أبي وقاص صحابي ومقاتل وقائد جيوش! فماذا يصنع؟ أغلق ملفه أيضا، إذ دس له السم حسبما نقل صاحب مقاتل الطالبيين. وأتى إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، أيضا نفس الشيء، في سنة ٥٣ هجرية، نفس الكلام، هناك حديث عن أنه دس إليه السم، وبعض المؤلفين، يقولون: في تلك السنوات هلك كثير من الناس من أصحاب رسول الله ومن التابعين، لا يعلم كيف هلكوا! هل هي "إيبولا" أتت إليهم، أو كورونا هجمت عليهم، فانتهى أمرهم. فالقضية كان فيها، في قسم من هؤلاء، كانت عمليات اغتيال مخططة، وتصفية
للساحة من المنافسين، هذا شيء أول قام به. الشيء الثاني: جاء وأمر الولاة أن يبدأوا ببث هذه الفكرة. فأرسل إلى مروان بن الحكم أن يبلغ في المدينة أنه: نحن نريد أن نولي يزيد ولاية العهد. ومروان نفسه طامع فيها، فكيف يبلغ أنها ليزيد، فأرسل له رسالة: أن أهل المدينة لا يقبلون. فهو يريدها إلى نفسه. فقال له: أهل المدينة لا يقبلون، فبعث له معاوية: اعتزل عملنا. أي: إذا لا يقبلون، ابتعد، ابق جانبا. فعزله، وبقي معزولا، وولى مكانه الوليد بن عتبة.قدم إلى ابن زياد بن أبيه في البصرة، وأسرل له أيضا. فأعظم زياد الأمر، وبدأ يستشير جماعته، فيزيد رجل متهتك وليس خاف أمره على أحد. ولكن، مع ذلك، أرسل رسالة إلى يزيد: أنه أبوك يقول هكذا، فأنت خفف قليلا، من