فتقول له: أحسنت، ما شاء الله، حصلت على درجة كذائية. ليس الغرض هكذا. أو عندك عامل تريد – مثلا – أن تحثه على العمل، فتقول له: ما شاء الله، بارع أنت، ذكي، وفَهِم، إلى غير ذلك. الفضائل والمناقب في الأحاديث ليست هكذا. الفضائل والمناقب التي قالها رسول الله في حق علي بن أبي طالب، هي عقائد، هي إشارات ضوئية تعلم الإنسان الطريق الصحيح. لذلك بعضها - إذا يُتأمل فيها - تهدي جماعة. لاحظ حديثا واحدا، توجهت له جماعة: "يَا عَمَّارُ آخِرُ شَرَابِكَ ضِيَاحٌ مِنْ لَبَن، وَتَقْتُلُكَ الْفِئَةُ البَاغِيَةُ". فقط هذا، لكن انظر، لما استشهد عمار إلى جانب أمير المؤمنين (ع)، فإن قطعة من جيش معاوية انحازت إليه، أي إلى أمير المؤمنين (ع)، وبحديث واحد. فليست القضية قضية مدح وثناء مجرد،
وإنما علامات ضوئية لبيان طريق العقيدة الصحيح. فالإمام الحسين (ع) كان يصنع ذلك. حج الإمام الحسين (ع) ٢٥ حجة. مذكور في بعضها أنه كان ماشيا على قدميه، وفي روايتنا في الوسائل توضيح لهذا المشي. ورواية صحيحة عن الإمام الصادق (ع)، جاء فيها ما يفيد: أنه حج على قدميه من مكة إلى عرفات ذاهبا وراجعا. وليس من المدينة إلى مكة، ٤٠٠ كيلو، وإنما أحرم بالحج من مكة إلى عرفات، قضى المناسك، ثم رجع ماشيا أيضا، بهذا المقدار. طبعا، من الممكن أنه في بعض الحجات، ذهب طول المسافة ماشيا، لكن هذه رواية تبين هذا المعنى. في هذه الحجات الخمسة وعشرين، كان الإمام الحسين (ع) - على الأقل في تلك الحجات التي كانت في الفترة الأخيرة - يتحين الفرصة لبيان مناقب وفضائل أمير
المؤمنين (ع) ويبثها بين الناس. وأهم ما جاء في هذا الأمر: المؤتمر الكبير الذي عقده الإمام (ع) سنة ٥٦ هجرية. فالإمام (ع)، سنة ٥٦ هجرية، ذهب إلى الحج - وسيترافق في سنة ٥٦ هجرية، في البحث الثالث: لماذا تحدث الإمام الحسين (ع) هكذا؟ - فلما صار في منى، ندب في الناس: بنو هاشم، أحلافهم، الأنصار، حجاج القرى والمناطق المختلفة، البلدان المختلفة، وجمعهم في فسطاطه. أنا أنقل لك قطعة مختصرة من ذلك؛ لبيان هذه الجهة. يقول: "ثُمَّ لَمْ يَدَعْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ، وَمِنْ أَبْنَائِهِم وَالتَابِعِينَ، وَمِنَ الأَنْصَارِ، المُعْرُوفِينَ بِالصَّلَاحِ وَالنُّسُكِ إِلَّا جَمَعَهُم". يعني: جاء بكل الصحابة الموجودين، والتابعين، الطبقة الثانية بعد الصحابة، وأبناءهم أيضا، وهكذا. "فَلَمَّا جَمَعَهُم قَامَ فِيهِم خَطِيبًا وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ قَدْ فَعَلَ بِنَا
وَبِشِيعَتِنَا مَا قَدْ رَأَيْتُم" وهذا، تعبير: الطاغية، موجود في الرواية. "وَإِنِّي أُرِيدَ أَنْ أَسْأَلَكُم عَنْ شَيءٍ، فَإِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُونِي، وَإِنْ كَذَبْتُ فَكَذِّبُونِي، اسْمَعُوا مَقَالَتِي وَاكْتُبُوْا قَوْلِي"، فلا بد أن يكون تدوين. "ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَنْصَارِكُم وَقَبَائِلِكُم فَمَنْ أَمِنْتُم مِنَ النَّاس وَوَثِقْتُم بِهِ فَادْعُوهُم إِلَى مَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَقِّنَا"، هذا عمل من الأعمال التي قام بها الإمام (ع)، إذ جاء فرأى الحجاج من مختلف الأقطار، من مختلف البلدان، فدعاهم، وقال لهم، سجلوا هذه الأحاديث التي سأذكرها. فإن كانت كاذبة - والعياذ بالله - فردوا علي. وإن كانت صادقة، فسجلوها. ثم اذهبوا بها إلى مناطقكم، وبلغوا هذه الأحاديث. أي: انشروا حق أهل البيت، بلغوا المذهب. وهذا ليس بخطاب لأولئك فقط، بل هذا خطاب لنا أيضا في هذا الزمان. من أمنتم من الناس،
ومن وثقتم به، فالمجتمعات التي لا مشاكل فيها، اعمل فيها على أن تبين مذهب أهل البيت (ع)، وتبين هذا الفكر الذي حُجر عليه لمئات السنين، وحوصر تمام المحاصرة. فهذه رسالة الحسين (ع) إلى من اجتمع في منى ذلك الوقت، ورسالته إلينا في هذا الزمان. ثم لم يدع حديثا ورد في حق أمير المؤمنين عن رسول الله، إلا وذكره، والناس يقولون: صدقت، صدقت يا أبا عبد الله. فهذا مؤتمر إسلامي عام وكبير للحجاج. الغرض منه ماذا؟ تبليغ مذهب أهل البيت إلى سائر الأقطار والأماكن. هذا في القسم الأول من أعمال الإمام الحسين (ع). القسم الثاني في المواجهة مع المخطط الأموي، نتحدث عنها، بعد الصلاة على محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد. فأول خطوة: التزم الإمام الحسين (ع) بالعهد