من فقهيات القضية الحسينية

من فقهيات القضية الحسينية
00:00 --:--

يعني هذا القلب الذي لا يحزن ليس بقلب. وهذه العين التي لا تدمع ليست بعين. هذه جدار، هذه شجرة، هذه خشب. ليس إنسانا. فالإنسان عواطف ومشاعر، فإذا لم تظهر عليه هذه الآثار، فجزء من إنسانيته مخدوش. وهذا موجود حتى في زمان الجاهلية.

ومما ينقل في زمان الجاهلية، كثرة بكاء الخنساء على أخيها صخر. فالخنساء السلمية: امرأة، كانت في الجاهلية، أدركت الإسلام، فأسلمت. توفيت في حدود سنة ٢٤ هجرية. وهذه تعتبر - في الأدب العربي - من أفخم من رثت أخا من الإخوة. أي لا يوجد شعر في اللغة العربية قبلها، كان بفخامة رثائها لأخيها. ولها الكثير من القصائد.

قذى بعينك أم بالعين عوار  أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار

وإن صخرا لتاتم الهداة به      كانه علم في رأسه نار

وإن صخرا لمولانا وسيدنا      وإن صخرا إذا نشتو لنحار

إلى غير ذلك. شعر فخم عندها. ينقل في كتب مدرسة الخلفاء، يعني: الكتب التي دُوِّنت في أحوال الصحابة؛ لأنها تعتبر من الصحابيات، باعتبار أنها أدركت رسول الله وأسلمت. ينقل في هذه الكتب: كالاستيعاب، والإصابة، وغيرها، الإصابة في معرفة الصحابة. والاستيعاب في أحوال الأصحاب. يذكرون: أن النبي (ص) كان إذا رآها أو جاءت إليه، كان يشير إليها أن تقرأ بعض أشعارها في رثاء أخيها، ويقول لها: إيه يا خِناس أو يا خُناس. يعني اقرئي، أنشدي من شعرك. وهذا منقول في كتب مدرسة الخلفاء.

المحقق التستري أعلى الله مقامه، أحد علماءنا الكبار الرجاليين، في كتابه: قاموس الرجال، نقل هذا المعنى أيضا في حياتها، ولم يعقب عليه، يعني: لم يقل هذا مخالف لشأن رسول الله، أو هذا غير ثابت، أو شيئا من هذا القبيل.

الشاهد أين؟ إذا صح هذا الخبر، فمعنى هذا: أن النبي (ص) كان يرى هذا الأمر أمرا طبيعيا، أن أختا ترثي أخاها. وقد كان صخر بالنسبة إليها عمود خيمتها، كما يقولون. ومن يراجع، يجد كيف كان حنونا عليها ويرعاها، فيعذرها لماذا كانت تنشد فيه بهذا الشكل. فهناك بعض الأخوة، ربما الأخت تقول يا رب: عجل به إلى الجنة بسرعة، على الأقل، حتى نحصل على الميراث سريعا. وهذا أخ. يا رب عجل أمره، حتى أمورنا تسهل. وهناك أخو، لا، الأخت تنوح عليه طوال عمرها، وتشعر مع ذلك بأنها مقصرة في حقه.

فإذا صحت هذه الرواية، أي رأى النبي (ص) امرأة تنوح على أخيها، وهو رجل قُتل في الجاهلية، ومع ذلك يعتبر هذا من المشاعر الإنسانية العادية، ومعنى هذا: لم يكن هناك ردع أو منع. فكيف إذا كان الأخ مؤمنا؟ وكيف إذا كان من علية المؤمنين؟ وكيف إذا كان مثل الحسين صلوات الله وسلامه عليه؟

هذا إذا كنا نقول: أننا لا نحتاج إلى أحاديث ولا إلى روايات، ويكفي أن تكون هناك سيرة عقلاء، وأن الشارع المقدس لم يمنع منها ولم يردع. فالشرع جاء ورأى أنهم يبكون على أحبائهم ومن يعظمونهم. وهذا شيء طبيعي، هذه قلوب حية، يقظة، هذه مشاعر إنسانية، طبيعية، والشرع لم يقل: هذا ممنوع.

ولعل واحد يأتي ويقول: أنه أتباع مدرسة الخلفاء ينقلون بعض الروايات عن النبي مخالفة لهذا، مثل: رواية عندهم، عن بن عمر، وعن عمر بن الخطاب: أن النبي (ص) مر على جنازة رجل، وكان أهله يبكون، فقال: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ". فإذا هذه الرواية موجودة، فمعناها ماذا؟ أنه يوجد ردع ومنع من هذا الأمر. وهذه الرواية هي في مدرسة الخلفاء عبارة عن معركة كبيرة. لأنه توجد رواية مخالفة لها تماما، ينقلونها عن عائشة، زوجة النبي، وعائشة عندهم أضبط في هذه الجهة، بل هي تقول: "أَنَّ ابْنَ عُمَر وَهِمِ". أي هو متوهم لما نقل هذا الكلام. وإنما قال النبي: "إِنَّهُم لَيَبْكُونَ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ"؛ لأنها كانت جنازة يهودي، واليهودي محله العذاب. وهؤلاء يبكون عليه! وهذا الكلام لا مشكلة فيه، فمصيره إلى النار، حتى لو أهله بكوا عليه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة