إدارة الحياة الإنسانية، الدين لا يأتي مؤسسا فيها. لا يبتكر، لا يؤسس، وإنما يمضي. يعني ماذا؟ يعني ليس عندنا نبي يأتي ويعلم الناس كيف تبيعون وتشترون؟ كيف تبيع، تعال أعلمك. كيف تقوم بمضاربة، تعال أعلمك. كيف تتزوج، تعال أعلمك من جديد. لا يوجد هذا الشيء. وإنما هي في الغالب إمضاءات أو ردع؛ لأن النبي يأتي في مجتمع، هو مجتمع موجود وقد أقام العقلاء فيه نظاما معينا. فقالوا: نحتاج إلى أن نبدل السلع، فابتكروا فكرة البيع. أرادوا أن يشغِّلوا أموالهم، ابتكروا فكرة المضاربة. أرادوا أن يتناسلوا، فكان موضوع الزواج. أرادوا أن يفترقوا إذا لم يتفقوا، فكانت فكرة الطلاق.
هنا، يأتي الدين إما يمضي شيئا بكامله، فيقول ماذا: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ). أي هذا البيع الذي عندكم، هو عندكم قبل أن يأتي النبي محمد (ص)، ومن قبل أن يولد، إذ كان يوجد بيع وشراء. فلما أتى النبي (ص) أحل هذا البيع الموجود عندكم، أي جعل هذا حلال، جائز. لكن بعض أنواع المعاملات مرفوضة، مثل: الربا. فالربا فيه آثار أخلاقية سيئة، وآثار اقتصادية مدمرة، فهو حرام وغير جائز.
فيأتي يعدل بعض الشروط، فهذا الأصل موجود. في الطلاق على سبيل المثال، كان يكفي في زمان الجاهلية أن يقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك، أو غيبي وجهك عني، لا أريد أن أراك. يطردها، فيحصل الطلاق.
فجاء الدين، وقال: لا. نحن نريد أن نقلل فرص الطلاق. لا نريده سهلا، فإذن لا بد من ماذا؟ من شروط إضافية فيه، على قاعدة: إذا كثرت القيود، قل الموجود. فيقول: لا بد أن يكون هناك شاهدان، وشاهدان عادلان، يسمعا الطلاق. لا توجد مسألة أنك لاحقا تذهب إليهم وتخبرهم. وأن لا تكون المرأة غير طاهر، وأن لا تكون هناك مواقعة في هذا الطهر، حتى يؤخر ويدفع إلى الخلف، إلى عدم الطلاق. فليست المسألة أنك الآن أتيت، فرأيت الطعام غير جاهز، غضبت، وقلت: الحقي بأهلك. فوقع الطلاق! لا، انتظر، اذهب ابحث لك عن الشهود، ربما يبرد غضبك.
ثم إذا أتيت بالشهود، فهل هي الآن في غير طهر، في حالة الدورة الشهرية، فانتظر أسبوعا كاملا حتى تطهر، ثم إلى أسبوع "أفراج" حسب التعبير. فيأتي الشرع هنا، فلا يصنع الطلاق، لا يبتكر الطلاق، فالطلاق موجود عند المجتمعات، وإنما يصنع شروطا له وقواعد تحدده. المضاربة أيضا، يأتي الدين ويقول لك: لا بد أن تكون هكذا، بنسبة، وليس بمبلغ معين. وعلى هذا المعدل.
فإذا كان هكذا، وجئنا ورأينا أن المجتمع قائم على نظام معين، فإذا الشرع لم يقل لنا أنه ذا ليس زينا، وما ردع عنه، وما منع منه، فما قال: (حَرَّمَ الرِّبَا)، أي لو فرضنا أنه ما جاء في القرآن: (حَرَّمَ الرِّبَا)، وما جاء في الأحاديث: "دِرْهَمُ رِبَا أَشَدُّ مِنْ زِنْيَةٍ بِمِحْرَمٍ فِي بَيْتِ اللهِ الحَرَام"، فلو هذا ما جاء، كانت حتى المعاملات الربوية، جائزة أيضا. لماذا؟ لأنه لا يوجد ردع عنها، لا يوجد منع.
فإذن، سأجمع لك المبحث، المنهج الثاني يقول: لا بد أن نفرق بين العبادات وبين المعاملات. فالعبادات لا يمكن للواحد منا أن يتصرف فيها، فهي ليست شغل المجتمعات. فأي اقتراح فيها، مرفوض. أي عالم لا يمكن أن يغير ويبدل فيها. لكن المعاملات شيء آخر، فهي اعتبارات عقلائية، بين عقلاء الناس، يقومون بها لتنظيم حياتهم الاجتماعية، والشرع يأتي: إما يمضيها بالكامل، فيقول: هذه مجازة. أو يقول: لا، هذه باطلة، ولا تقوموا بها، أو هذه صحيحة بهذه الشروط.
فإذا جئنا مكانا ورأينا عملا من الأعمال التي ما قال الشرع فيها شيئا، ما منع عنها، فهنا نقول: هذا العمل من الأعمال الجائزة. ومن ذلك: قضية المراثي، وإظهار الحزن على المفقودين، وإظهار التألم والبكاء. فإن هذا الأمر كان موجودا، ولا يزال، حتى في غير المجتمعات المتدينة والمسلمة. فهي حالة من الرحمة، حالة من العاطفة. الإنسان ليس أسطوانة، ليس شجرة، يتأثر، وهذا الذي يشير إليه النبي المصطفى محمد (ص)، فيقول: "إِنَّ القَلْبَ لَيَحْزَن وَإِنَّ العَيْنَ لَتَدْمَع".