فالرجل فيه ميزات، أنا تحدثت عنه في أحد المناسبات، وهو منهج، إذ ينبغي أن يلتفت شيعة أهل البيت إلى الأشخاص، إلى العلماء، الذين عندهم منهج. فالعلماء كثيرون، والحمد لله، فهذه المدرسة مباركة، لكن أصحاب المناهج الخاصة والمدارس الخاصة، هؤلاء ليسوا بتلك الكثرة، وواحد منهم: السيد عبد الحسين شرف الدين، كان عنده تجديد في قضايا المنبر، وكان عنده كتب في هذا المجال. وعنده كتاب أيضا دوَّن فيه هذه المسائل، القضايا الأدلة، الأدلة الفقهية على ما يقوم به الشيعة الامامية.
فإذن عندنا، مثل هذه القضايا محسومة. لكن عند الأطراف الأخرى قد لا تكون محسومة. لذلك نحن نحاول أن نتعرض هذه الليلة إلى بعض منها، بالرغم من أنها – كما قلنا – بعضها هي محسومة من الناحية الفقهية، لكن نحن لا يغنينا فقط أن يكون دليلنا عندنا موجودا، وإنما ينبغي أن نصحر في معارف أهل البيت، وفي علوم أهل البيت، إلى عامة المسلمين حتى يتعرفوا على هذا المنهج..
إذن نتعرض إلى هذا القسم الأخير، ما يرتبط بالممارسات التي يقوم بها شيعة أهل البيت (ع) فيما يتصل بالقضية الحسينية، وأوضحها: قضية الحزن، والبكاء، وإقامة المأتم، وما يرتبط بذلك من نشاطات. فهل هذا أمر سائد أم لا.
أشير هنا إلى منهجين في المعالجات الفقهية، سواء عند مدرسة الخلفاء، أو عند مدرسة أهل البيت.
المنهج الأول: يعتقد أن الأنبياء عندما يأتون إلى المجتمع البشرية، يأتون وأمامهم صفحة بيضاء، فيكتبون على هذه الصفحة البيضاء تشريعات ودساتير مفصلة. ولهذا يعتقد هؤلاء أنه إذا جئنا فرأينا نصا يصرح بجواز هذا العمل، يكون جائزا. فإذا ليس هناك من أثر يقول لنا: افعلوا، أو أن النبي فعل. فالمفروض أن نتوقف. لماذا؟ لأن الأنبياء عندما يأتون، يأتون بالتفاصيل كلها، ويكتبونها على صفحة الحياة البشرية. وهذا المنهج غالبا يلتزم به أهل الحديث من مدرسة الخلفاء.
فأهل الحديث من مدرسة الخلفاء، عندما تقول له أي شيء، يقول لك: هات لي شيئا من رسول الله، حتى فيما بينهم، وليس فقط فيما يرتبط بنا. فمثلا: قضية المولد النبوي. قضية المولد النبوي عند أكثر المسلمين من مدرسة الخلفاء راجحة ومستحبة ويهتمون بها اهتماما كبيرا، لا سيما أتباع المذهبين المالكي والشافعي، يهتمون بها اهتماما عظيما. لكن أتباع المدرسة السلفية يخالفون هذا الأمر بنفس القوة والحدة.
فيأتي ويقول لك: هل أن النبي قد احتفل بمولده؟ فأقام له عيد ميلاد مثلا؟ لم يفعل. هل أن الجيل الأول من المسلمين، الصحابة، احتفلوا بميلاد رسول الله، وجلبوا له كعكا مثلا، وقطعوها، وإلى آخره؟ لم يفعلوا. فإن لم يكن كذلك، يكون هذا عمل غير مشروع. لماذا؟ يقول لك: لاعتماده على أن الدين عندما يأتي، يكتب التفاصيل على صفحة الحياة البشرية، فإذا رأينا فلان مكان ليس هناك من شيء، فمعنى ذلك: لا يسوغ لنا. وهذا عادة عند أهل الحديث، ولا سيما في المدرسة الأخرى، مدرسة الخلفاء، وبعض أتباع المدرسة الامامية ولكن بنسبة قليلة. هذا المنهج الأول.
المنهج الثاني ينتهي إلى شيء آخر. يقول لك: نحن لا بد أن نفرق بين أمرين، قسمين: قسم العبادات، وقسم المعاملات. العبادات: من صلاة وصوم وحج واعتكاف وما شابه ذلك، فهذه أمور تعتمد على التوقيف. فلا يتدخل فيها الإنسان أبدا. فقد جاءت بشكل معين، فهي لا بد أن تؤدى بنفس ذلك الشكل زمانا ومكانا وكيفية. فلا مجال فيها أصلا للاقتراح.
جاءكم الحج، والموقف فيه هو يوم التاسع من ذي الحجة. فيأتي أحد ويقترح: بدل هذه الزحمة، لماذا لا يكون كل تاسع، من كل شهر، حج؟ بحيث يتوزع الناس، فتاسع محرم: موقف الجماعة الفلانية، وتاسع صفر: موقف جماعة، وتاسع ربيع، وعلى هذا المعدل. لا يمكنك أن تفعل هذا. هذا أمر عبادي لا مجال للدخول فيه، ولا التغيير، ولا التبديل، ولا الاقتراح. الصوم كذلك، الصلاة كذلك. لكن أمر المعاملات وإدارة الحياة الإنسانية ليست هكذا.