من فقهيات القضية الحسينية

من فقهيات القضية الحسينية
00:00 --:--

وهذا أين، وذاك أين: أنه إذا أحد مسلم يبكي عليه أهله، يُعذب! فأولا: هي الرواية تعارضها روايات أخرى عندهم، لذلك وقعت معركة حامية الوطيس، وغبارها ما خمد إلى الآن. فأي الروايتين صحيحة، هذه منقولة في صحاحهم، وتلك منقولة في صحاحهم. هذه عن صحابي، وهذه عن صحابي. أما نحن فنعتقد أن هذه الرواية ليست صادرة عن رسول الله (ص).

ثم إذا كان هذا الكلام صحيح، فهو يخالف ما كان عليه رسول الله (ص). فرسول الله (ص) بكى. بكى على حمزة، وبكى على زيد بن حارثة، وبكى على جعفر بن أبي طالب، وبكى على إبراهيم، وبكى على عدد كبير ممن ذكرهم صاحب العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي. إذ ذكر عددا كبيرا ممن بكى عليهم رسول الله (ص) في باب المراثي.

فإذا كان الذي يبكي على واحد يُعذب هذا الواحد ببكاء الحي عليه، فالنبي لم يقم بعمل طيب مع حمزة، ولا بعمل طيب مع زيد وجعفر، ولا بعمل طيب مع إبراهيم. فهذا الحديث مخالف لسنة رسول الله (ص) فلا يعتبر به، على أنه مخالف للقرآن الكريم: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

وإذا التزمنا بهذا الحديث، معنى ذلك: لو أريد أن أعذب أحدا بنحو زائد، سأقتل نفسي من البكاء عليه، حتى هناك يتولونه بالعذاب. وهذا أمر غير معقول. بالإضافة إلى ذلك أن النبي المصطفى صلوات الله عليه نقل عنه كثيرا أنه بكى على أصحابه بكاء ظاهرا إلى حد النشيج.

ينقلون: لما استشهد حمزة ابن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه، جاء النبي ومعه فاطمة، إلى صفية بنت عبد المطلب، أخت حمزة، عمة النبي، كنوع من المواساة. فكان كلما بكت صفية بكى رسول الله، وإذا نشجت صفية نشج رسول الله. فإذا فرغت صفية، بكت فاطمة، فبكى رسول الله، وإذا نشجت فاطمة، نشج رسول الله.

تدري، عادة النساء أرق قلبا، أسرع دمعة من الرجال. فإذا يجتمعون، خصوصا في مصيبة، فعادة سرعة البكاء عندهن أكثر. فهذه أخت حمزة وفاطمة الزهراء (ع) كن يبكين ورسول الله يبكي معهن. وليس فقط بكاء، لأن البكاء يصدق حتى على سيلان الدمع. بل نشيج، كان ينشج رسول الله، وهو ظهور الصوت والأنفاس المتلاحقة، يسمى نشيج. فلو كان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، فكيف ينسجم مع هذا!

كان يبكي على زيد بن حارثة، وعلى جعفر بن أبي طالب، عندما وصل خبر استشهاده، حتى قال له بعض أصحابه، ويظهر من خلال بعض القرائن أن هذه الحالة كانت موجودة عند قسم من أصحاب رسول الله، وهي حالة بدوية خشنة، وإلى الآن موجودة، إذ يعتبر قسم من هؤلاء أن البكاء ليس من شيمة الرجال. البكاء للنساء، والرجل لا يبكي، الرجل خشب، كنكريت مسلح. ليس له قلب، ليس له عواطف، ليس له مشاعر.

أذكر مرة من المرات، كنا في البقيع، فجاء أحد هؤلاء ممن لا ينهجون منهج أهل البيت الحق، فرأى جموع الناس تبكي، وتتألم، وتدمع، فظل يصرخ: الرجل لا يبكي، الرجل لا يبكي، المرأة التي تبكي. نعم، الرجل عنده لا يبكي، لأنه خشب، ولا يتأثر، فلا في الدعاء يبكي، لا في القرآن يبكي، لا في المصيبة يبكي، هذا إنسان مخلوق من نوع ثان أصلا.

فسأله بعض الحاضرين، قال: "يَا رَسُولَ اللهِ، حَتَّى أَنْت؟!" أو "هَذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟!" أي أنت أيضا تبكي. قال: "إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ، كَانَا يُؤْنِسَانِي وَيُحَدِثَانِي"، أو "كَانَ مُؤْنِسَايَ وَمُحَدِّثَايَ". أي هؤلاء كانوا هكذا، بالتالي أنا أمتلك عواطف خاصة تجاه هؤلاء، بالإضافة إلى أنهم شهداء.

وقولته المعروفة عند إبراهيم: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَم، إِنَّ العَيْنَ لَتَدْمَعُ وَإِنَّ القَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". فإذن النبي المصطفى (ص) يدشن هذا المعنى. وفي خصوص قضية الحسين، نجد عناية خاصة من رسول الله بإثارة مشاعر الحزن، حتى تصبح سنة أيضا.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة