تطور المأتم الحسيني عبر العصور

في شمال سوريا، حلب وأطرافها. والحمدانيون: قبيلة عربية أصيلة، وعلى أثر الفوضى التي كانت تعاني منها المنطقة، وتداعي قوة الخلافة وتراجعها، هم سيطروا على تلك المنطقة التي كانوا قد عاشوا فيها، وهي: حلب، وأسسوا دولتهم، وكانوا شيعة لأهل البيت (ع). فأظهروا شعار التشيع، وأحيوا مراسم كربلاء، وساهموا في نشر المأتم والمنبر الحسيني، بحيث كان زعماؤهم ورؤساؤهم يساهمون في مثل هذا المأتم في أيام عاشوراء، من رجالهم المعروفين، سيف الدولة الحمداني، والشاعر أبو فراس الحمداني، صاحب القصيدة الشافية: الحق مهتضم والدين مخترم وفيء آل رسول الله مقتسم إلى آخر قصيدته، هذا أيضا، أي وجود هذه الدولة جعل المأتم الحسيني يتطور، يمارس نشاطه وعمله في العلانية، وفي الظهور، من دون خوف أو وجل. الدولة الثالثة، كانت: الدولة الفاطمية التي تمكنت في مصر

بحدود سنة ٣٨٠ هجرية، وكانت قد بسطت سيطرتها وهيمنتها على مصر، وأظهرت شعائر التشيع، وشعائر الحسين (ع). ولعلنا نلاحظ أول مكان ذكر فيه اسم الحسينية بما هي مكان متخصص لذكر الحسين (ع)، هو: في مصر. فربما تأسس في مكان آخر، لكن التاريخ يسجل هذا في مصر. راجعوا كتاب: مختصر تاريخ العرب، لمؤلفه مير علي، وهو من الكتب القيمة. يذكر يقول: "ومن أفخم عمارة الفاطميين في القاهرة: الحسينية، وهي بناء فسيح الأرجاء، عالي الأركان، يقرأ فيه قصة مقتل الحسين في كربلاء في أيام عاشوراء". فالحسينية، كما يقول، هي من أفخم عمارات الفاطميين في مصر. وتدرون بالعمارة الفاطمية. فهي عمارة متطورة، وإلى الآن معروفة بميزاتها الخاصة، يقول: "من أفخم من عمارتهم، كانت الحسينية. والحسينية هي المكان المعين، الواسع، العالي الأركان"، فهي بناء،

يتخصص في قراءة المقتل وذكرى عاشوراء وأيام كربلاء، هذا يذكره هذا المؤرخ والمؤلف. فصار عندنا في هذه الحالة، حسينية. ومعنى ذلك: أن الحسينية، في أقرب الفروض، عمرها أكثر من ١٠٠٠ سنة من الزمان. سنة ٣٨٠، ونحن الآن في ١٤٢٧، يعني: أن بيننا وبين أول حسينية رسمية، مبنية على أساس أنها مكان لكي يذكر فيه قضية كربلاء، أكثر من ١٠٠٠ سنة من الزمان، وكان ذلك في مصر. طبعا هذا فيما بعد تراجع، على أثر مجيء سلاطين بني أيوب، وصلاح الدين الأيوبي بالذات، حيث محى ومسح كل أثر للتشيع في مصر.وعندنا دولة أيضا رابعة، لكن قد يكون تأثيرها، ليس ذلك التأثير العظيم، وهي الدولة العيونية، والتي كانت في الأحساء، وهي دولة شيعية، فالعائلة العيونية، الذين فيهم الشاعر، علي بن المقرب العيوني، وهو

من الشعراء المهمين. وهذه أيضا كانت دولة شيعية أظهرت شعائر التشيع في مناطقها. هذا التحول، هذا التغير: وجود عدد من الدول الشيعية في هذه منطقة المسلمين، في بلاد المسلمين، أثر أثرا مباشرا إيجابيا على المأتم الحسيني، واستمر هذا إلى سقوط بغداد. فقد كان هناك منشدون، وكان هناك خطباء، وصار عندنا شيء باسم الحسينية، وشيء من التخصص في ذكر الواقعة الحسينية. الوقت أخذنا ولم نستطع أن نستوفي كل المبحث، وهو مبحث طويل الذيل، وفيه تفاصيل كثيرة، ولكن نحن نختصر الحديث إن شاء الله. من بعد سقوط بغداد، سيطر التتار في البداية، ثم الأتراك فيما بعد، على وضع المسلمين. وكلا الفريقين ساهم مساهمة سلبية في انتشار المأتم الحسيني. فالتتار في بدايات أمرهم، لما جاؤوا جماعة عسكريون، لا يعرفون القضايا، وكانوا يخشون على

مواقعهم وعلى ملكهم، وكان موقفهم العام في البداية، موقف سلبي تجاه كل الوجود الإسلامي، فمن الطبيعي أنهم لا يشجعون قضايا الاجتماع والالتئام؛ تخوفا على ملكهم. فيما بعد. الأتراك أيضا قاموا بنفس الدور، أنهم كانوا على غير مذهب أهل البيت. ولم يكونوا ينظرون إلى المأتم الحسيني وما يجري فيه، نظرة ارتياح. لذلك عانى المأتم الحسيني في هذه الفترة من التراجع، ورجع من الواجهة التي كان فيها إلى الخلف، من العلانية إلى الخفاء، وإلى السرية، وإلى المحدودية. إلى بدايات العصر الحديث، كما يقول الشيخ شمس الدين، رحمه الله. في هذا العصر توجهت الحوزات العلمية، والمرجعيات الدينية، إلى أهمية المأتم والمنبر، وأرادت أن تحدثه وأن تطوره، حتى يمارس الدور الأكبر في حياة أبناء الطائفة بل في حياة المسلمين. وبالفعل هذا الذي حدث. ففي

مشاركة عبر:
الملفات المرفقة
تطور المأتم الحسيني عبر العصور
WMA 0.00 MB 4,870
تحميل الملف
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة