الفترات السابقة إلى قبل بدايات العصر الحديث، كان المأتم الحسيني مقتصرا على ذكر الرثاء، إما رثاء شعري، وإما رثاء نثري، كما نجده -مثلا - في كتاب الفخري، الموجود الآن عندنا. فكتاب الفخري للمنتخب، لفخر الدين الطريحي، بناء على أن يكون كل ما فيه صحيح النسبة للطريحي. فمن الواضح أن المضمون العام، وما فيه، هو مضمون رثائي ويختص بذكر الواقعة، من دون أن يكون هناك جانب آخر، غير جانب المصيبة، ووصف ما حصل فيها، ورثاء الحسين، وأصحاب الحسين (ع). المرجعيات الدينية، والحوزات العلمية، في بدايات العصر الحديث رأت أنه له، لو تم تطوير المأتم الحسيني، لانتفعت منه جموع المسلمين، في التوجيه، والإرشاد. وبالفعل صار هناك تحركات مختلفة سواء على مستوى فردي، أو على مستوى جماعي، وأصبح عندنا مدرسة جديدة في الخطابة
الحسينية التي لا تقتصر على ذكر المصيبة، وإنما الجهة الأساسية في المأتم كانت التوجيه الثقافي والعلمي والديني، بحيث يكون في هذا المأتم والمنبر جانبا معقولا من الرثاء الحسيني وذكر المصيبة.والآن نحن نشهد هذه الطريقة الجديدة التي تنتشر في بلاد المسلمين، وبالذات في التجمعات الشيعية، ولا سيما في مثل هذه الأيام العاشورائية، وكيف كان لها نفع كبير جدا، بحيث تحولت المآتم الحسينية إلى مدارس توعوية، وإلى جهاز اتصال تثقيفي دائم، منذ ذلك الوقت الأول وإلى يومنا هذا. فاستفادت منه المرجعيات الدينية حتى في مقاومة الاستعمار. فمثلا: وجدنا أيام المواجهة بين البريطانيين، وبين الحوزة العلمية وجموع المؤمنين في العراق، أيام ثورة العشرين، ١٩٢٠، كيف خدم المنبر الحسيني حركة الوعي والجهاد والنضال. وهذا الاتصال الذي كان بين العلماء وبين الناس، من خلال المنابر،
خدم المرجعية الدينية خدمة كبرى، وخدم الناس ولله الحمد.ونحن نجد اليوم أنه أصبحت بعض هذه المنابر، أشبه بالمدارس الدائمة، ونذكر هنا بجميل الثناء والذكر، ونسأل الله له الرحمة، الشيخ الوائلي، تغمده الله بالرحمة، وأسكنه فسيح الجنة، الذي يعتبر رائدا من الرواد في هذا الجانب، وصاحب مدرسة في هذا التوجه الحديث للمأتم الحسيني والمنبر الحسيني. ولم يكن الوحيد، كان أيضا، قبله آخرين. الشيخ: كاظم سبتي كان موجودا، الشيخ محمد علي اليعقوبي كان موجودا، سيد صالح الحلي كان موجودا، وآخرون، كانوا في هذه المدرسة، وضمن الإطار الجديد للمآتم والمنابر الحسينية. ونحن نشهد - بحمد الله - آثار وبركات وخيرات هذا التوجه الجديد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديمه وأن ينفع المؤمنين خير نفع. إنه على كل شيء قدير. بعد هذا التطواف، وإن
كان غير مستقص. ينبغي أن نخلص إلى عدة أمور، الأمر الأول: أن التطوير في المأتم والمنبر الحسيني يخدم المأتم والمنبر ولا يضره. يعني: لو فرضنا أن المأتم الحسيني والمنبر الحسيني، بقي على حالته الأولى الرثائية المجردة، ربما كان عدد كبير من الناس لا يستهويهم هذا الجانب، فكانوا ينفضون عن التوجيه، وعن الإرشاد، وعن المعرفة الدينية. وتطور هذا المأتم والمنبر إلى أن وصل إلى صورته الحالية، فبعض المآتم نراها مدرسة تفسيرية، وبعض المآتم نراها مدرسة تربوية وأخلاقية، وبعضها تهتم ببيان الأحكام الشرعية، بعضها تهتم بتركيز وتثبيت العقائد الدينية. ومثل هذا الأمر، جعل عددا كبيرا يجدون ضآلتهم في هذه المآتم وما ذلك إلا لأجل حصول هذا التطوير في مآتم الحسين (ع). فالتطوير والتجديد ينفع المأتم، يثري المأتم، ونحن نعتقد أنه لا يزال
المأتم والمنبر فيه مجال واسع للتطوير ويتحمل مقدارا أكبر من التجديد، وسيعطي نتائج أعظم من الفائدة للناس عموما لو تم تطويره. هذا أمر أول. الأمر الآخر: يمكن أن نشير إلى أن هذه الفترة الزمنية التي مر بها المأتم الحسيني، والمنبر الحسيني، والتي تمتد إلى ١٤ قرنا من الزمان، تفيد إلى أن المآتم الحسينية ليست حاجة مؤقتة، وليست ترفا كماليا، حتى يأتي يوم من الأيام، وترتفع هذه الحاجة المؤقتة، أو هذا الترف الكمالي سوف ينسحب، أو أن قضية من القضايا سوف تأتي وتزيل المأتم والمنبر الحسيني عن موقعه في مجتمعات شيعة أهل البيت (ع). كلا.فالمأتم مربوط بالحسين (ع)، والحسين قد أعطى إلهه كل ما كان يملك. فأعطى الله للحسين خلودا. أعطى الذي ملكت يداه إلهه حتى الجنين، فداه كل جنين. وبعز