وحمل أيضا تبعات ما خلف، "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةٍ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرَ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَة"، فكل قطرة دم أريقت في زمان يزيد، وعلى يده، كانت بالتالي تنتمي إلى من نصب، ومن هيأ الأمور ليزيد، وهو: أبوه. فجهز الأمور لكي يكون ابنه هو الخليفة. فاغتال بعض الشخصيات، واغتال الإمام الحسن (ع)، واغتال عبدالرحمن بن أبي بكر، وهذا بحث طويل أيضا، يحتاج إلى دراسة: ما الذي صنعه معاوية؛ لكي يمهد الأمور لمجيء يزيد، من عمليات قتل قام بها حتى في غير صفوف شيعة أهل البيت (ع). فعبدالرحمن بن أبي بكر يحتمل أنه كان ينازع – مثلا - يزيد، باعتبار أن أباه خليفة أيضا، وأكبر من يزيد سنا، فإذن لا بد على طريقة "إِنَّ للهِ جُنُودًا مِنْ عَسَلٍ"، وأنهى أمره.
وكذلك بالنسبة إلى الإمام الحسن. وبالتالي هذا أيضا قد لقي نفس المصير الذي أوصل إليه غيره، وشرب من نفس الكأس التي سقى بها الآخرين. فأتى يوم من الأيام وهلك، وذهب إلى ربه. فقام بالحكم خلفه يزيد بن معاوية، وأرسل على الفور رسالة إلى ولاته، ومنهم: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان في ذلك الوقت هو الوالي على المدينة، وولاة المدينة والكوفة كانوا يتغيرون بشكل عجيب، باعتبار أن القضية ليست قضية كفاءة ولا أهلية. فأنا ذات مرة حاولت أن أرى: كم واحد تولى على المدينة وفي أي فترات؟ فعجزت في الواقع! لأنه أحيانا، هذا يتولاها بعد شهر، ثم يعزله ويأتي بواحد ثان لستة أشهر، ثم يعزله ويُرجع الأول! وهكذا، ولهذا بعض الروايات تأتي فتقول: كيف تولى هذا ولاية المدينة من
هذا التاريخ؟ ولماذا بعدها بشهر مثلا، الوالي: فلان، وقبله بشهر: شخص آخر! هي كانت بهذه الطريقة، لا تعتمد على الكفاءة، وإنما على الأهواء والمحسوبيات. الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان، صار واليا على المدينة بعد مروان بن الحكم. ويظهر من عموم شخصية الوليد أنه ما كان شخصية صدامية كما كان مروان بن الحكم. فأرسل إليه يزيد: "خُذْ الْبَيْعَةَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ عَامَّةً، وَمِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ خَاصَّةً: مِنَ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَبْدُاللهِ بْنِ الزُّبَيرِ، وَعَبْدُاللهِ بْنِ عُمَر، فَإِنْ قَبِلُوا وَإِلَّا فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُم".الوليد بن عتبة أرسل خلف الحسين (ع)، وعندنا روايات تشير إلى أن الإمام الحسين كان قد علم بموت معاوية قبل وصول البريد. فالبريد - من دمشق إلى المدينة - استغرق حوالي ١١ يوما. من ١٥ إلى ٢٦ رجب، ثم وصل
إلى المدينة. فالإمام الحسين استخبر بذلك. ولما استدعي، واستدعي معه عبدالله بن الزبير، سأله عبدالله بن الزبير: ماذا هناك؟ قال له: "ظَنِّي أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ هَلَكَ". إذ لا يريد أن يقول له: أنا لدي علم خاص. فذهب الإمام الحسين (ع)، ومعه بنو هاشم، إلى دار الإمارة عند الغروب. وجعل الإمام أهل بيته على بوابة القصر، ودخل هو منفردا، في اجتماع خاص. فعرض عليه الوليد بن عتبة: أن معاوية قد مات، وأنت مدعو للبيعة. الإمام الحسين محاور ذكي. والحوار يحتاج إلى ذكاء، وليس إلى عركة من أول يوم. وتبين أن الحسين كانت عنده هذه القدرات في صورتها الأعلى، فأراد أن ينهي الأمر بأسهل ما يمكن، ثم يقرر ما يراه مناسبا. فلما قال له: وأنت مدعو للبيعة. قال: "يَا أَمِيرُ، مَا أَظُنُّكَ
تَقْبَلُ بِبَيْعَتِي سِرًّا"، لست أنا الشخصية التي تبايع منتصف الليل، دون علم أحد! أنا شخصية اجتماعية، عامة، ولا تفيدك أيضا بيعتي سرا، ولكن "نُصْبِحُ وَتُصْبحُونَ وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُونَ، أَيُّنَا أَحَقُّ بِالخِلَافَةِ"، فأراد أنه ينهي الاجتماع بهذه الطريقة. وهذه إحدى طرق التفصي في مثل هذه الزوايا الحرجة. الوليد بن عتبة، قال له: "الأَمْرُ كَمَا تَرَى"، لكن مروان بن الحكم قال: "يَا أَمِيرُ، لَإِنْ فَاتَكَ الثَّعْلَبُ لَنْ تَرَى إِلَّا غُبَارَهُ. أَوْثِقْهُ كِتَافًا". كتِّفه، ثم أعرض عليه البيعة، "فَإِنْ بَايَعَ وَإِلَّا فَاضْرُبْ عُنُقَهُ. وَإِنْ أَبَيْتَ فَمُرْنِي حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ". فالقضية لا تتحمل أن يخرج أو كذا أو يتفاوض أو غدا، الآن لا بد أن ينجز الأمر. الإمام الحسين (ع) رأى أن هذا الذي أمامه هو طريد رسول الله، لعين رسول الله، تاريخه، تاريخ أسرته،