فليكنْ عندنا أيضاً وعلى وجه العُمومْ سَواء عَالم دينْ أو إنساناً مثقفاً أو شخصيّة اجتماعية عنصراً للتحريضْ والتشجيعْ على فعل الخيرْ إذ لنْ نخسر شيئاً. وأنتَ أيها الكرمْ فلتُحرضْ و أنت تعبأ، و أنت تتكلم قد تصَادف نفساً قابلة وعَزيمة تحتاجْ إلى إيقاظ فإذا به تكونْ أنتَ المُشجع و بالتالي ستكونْ الدّال على الخيْر كفاعله. وكانتْ هذه أحد خصائص السيّد رحمة الله عليّه التي نشهَدها في حياته.
نشهد فيه أيضاً حًالة التواضعْ وعَدمْ الاكتراث لمَا هُو فيْ الذّاتْ. عندَما يُخبرونهُ أنّه هناكَ أحداً يتحدّثْ عنك، بلْ و عندَما يُهاجم ويُتحدث عليّه أمَامه لا يكترثْ لذلكْ و حَتى بعْض أتبَاعه وتلامذته كانُوا يقولونْ إليه لماذا لا ترُد على زيدْ وعبيدْ وفلانْ و فلانْ فإنّهم يُهاجمونك ويتكلمونَ ضدك فقال: (ْأنا عنْدي وقتاً واحداً فإمّا أنْ أصرفُه في الرّد على ذا وذاك أو أصْرفه في التأليفْ فيما ينفع الناسْ) أيّ إذا صار عندي وقتين وعُمرين سأنتهي من هذا وأذهبْ إلى ذاك ولكن ليس عندي إلا عُمراً واحداً ووقتاً واحداً فأنا إنْ أْصْرفه فيمَا ينفعْ وفيما يبْقى وفيمَا يُفيد للمُجتمع منْ الكتابة أجْدى وأنفعْ و أكثر ثواباً. فما كان يَرى لذاته فيْ هَذا الجَانب مدخليّه كبيرة أو شيئاً مُهما وكانْ متواضعاً
بلْ غايةً التّواضعْ وخاصّة عندَ مُباشرَته إلى اسْتقبالْ النّاس وإقباله عليّهم وتفقده حَالهم وهذا أمرٌ مَشهودْ. أنا أذكرْ حَادثة شخصيّة غيرتْ الكثيرْ في مَسار حياتي: إذْ كنّا عائدينْ من العرَاق معَ المَرحُوم والدُنا رَحمَة الله عليهّ وعلى أمْواتكم والسّامعينْ جميعاً و رُبما كانْ عُمري في ذلكَ الوَقت ما بينْ ١٣ إلى ١٤سَنة و قدْ رَجعْنا منْ النّجف الأشرَف. و في ذلك السنْ لمْ أقبلْ بالدرَاسة الدينيّة ولا أريد أنْ أدرسْ إذ كنتُ في سن صغيرْ وكان عمرْ عدَم فهم ودرايّة بأفضلياتْ الأمورْ، فقلنا لوالدنا: لا نريد أنْ ندرسْ ونريدْ أنْ ونرجعْ إلى بلادنا وينتهيْ الأمرْ، فأعادنا والدُنا رَحمة الله عليّه وقدْ علّمَنا جزاه الله خيرْ بأنّ كلْ العُلماء نور وهو كانْ من مقلدي السيد الخوئي رحمَة الله عليّه فكان يُقدر
الوالدْ ويَعرفه فكانْ يُقسم خمْسَه أثلاثاً و يرْسل قسماً إلى الشهيد الصّدر رَحمة الله عليه وقسماً إلى السيّد مُوسى الصدرْ في لبنانْ وقسماً إلى السيّد محمد الشيرازي رَحمَة الله عليهّم أجمعينْ، فكانْ لديه نظرية وهي أنّه لو أنّ هؤلاء الثلاثة يتوافقوا في العَمل لأخذنا الدنيّا كلها و عالمْ التشيعْ الشاهد على ذلك، وأثناءْ عودتنا قال والديْ رحمه الله دعونا نمر على السيّد الشيرازيْ لأنّ الطريقْ يكونْ عادةً من العرَاق بواسطة السيّارة فيكونْ منْ العراق إلى الكويتْ ومنْ الكويتْ إلى بلادنا. فقال والدي: يكونْ طريقُنا بمرُورنا على السيّد الشيرازيْ ونسلمْ عليّه، فذهبنا عنده قبل الظهر وقبل الصّلاة و جلسنا عنده في المجلسْ، وأنا كنتُ حاسراً آنذاكْ أيّ (بالثياب العاديّة) فشهدتْ أنّ لهذا السيّد الجليل الكبيرْ علماّ وسناّ وقدراّ و أقبلَ عليّ
بكلمَة وأخَذ يتفقد الأحوالْ فسَألنيْ ماذا تدرس في المَدرسة الرسْميّة؟ وإلى أينْ وصلتْ في المدرسة الحَوزوية؟ و إلى أينْ وصلتْ في الدرُوس؟ ألا تعْجبك ؟ وماهي الدروس التيْ لا تعجبك؟ ثمّ إنّه بدأ يقترحْ علي اقتراحاتْ في الدرُوس فيْ كلا الأمرَينْ وأخذَ يشجعْ ويُحرضْ على أهميّة ولزومْ الصعودْ إلى أعلى المُستويات وكذا و كذا. فأنا ذُهلتْ لأنّني و لأول مرّة أشهدْ هذا المشهَد من عالمْ كبيرْ ثمّ ينْصَرف بنفسه إلى صبيْ وعمره ١٣سنة ١٤ سنة ليتفقد أحواله، فهذا أمرٌ مفاجئ وغريب بالنّسبة ليْ والأمرْ الأكثر توَاضعاً هو أننا عندما خرَجنا إلى الصّلاة فمرَّ على جَماعة أولادْ في عُمر ١٢،١٣ سَنة وكانوا يلعبونْ بالكرَة قريباً المسجد فأقبلَ يُسلم عليهّم وقال إليهم: ما رأيكم بمَجيئكم معي إلى المسجدْ وتصلوا وبَعد ذلك تكملوا