ويشير المقريزي إلى ما كان عليه الحال في أيام الفاطميين وما صار إليه بالضد أيام الأيوبيين من إظهار الفرح مشيرا إلى قضية مهمة وهي أن الأصل في ذلك كان عادة أهل الشام التي أسسها لهم الحجاج زمان بني أمية وخصوصاً أيام عبد الملك مما يفسر لنا ما مر في زيارة عاشوراء (اللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية..) فيقول في كتابه الخطط عن الأيام التي كان يعظمها الفاطميون: «يوم عاشوراء: كانوا يتخذونه يوم حزن تتعطل فيه الأسواق، ويعمل فيه السماط العظيم المسمى سماط الحزن، وقد ذكر عند ذكر المشهد الحسينيّ، فانظره. وكان يصل إلى الناس منه شيء كثير، فلما زالت الدولة (يعني الفاطمية) اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء، يوم سرور، يوسعون فيه على عيالهم، ويتبسطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات، ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان، ليرغموا بذلك آناف شيعة عليّ بن أبي طالب، كرّم اللّه وجهه، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء، وحزن فيه على الحسين بن عليّ، لأنه قتل فيه، وقد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب من اتخاذ يوم عاشوراء، يوم سرور، وتبسط.»101
تغيير المناسبة بالصيام لأجل موسى بن عمران
ربما كان تغيير المناسبة بتحويلها إلى عيد وأفراح وحلويات وما شابه يخاطب أكثرية المجتمع من النساء والشباب والأطفال، لكنه قد لا يخاطب أهل العبادة والورع والتدين فهؤلاء ليس من شأنهم مثل تلك الألعاب والأمور، فما العمل؟ هنا تم تغيير المناسبة ولكن بشكل آخر يتناسب مع «عبادتهم» فقيل إنه يوم صيام لأجل انتصار موسى بن عمران النبي على فرعون فهم يصومون شكرا لله على ذلك!!
سبحان الله!! هم يتركون الاقتداء بالنبي محمد الذي يحزن في مثل هذا اليوم، بينما يفرحون ويشكرون الله لأجل موسى بن عمران!
لقد عبر الأئمة المعصومون﵈ عن صوم عاشوراء بأنه صوم ابن مرجانة102وأنه صامه الأدعياء من آل زياد وأنه يتشاءم به آل محمد﵌.
وبمثل هذا الحديث المروي عن الامام الرضا﵇ 103 وعن باقي الأئمة المعصومين سيتضح لنا حال ما جاء في بعض كتب مدرسة الخلفاء من أحاديث (لا تصح) عن النبي﵌ في شأن صوم عاشوراء أنه صامه أو أمر بصومه أو أن سبب ذلك هو أنه رأى اليهود يعملون ذلك فعمله مثلهم.. الخ هذه القائمة.
وما جاء في بعض الروايات من طرقنا لو تمت سنداً، ولا يتم أكثرها، فإنها محمولة على التقية أو الإمساك عن الأكل والشرب مواساة إلى العصر، وأما الصوم لا سيما إذا كان بعنوان العبادة والشكر لله فإنه يندرج ضمن عنوان صوم ابن مرجانة، والبدعة الأموية التي جعلوها سياسة عامة وصل أثرها كما قال المقريزي إلى أيام الأيوبيين يعني بعد أكثر من أربعة قرون ونصف من الزمان.