تغييب القضية الحسينية بتغيير مناسبة عاشوراء
المسار الثالث الذي قام به الاتجاه الأموي من أجل تغييب القضية الحسينية هو تغيير مناسبة عاشوراء؛ ذلك إنه من المفترض أن يكون يوم عاشوراء يوم حزن بالنسبة لرسول الله﵌ وهو كذلك على أهل بيته وهذا واضح96، وما يُحزِن الرسول ينبغي أن يكون محزناً للمسلمين، ولا يعقل أن يكون شيءٌ أو يومٌ محزناً للرسول ﵌ بينما يفرح المسلمون في ذلك اليوم ولأجل ذلك الشيء ويتعطرون ويحتفلون فيه مسرورين ويبقون يومهم ذاك في الزينة واللهو فرحين!
لكن هذا هو الذي حدث في كثير من بلاد المسلمين ولا تزال بعض هذه البلاد إلى يومنا تقوم بنفس ما سبق، وهذا يشير إلى الإثم الذي ارتكبه أصحاب هذا النهج إذ لم يكتفوا فقط بإظهار الفرح بما يحزن الرسول في زمانهم ولأنفسهم، وإنما استمرت هذا (البدعة السيئة) إلى أيامنا، وسيكون عليهم وزر من عمل عليها كما هو على العامل.
لقد سعى رؤوس هذا الاتجاه لمحو الحادثة من الذاكرة الإسلامية وإلغاء المناسبة من التقويم الشعبي لدى المسلمين في الأماكن التي كانوا فيها متمكنين ولديهم قدرة على ذلك - سياسية أو دينية أو اجتماعية- فإن المؤرخين ينقلون أن من أسباب إخراج العقيلة زينب بنت علي﵍ من المدينة المنورة بعد رجوع ركب الأسارى كان بسبب تذكيرها الناس بواقعة كربلاء وما جرى فيها؛ وهو الأمر الذي لم يتحمله والي المدينة عمرو بن سعيد الاشدق فأخرجها من المدينة.
بل لقد ذكروا أن من أسباب عمران منطقة الكاظمية أن الخليفة القادر بالله العباسي (توفي 422 هـ) كان قد أصدر قانوناً بأن لا يعقد مأتم الحسين في بغداد ومن أراد أن يعقده فليذهب إلى قبر موسى بن جعفر الكاظم﵇ فكان المؤمنون يأتون إلى هذا المكان من أول محرم إلى نهاية صفر وهكذا بالتدريج صارت هذه المنطقة عامرة وكبيرة بينما كانت في الأصل عبارة عن مقابر.
لقد منع السلاجقة عندما جاؤوا بعد البويهيين (447هـ) الممارسات التي ترتبط بمقتل الإمام الحسين﵇ من قراءة المقتل وإقامة العزاء ولا سيما في بغداد بعدما كان الناس يمارسونها أيام البويهيين، وهكذا الحال بالنسبة للأيوبيين في مصر حيث تشددوا في منع كل المظاهر التي ترتبط بالموضوع الحسيني والتي كان الفاطميون قبلهم يقومون بها ويشيدونها من العزاء والاطعام وقراءة المقتل. فكان هذا أحد الأساليب التي اتبعوها في تغييب المناسبة.
وكان هناك مسار آخر في تغييب مناسبة القضية الحسينية هو تحويلها إلى مناسبة فرح وسرور واحتفال وانتصار، وينبغي إظهار آثار الفرح والسرور بلبس ملابس الزينة والتنوق والتفنن في الأطعمة اللذيذة، والتوسعة على الأهل والعيال، وبالتدريج اتخاذه عيداً من الأعياد.
كذلك اعتبار هذا اليوم من الأيام المباركة التي تتنزل فيها رحمة الله وبركاته ففيه يزيد الرزق، ويستحب الصيام للشكر!
وعملت ماكنة التزوير عملها فإذا بهذا اليوم فيه كل الخيرات97، ففيه خلق الله الخلق وأنجى نوحاً من الطوفان وأنجى موسى من فرعون بل حصل الخير لكل الأنبياء فيه! وبناء عليه لا بد من الفرح والسرور واتخاذ الزينة والاحتفال فهو يوم انتصار (ولا تخفى محاولة الربط بين انتصار الأنبياء وانتصار يزيد!!).
ونحن نلاحظ أن الدول التي حكمتها أسر شيعية أو تتصل نسبا بأهل البيت﵈ تعرضت إلى تغيير المناسبة أكثر من غيرها، وذلك لمحو أي أثر من الآثار الشيعية التي خلفها وجود ممارسات لهذه الدول.
فلنأخذ الأمثلة التالية:
المغرب العربي
من المعروف أنه قد حكم الأدارسة من أحفاد الامام الحسن المجتبى﵇، بلاد المغرب العربي ومع حكمهم فمن الطبيعي أن تسود الثقافة المرتبطة بأهل البيت ولو على مستوى المودة وإحياء ذكرهم ـ هذا بالرغم من أنه يقال إن المذهب السائد آنئذ كان المذهب المالكي. ودعم هذا الاتجاه فيما بعد سيطرة الفاطميين على بعض أقسام المغرب العربي وهم أيضا كانوا يظهرون المراسم الحسينية كما سيأتي عند الحديث عن مصر.
إلا أننا نرى في المغرب98 -وإلى زماننا هذا- وجود عادات تنتمي إلى الاتجاه الأموي في اتخاذ يوم عاشوراء يوم عيد وزينة وفرح وسرور99. ومن الطبيعي أنه عندما يدعى أبناء المجتمع إلى حزن في يوم يعتبرونه يوم عيد وسرور وبهجة لن يقبلوا باختيار الحزن..
ونحن نعتقد أن هذا من مكر وخبث من خطط لتحويل هذا اليوم الحزين والأليم على قلب النبي إلى يوم فرح وعيد، وأخفى عنوان العيد والفرح أنه لقتل الحسين، لكن بقي العيد والفرح والسرور عند الناس وهم لا يعلمون لماذا يفرحون في هذا اليوم!
وفيما رأى بعض الباحثين أن هذا كان من أثار الدولة الأموية في الاندلس رأى آخرون أن الحكومات المتعصبة ضد التشيع والتي أعقبت سيطرة الفاطميين على بلاد المغرب كان لها الدور الأساس في تحويل هذه المناسبة الأليمة على النبي إلى مناسبة فرح اجتماعي وعيد شعبي.
عاشوراء في مصر
استطاع الفاطميون أن يسيطروا على مصر بعد المغرب العربي واستمروا في حكمهم من 297 هـ إلى 566هـ عندما قضى صلاح الدين الأيوبي على دولتهم مؤسساً بذلك دولة الأيوبيين، ونظرا لإنتماء الفاطميين إلى المذهب الاسماعيلي، فقد أشاعوا ما يعتبرونه شعائر يرتبط بمراسم الحزن على الامام الحسين﵇، ولأجل هذا فقد كانت يتم التعطيل في يوم عاشوراء وتعلن الدولة الحداد والعزاء بدءا من الحاكم إلى عامة الناس ممن كان ينسجم مع الدولة الفاطمية ويتفاعل مع أحزان أهل البيت﵈.
ويظهر من بعض المؤرخين أن من أوائل من أسس بناءً خاصاً للمراسم الحسينية بهذا الاسم كان في زمان الفاطميين كما أشار لذلك وقال السيد مير علي في (مختصر تاريخ العرب): «وكان من أفخم عمارة القاهرة في عهد الفاطميين الحسينية وهي بناء فسيح الأرجاء تقام فيه ذكرى مقتل الحسين في موقعة كربلاء وأمعن الفاطميون في إحياء هذه الشعائر وما إليها من شعار الشيعة حتى أصبحت جزءاً من حياة الناس».100
ويشير المقريزي إلى ما كان عليه الحال في أيام الفاطميين وما صار إليه بالضد أيام الأيوبيين من إظهار الفرح مشيرا إلى قضية مهمة وهي أن الأصل في ذلك كان عادة أهل الشام التي أسسها لهم الحجاج زمان بني أمية وخصوصاً أيام عبد الملك مما يفسر لنا ما مر في زيارة عاشوراء (اللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية..) فيقول في كتابه الخطط عن الأيام التي كان يعظمها الفاطميون: «يوم عاشوراء: كانوا يتخذونه يوم حزن تتعطل فيه الأسواق، ويعمل فيه السماط العظيم المسمى سماط الحزن، وقد ذكر عند ذكر المشهد الحسينيّ، فانظره. وكان يصل إلى الناس منه شيء كثير، فلما زالت الدولة (يعني الفاطمية) اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء، يوم سرور، يوسعون فيه على عيالهم، ويتبسطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات، ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان، ليرغموا بذلك آناف شيعة عليّ بن أبي طالب، كرّم اللّه وجهه، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء، وحزن فيه على الحسين بن عليّ، لأنه قتل فيه، وقد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب من اتخاذ يوم عاشوراء، يوم سرور، وتبسط.»101
تغيير المناسبة بالصيام لأجل موسى بن عمران
ربما كان تغيير المناسبة بتحويلها إلى عيد وأفراح وحلويات وما شابه يخاطب أكثرية المجتمع من النساء والشباب والأطفال، لكنه قد لا يخاطب أهل العبادة والورع والتدين فهؤلاء ليس من شأنهم مثل تلك الألعاب والأمور، فما العمل؟ هنا تم تغيير المناسبة ولكن بشكل آخر يتناسب مع «عبادتهم» فقيل إنه يوم صيام لأجل انتصار موسى بن عمران النبي على فرعون فهم يصومون شكرا لله على ذلك!!
سبحان الله!! هم يتركون الاقتداء بالنبي محمد الذي يحزن في مثل هذا اليوم، بينما يفرحون ويشكرون الله لأجل موسى بن عمران!
لقد عبر الأئمة المعصومون﵈ عن صوم عاشوراء بأنه صوم ابن مرجانة102وأنه صامه الأدعياء من آل زياد وأنه يتشاءم به آل محمد﵌.
وبمثل هذا الحديث المروي عن الامام الرضا﵇ 103 وعن باقي الأئمة المعصومين سيتضح لنا حال ما جاء في بعض كتب مدرسة الخلفاء من أحاديث (لا تصح) عن النبي﵌ في شأن صوم عاشوراء أنه صامه أو أمر بصومه أو أن سبب ذلك هو أنه رأى اليهود يعملون ذلك فعمله مثلهم.. الخ هذه القائمة.
وما جاء في بعض الروايات من طرقنا لو تمت سنداً، ولا يتم أكثرها، فإنها محمولة على التقية أو الإمساك عن الأكل والشرب مواساة إلى العصر، وأما الصوم لا سيما إذا كان بعنوان العبادة والشكر لله فإنه يندرج ضمن عنوان صوم ابن مرجانة، والبدعة الأموية التي جعلوها سياسة عامة وصل أثرها كما قال المقريزي إلى أيام الأيوبيين يعني بعد أكثر من أربعة قرون ونصف من الزمان.
كلمة حول صوم عاشوراء
بالرغم من أن بحثنا ليس في الأصل حول صوم عاشوراء من الناحية التاريخية أو الفقهية فقد كتبت كتب في هذا الشأن104 لكننا هنا نشير باختصار إلى ما يرتبط برأي شيعة اهل البيت﵈ في هذا الصوم المتروك والمكروه بل الذي عبر عنه المعصومون بأنه «صوم ابن مرجانة» وبأنه «يوم يتشأم به آل محمد (﵌) ويتشأم به أهل الإسلام» وبأن من «صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد» وبأنه «ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة «وبأن «من صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب» وسنشير إلى بعض المناقشات مع ما ذكر أتباع المدرسة الأخرى وفي اعتقادنا ضمن التأثر بالنهج الأموي في ذلك، بعلمٍ أو بغير علم.
1.إنهم يقولون إن النبي قد صامه في مكة وأن العرب كانت تصومه، وفي نفس الوقت يقولون إن النبي قد صامه في المدينة على أثر أنه عندما هاجر رأى اليهود يصومون في هذا اليوم فسأل عن سبب ذلك فقالوا له: لأن النبي موسى انتصر على فرعون فهم يصومون شكرا لله، فقال النبي كما في الرواية نحن أحق بموسى فصامه، والسؤال إن كان النبي يصومه في مكة قبل الهجرة فلا معنى للسؤال في المدينة بعد الهجرة عن شيء كان يفعله ويمارسه وهو الصيام.
2.من الثابت تاريخيا أن النبي إنما قدم إلى المدينة في شهر ربيع الأول فهل انتظر تسعة أشهر حتى رأى اليهود يصومونه؟ أو أن رواة الحديث ظنوا أن النبي قدم أول محرم وبعد عدة أيام رأى اليهود يصومونه فسألهم؟ والحال أن جعل محرم بداية للسنة الهجرية إنما كان بعد وفاة النبي﵌ وكان في عهد عمر بن الخطاب!
3.هل يعتقد القائلون بسؤال النبي اليهود عن صوم عاشوراء أنه لم يكن عارفاً بتشريعات الدين اليهودي؟ والحال أنه جاء بالقرآن مهيمناً على ما سبقه من الكتب ومن سبقه من الأنبياء وهو القائل لعدي بن حاتم أنا أعلم بدينك منك؟ وهو ما نعتقد أنه يعلم بما كان لدى الأنبياء من قبله ويفوقهم بما علم خاصة! فإذا كان صوم عاشوراء مشروعاً في الديانة اليهودية ومستحباً فيها فالمفروض أن النبي يعلمه، فما معنى السؤال عنه؟
4.يظهر من تلك الروايات أن النبي﵌ رأى عمل اليهود حسناً ورأى أنه أولى بفعله منهم! والسؤال أنه متى كان النبي﵌ يتحرى موافقة اليهود؟ إننا نجد في القرآن عكس ذلك ونلاحظ شدة مخالفته إياهم -لتحريفهم كتابهم وشريعتهم-! لقد لاحظنا الموقف الحازم في النهي منه﵌ لتعلم الثقافة اليهودية واستنساخ كتبهم ما ذكره عبد الرزاق في مصنفه: «عَنْ أبِي قِلابَةَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ كِتابًا سَمِعَهُ ساعَةً، فاسْتَحْسَنَهُ فَقالَ لِلرَّجُلِ: أتَكْتُبُ مِن هَذا الكِتابِ؟ قالَ: نَعَمْ، فاشْتَرى أدِيمًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلَيْهِ فَنَسَخَهُ فِي بَطْنِهِ وظَهْرِهِ، ثُمَّ أتى بِهِ النَّبِيَّ﵌، فَجَعَلَ يَقْرَأُهُ عَلَيْهِ، وجَعَلَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ﵌ يَتَلَوَّنُ، فَضَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِيَدِهِ الكِتابَ، وقالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، ألا تَرى إلى وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ﵌ مُنْذُ اليَوْمِ وأنْتَ تَقْرَأُ هَذا الكِتابَ؟ فَقالَ النَّبِيُّ﵌ عِنْدَ ذَلِكَ: «إنَّما بُعِثْتُ فاتِحًا وخاتَمًا، وأُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ وفَواتِحَهُ، واخْتُصِرَ لِي الحَدِيثُ اخْتِصارًا، فَلا يُهْلِكَنَّكُمُ المُتَهَوِّكُونَ»105 وبنحو آخر في مسند أحمد: «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، أتى النَّبِيَّ﵌ بِكِتابٍ أصابَهُ مِن بَعْضِ أهْلِ الكُتُبِ، فَقَرَأهُ عَلى النَّبِيُّ﵌ فَغَضِبَ وقالَ: «أمُتَهَوِّكُونَ106 فِيها يا ابْنَ الخَطّابِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً، لا تَسْألُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أوْ بِباطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ مُوسى كانَ حَيًّا، ما وسِعَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي».107
5. هل يوجد صوم لليهود في يوم عاشوراء لأن الله نصر موسى على فرعون؟ بحيث أنهم يصومونه وقد صامه النبي في المدينة كما تقول هذه الروايات باعتبار إن النبي أولى بموسى منهم؟ إن روايات المدرسة الرسمية تثبت ذلك لكن الحقائق العلمية لا تساعد عليه!
وذلك أن التقويم اليهودي المرتبط بالمناسبات الدينية هو التقويم الشمسي مع بعض التعديلات التي يتخصص بها الأحبار، والصوم الذي يسمى عندهم (كيبور) بمعنى صوم الكفارة وهو المقصود هنا إنما يقع في العاشر من شهر تشرين (تشري) وهو الذي يقع في فصل الخريف دائماً ولا يتغير بخلاف الأشهر القمرية المتغيرة بحسب السنوات فقد يقع محرم في سنة في الصيف ولكن بعد عشرين سنة يكون في فصل آخر، وهذه ميزة الأشهر القمرية بخلاف الشمسية التي هي ثابتة من حيث الفصول. فلا يمكن أن يكون مثلاً حزيران (جون) في فصل الشتاء! كما لا يمكن أن يكون يناير مثلاً في فصل الصيف.. وبالتالي فقد تمر عشرات السنين ولا يتطابق يوم عاشوراء (بحسب التقويم القمري) مع العاشر من شهر محرم.
وقد أشار آية الله السبحاني في كتابه صوم عاشوراء إلى هذه النقطة بشكل مفصل لمن أراد مراجعته ننتخب منه بعض فقراته، واستشهد لعدم تطابق اليومين بأقوال الفلكيين، فإنه في إشارته إلى عدم تطابق ما قالته الروايات من أنه رآهم يصومون يوم عاشوراء قال: «وقد تنبه بعض الفلكيين من المسلمين إلى ذلك الخطأ الرائج على ألسنة العوام أعني الفلكي الطائر الصيت أبو الريحان محمد البيروني حيث قال: إن عاشوراء هو عبراني معرب يعني عاشور وهو العاشر من تشري اليهود الذي صومه صوم «الكِبور» وأنه اعتبر في شهور العرب فجعل في اليوم العاشر أو أول شهورهم كما هو في اليوم العاشر من أول شهور اليهود.
ثم نقل الرواية من أن النبي﵌ لما قدم المدينة، وقال: وهذه الرواية غير صحيحة لأن الامتحان يشهد عليها (ضدها) وذلك لأن أول المحرم كان سنة الهجرة يوم الجمعة السادس عشر من شهر تموز سنة 933 للاسكندر. فإذا حسبنا أول سنة اليهود في تلك السنة كان يوم الأحد الثاني عشر من أيلول ويوافقه اليوم التاسع والعشرون من صفر: ويكون يصوم العاشور يوم الثلاثاء التاسع من شهر ربيع وقد كانت هجرة النبي في النصف الأول من ربيع الأول.
ثم قال في فقرة أخرى «لو قلنا بأن النبي صام يوم عاشوراء لدى وروده المدينة فإنما صادف عاشوراء اليهود وهو اليوم العاشر من شهر تشري ولا صلة له بعاشوراء المحرم الذي نحن بصدد دراسته».
وأضاف «بعنوان وشهد شاهد من أهلها، بعد تحرير ما مر عليك وقفنا على مقال للباحث الفلكي الدكتور صالح العجيري أكد فيه أن الحسابات الفلكية أثبتت أن هجرة النبي حدثت يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 1 هجرية، المصادف 20 سبتمبر سنة 622 ميلادية الموافق 10 من شهر تشرين سنة 4383 عبرية وهو يوم الكبور عاشوراء اليهود، كما جاء في مقال نشره في صحيفة الوطن الكويتية الصادرة بتاريخ 10 محرم 1429 ه..»108.
6. لو كان هذا الصوم من المستحبات التي أوصى بها النبي، ولا سيما مع ما ذكر في الثواب عليه في بعض روايات مدرسة الخلفاء لكان أول من يلتزم به عترته وذريته وهم الذين جعلهم عِدل القرآن في حديث الثقلين المعروف، ولا ريب أنهم يتحرون سنته ويتبعون منهاجه، فإننا لا نجدهم قد اشاروا إلى صوم هذا اليوم إلا بما تقدم من الوعيد على من صامه، وعنونوا الصوم فيه بعنوان صوم ابن مرجانة، وصرحوا بالنهي عنه؟ فكيف يتفق أمره بالتمسك بالثقل الأصغر ولزوم متابعة العترة وفي نفس الوقت يحصل التضاد بين أمره بصوم عاشوراء ونهيهم عن ذلك؟
الحق هو أن الاتجاه الأموي ضمن تغييبه للقضية الحسينية من حاضر الأمة وذاكرتها عمل على تغيير هذه المناسبة فتارة يعطي لها طابع العيد والزينة والأفراح!! كما ذكرنا، وأخرى لمن يريد التطوع والتعبد يعطي لها عنوانا آخر هو الصوم شكراً لله لأجل انتصار بني اسرائيل على فرعون، وفي كلا الحالتين يحقق ما يريد وهو أن يغفل المسلمون عن النهضة الحسينية بحيث لا تذكر هذه النهضة العظيمة ولا قائدها ولا يتم الارتباط به، وهم بذلك يحققون ما يريدون سواء كان بهذا الطريق او ذاك.
الهوامش
- 96. أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزّالي (بتشديد الزاي) الطوسي توفي سنة 505 هـ كان صوفيّ الطريقةِ، شافعيّ الفقهِ أشعري العقيدة لازم أبا المعالي الجويني (الملقّب بإمام الحرمين)، فأخذ عنه معظم العلوم، ثم رحل إلى بغداد مدرسا ومفتيا أيام الوزير السلجوقي، ثم اتجه للتصوف واعتزال الناس وفي هذا التوجه ألف كتابه المشهور (إحياء علوم الدين). يرى باحثون بأنه كان لالتصاقه بالعباسيين والسلاجقة فقد هاجم الاسماعيلية والشيعة نظرا للصراع السياسي بين الدولتين حيث كان الفاطميون في مصر وجامعهم الأزهر المعروف، فألف في تأييد السلاجقة بأمر المستظهر بالله (كتاب المستظهرية) وذم الاسماعيلية (فضائح الباطنية) ولا نعلم هل كان تنزيهه لبني أمية ويزيد على وجه الخصوص وفتواه بعدم جواز لعنه وإنما استحباب الترحم عليه هل يأتي في هذا السياق أو لا حيث أن السلاجقة على وجه الخصوص كانت توجهاتهم متعصبة فيما يرتبط بالتاريخ الاسلامي. كذلك لا نستطيع التأكد من أن هذا الانسياق التام مع الحالة السياسية (العباسية والسلجوقية) هو الذي جعله يتوقف عن التدريس قائلا إن نيته فيه لم تكن خالصة لله.. كما قال في كتابه المنقذ من الضلال، وقد ألف عددا كبيرا من الكتب؛ من أهمها إحياء علوم الدين كما تقدم والمستصفى في علم اصول الفقه، وتهافت الفلاسفة، والوسيط في فقه الإمام الشافعي..
- 97. اللهم اشهد إنا لا نفعل ذلك.
- 98. ابن كثير، البداية والنهاية ط هجر ١٦/٢١١.
- 99. الصواعق المحرقة 2/640.
- 100. ابن أبي شيبة، أبو بكر: مصنف ابن أبي شيبة 7/477: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ الحُسَيْنُ عَلى النَّبِيِّ﵌ وأنا جالِسَةٌ عَلى البابِ، فَتَطَلَّعْتُ فَرَأيْتُ فِي كَفِّ النَّبِيِّ﵌ شَيْئًا يُقَلِّبُهُ وهُوَ نائِمٌ عَلى بَطْنِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَطَلَّعْتُ فَرَأيْتُكَ تُقَلِّبُ شَيْئًا فِي كَفِّكَ والصَّبِيُّ نائِمٌ عَلى بَطْنِكَ ودُمُوعُكَ تَسِيلُ، فَقالَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أتانِي بِالتُّرْبَةِ الَّتِي يُقْتَلُ عَلَيْها، وأخْبَرَنِي أنَّ أُمَّتِي يَقْتُلُونَهُ»
- 101. المصدر السابق ٤٧٨: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيى الحَضْرَمِيِّ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ سافَرَ مَعَ عَلِيٍّ، وكانَ صاحِبَ مَطْهَرَتِهِ حَتّى حاذى نِينَوى وهُوَ مُنْطَلِقٌ إلى صِفِّينَ فَنادى: صَبْرًا أبا عَبْدِ اللَّهِ، صَبْرًا أبا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: ماذا أبا عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَّبِيِّ﵌ وعَيْناهُ تَفِيضانِ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما لِعَيْنَيْكَ تَفِيضانِ؟ أغْضَبَكَ أحَدٌ؟ قالَ: «قامَ مِن عِنْدِي جِبْرِيلُ فَأخْبَرَنِي أنَّ الحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الفُراتِ، فَلَمْ أمْلِكْ عَيْنَيَّ أنْ فاضَتا».
- 102. حقي، إسماعيل: روح البيان ٤/١٤٣.
- 103. ابن كثير، البداية والنهاية ط هجر ١١/٥٧٩.
- 104. نفس المصدر والصفحة.
- 105. قد مر في صفحات سابقة وسيأتي في أخرى أحاديث تصرح بحزن الرسول وبكائه على الحادثة مع أن بينه وبينها أكثر من خمسين سنة!
- 106. العجيب أن بعض الزيارات المروية عن المعصومين قد استبقت الحدث لتشير إلى وقوعه (اللهم إن هذا ـ يعني يوم عاشوراء ـ يوم تبركت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد اللعين بن اللعين على لسانك ولسان نبيك..)
- 107. وفي مقال لمجلة العرب نشر بتاريخ الأحد 1/10/2017 نسخة الكترونية https: //alarab.co.uk/جاء فيه ما يرتبط بموضوعنا: يبدأ المغاربة منذ مطلع شهر محرم ودخول السنة الهجرية الجديدة بهذه الجملة -عواشر مبروكة.. علينا وعليك-، مهنئين بعضهم البعض احتفالا بيوم عاشوراء الذي يحظى باهتمام خاص لدى الناس في الشارع المغربي. وتصادف عاشوراء أو العواشر كما يسميها المغاربة اليوم العاشر من شهر محرم حسب التقويم الهجري.
- 108. ويتميز الاحتفال بعاشوراء في المغرب بطقوس وعادات خاصة تتوارثها الأجيال، ومازال إحياؤها قائما حتى اليوم في معظم المدن والقرى.. وتحرص فئة كبيرة من المغاربة مع حلول عاشوراء، على تزيين موائد الأكل المغربية بأصناف مختلفة ومتوارثة من الطعام، كالفواكه المجففة والحمص والتمور. ويتم استقبال الضيوف، كما تُوزع الأطعمة ذاتها على الأطفال في بعض الأحياء الشعبية تحت مسمى حق بابا عيشور.ولا يكتمل الاحتفال عند المغاربة دون طبق الكسكس المغربي بالقديد (لحم مملح) الذي يحتفظ به منذ عيد الأضحى خصيصا لطهيه في هذا اليوم، وطبق الرفيسة بالدجاج (طعام من خبز مفتوت ومرق).ويبرز في البوادي المغربية والأحياء الشعبية طقس احتفالي مبتهج، يتمثل في إيقاد شعالة (شعلة) عاشوراء. وللشباب طقوس أيضا، إذ يشعل بعضهم النار باستخدام أغصان الأشجار، على وقع ترديد أهازيج شعبية من قبيل “عيشوري عيشوري دليت عليك شعوري”، في جو احتفالي يجتمع فيه الأطفال بكثرة.ويشهد يوم عاشوراء الذي يسميه المغاربة بـ”يوم زمزم”، معارك مرحة لتبادل الرش بالماء، وينخرط فيها أهل الأحياء الشعبية؛ رجالا ونساء وأطفالا..وتتمثل ملابس شخصية بابا عيشور في سروال فضفاض يظهر أسفله الخف (حذاء) التقليدي، ويغطى بالقفطان فالسلهام الأنيق (العباءة)، في حين تعلو رأسه قبعة عالية مزركشة، إضافة إلى المحفظة والعكاز.ويبقى عاشوراء في المغرب يوما مميزا بالنسبة إلى الأطفال، بعد أن توارث المغاربة اقتناء الدمى والألعاب لأطفالهم كمظهر من مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة.وقال كريم الغندوري، بائع ألعاب أطفال بالعاصمة الرباط، إن غالبية الآباء يفضّلون اقتناء مسدّسات الماء لأطفالهم الذكور في هذه المناسبة. أما الإناث فيفضّلون الدمى، في حين تُقبل النساء على شراء الآلات الإيقاعية التقليدية، مضيفا أن «كل الآلات الموسيقية مصنوع محليا ويرغب الناس في شرائه خاصة في عاشوراء».