تغييب القضية الحسينية بتغيير مناسبة عاشوراء

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

تغييب القضية الحسينية بتغيير مناسبة عاشوراء

المسار الثالث الذي قام به الاتجاه الأموي من أجل تغييب القضية الحسينية هو تغيير مناسبة عاشوراء؛ ذلك إنه من المفترض أن يكون يوم عاشوراء يوم حزن بالنسبة لرسول الله﵌ وهو كذلك على أهل بيته وهذا واضح96، وما يُحزِن الرسول ينبغي أن يكون محزناً للمسلمين، ولا يعقل أن يكون شيءٌ أو يومٌ محزناً للرسول ﵌ بينما يفرح المسلمون في ذلك اليوم ولأجل ذلك الشيء ويتعطرون ويحتفلون فيه مسرورين ويبقون يومهم ذاك في الزينة واللهو فرحين!

لكن هذا هو الذي حدث في كثير من بلاد المسلمين ولا تزال بعض هذه البلاد إلى يومنا تقوم بنفس ما سبق، وهذا يشير إلى الإثم الذي ارتكبه أصحاب هذا النهج إذ لم يكتفوا فقط بإظهار الفرح بما يحزن الرسول في زمانهم ولأنفسهم، وإنما استمرت هذا (البدعة السيئة) إلى أيامنا، وسيكون عليهم وزر من عمل عليها كما هو على العامل.

لقد سعى رؤوس هذا الاتجاه لمحو الحادثة من الذاكرة الإسلامية وإلغاء المناسبة من التقويم الشعبي لدى المسلمين في الأماكن التي كانوا فيها متمكنين ولديهم قدرة على ذلك - سياسية أو دينية أو اجتماعية- فإن المؤرخين ينقلون أن من أسباب إخراج العقيلة زينب بنت علي﵍ من المدينة المنورة بعد رجوع ركب الأسارى كان بسبب تذكيرها الناس بواقعة كربلاء وما جرى فيها؛ وهو الأمر الذي لم يتحمله والي المدينة عمرو بن سعيد الاشدق فأخرجها من المدينة.

بل لقد ذكروا أن من أسباب عمران منطقة الكاظمية أن الخليفة القادر بالله العباسي (توفي 422 هـ) كان قد أصدر قانوناً بأن لا يعقد مأتم الحسين في بغداد ومن أراد أن يعقده فليذهب إلى قبر موسى بن جعفر الكاظم﵇ فكان المؤمنون يأتون إلى هذا المكان من أول محرم إلى نهاية صفر وهكذا بالتدريج صارت هذه المنطقة عامرة وكبيرة بينما كانت في الأصل عبارة عن مقابر.

لقد منع السلاجقة عندما جاؤوا بعد البويهيين (447هـ) الممارسات التي ترتبط بمقتل الإمام الحسين﵇ من قراءة المقتل وإقامة العزاء ولا سيما في بغداد بعدما كان الناس يمارسونها أيام البويهيين، وهكذا الحال بالنسبة للأيوبيين في مصر حيث تشددوا في منع كل المظاهر التي ترتبط بالموضوع الحسيني والتي كان الفاطميون قبلهم يقومون بها ويشيدونها من العزاء والاطعام وقراءة المقتل. فكان هذا أحد الأساليب التي اتبعوها في تغييب المناسبة.

وكان هناك مسار آخر في تغييب مناسبة القضية الحسينية هو تحويلها إلى مناسبة فرح وسرور واحتفال وانتصار، وينبغي إظهار آثار الفرح والسرور بلبس ملابس الزينة والتنوق والتفنن في الأطعمة اللذيذة، والتوسعة على الأهل والعيال، وبالتدريج اتخاذه عيداً من الأعياد.

كذلك اعتبار هذا اليوم من الأيام المباركة التي تتنزل فيها رحمة الله وبركاته ففيه يزيد الرزق، ويستحب الصيام للشكر!

وعملت ماكنة التزوير عملها فإذا بهذا اليوم فيه كل الخيرات97، ففيه خلق الله الخلق وأنجى نوحاً من الطوفان وأنجى موسى من فرعون بل حصل الخير لكل الأنبياء فيه! وبناء عليه لا بد من الفرح والسرور واتخاذ الزينة والاحتفال فهو يوم انتصار (ولا تخفى محاولة الربط بين انتصار الأنبياء وانتصار يزيد!!).

ونحن نلاحظ أن الدول التي حكمتها أسر شيعية أو تتصل نسبا بأهل البيت﵈ تعرضت إلى تغيير المناسبة أكثر من غيرها، وذلك لمحو أي أثر من الآثار الشيعية التي خلفها وجود ممارسات لهذه الدول.

فلنأخذ الأمثلة التالية:

المغرب العربي