ثم نقل الرواية من أن النبي﵌ لما قدم المدينة، وقال: وهذه الرواية غير صحيحة لأن الامتحان يشهد عليها (ضدها) وذلك لأن أول المحرم كان سنة الهجرة يوم الجمعة السادس عشر من شهر تموز سنة 933 للاسكندر. فإذا حسبنا أول سنة اليهود في تلك السنة كان يوم الأحد الثاني عشر من أيلول ويوافقه اليوم التاسع والعشرون من صفر: ويكون يصوم العاشور يوم الثلاثاء التاسع من شهر ربيع وقد كانت هجرة النبي في النصف الأول من ربيع الأول.
ثم قال في فقرة أخرى «لو قلنا بأن النبي صام يوم عاشوراء لدى وروده المدينة فإنما صادف عاشوراء اليهود وهو اليوم العاشر من شهر تشري ولا صلة له بعاشوراء المحرم الذي نحن بصدد دراسته».
وأضاف «بعنوان وشهد شاهد من أهلها، بعد تحرير ما مر عليك وقفنا على مقال للباحث الفلكي الدكتور صالح العجيري أكد فيه أن الحسابات الفلكية أثبتت أن هجرة النبي حدثت يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 1 هجرية، المصادف 20 سبتمبر سنة 622 ميلادية الموافق 10 من شهر تشرين سنة 4383 عبرية وهو يوم الكبور عاشوراء اليهود، كما جاء في مقال نشره في صحيفة الوطن الكويتية الصادرة بتاريخ 10 محرم 1429 ه..»108.
6. لو كان هذا الصوم من المستحبات التي أوصى بها النبي، ولا سيما مع ما ذكر في الثواب عليه في بعض روايات مدرسة الخلفاء لكان أول من يلتزم به عترته وذريته وهم الذين جعلهم عِدل القرآن في حديث الثقلين المعروف، ولا ريب أنهم يتحرون سنته ويتبعون منهاجه، فإننا لا نجدهم قد اشاروا إلى صوم هذا اليوم إلا بما تقدم من الوعيد على من صامه، وعنونوا الصوم فيه بعنوان صوم ابن مرجانة، وصرحوا بالنهي عنه؟ فكيف يتفق أمره بالتمسك بالثقل الأصغر ولزوم متابعة العترة وفي نفس الوقت يحصل التضاد بين أمره بصوم عاشوراء ونهيهم عن ذلك؟
الحق هو أن الاتجاه الأموي ضمن تغييبه للقضية الحسينية من حاضر الأمة وذاكرتها عمل على تغيير هذه المناسبة فتارة يعطي لها طابع العيد والزينة والأفراح!! كما ذكرنا، وأخرى لمن يريد التطوع والتعبد يعطي لها عنوانا آخر هو الصوم شكراً لله لأجل انتصار بني اسرائيل على فرعون، وفي كلا الحالتين يحقق ما يريد وهو أن يغفل المسلمون عن النهضة الحسينية بحيث لا تذكر هذه النهضة العظيمة ولا قائدها ولا يتم الارتباط به، وهم بذلك يحققون ما يريدون سواء كان بهذا الطريق او ذاك.
الهوامش
- 96. أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزّالي (بتشديد الزاي) الطوسي توفي سنة 505 هـ كان صوفيّ الطريقةِ، شافعيّ الفقهِ أشعري العقيدة لازم أبا المعالي الجويني (الملقّب بإمام الحرمين)، فأخذ عنه معظم العلوم، ثم رحل إلى بغداد مدرسا ومفتيا أيام الوزير السلجوقي، ثم اتجه للتصوف واعتزال الناس وفي هذا التوجه ألف كتابه المشهور (إحياء علوم الدين). يرى باحثون بأنه كان لالتصاقه بالعباسيين والسلاجقة فقد هاجم الاسماعيلية والشيعة نظرا للصراع السياسي بين الدولتين حيث كان الفاطميون في مصر وجامعهم الأزهر المعروف، فألف في تأييد السلاجقة بأمر المستظهر بالله (كتاب المستظهرية) وذم الاسماعيلية (فضائح الباطنية) ولا نعلم هل كان تنزيهه لبني أمية ويزيد على وجه الخصوص وفتواه بعدم جواز لعنه وإنما استحباب الترحم عليه هل يأتي في هذا السياق أو لا حيث أن السلاجقة على وجه الخصوص كانت توجهاتهم متعصبة فيما يرتبط بالتاريخ الاسلامي. كذلك لا نستطيع التأكد من أن هذا الانسياق التام مع الحالة السياسية (العباسية والسلجوقية) هو الذي جعله يتوقف عن التدريس قائلا إن نيته فيه لم تكن خالصة لله.. كما قال في كتابه المنقذ من الضلال، وقد ألف عددا كبيرا من الكتب؛ من أهمها إحياء علوم الدين كما تقدم والمستصفى في علم اصول الفقه، وتهافت الفلاسفة، والوسيط في فقه الإمام الشافعي..
- 97. اللهم اشهد إنا لا نفعل ذلك.
- 98. ابن كثير، البداية والنهاية ط هجر ١٦/٢١١.
- 99. الصواعق المحرقة 2/640.
- 100. ابن أبي شيبة، أبو بكر: مصنف ابن أبي شيبة 7/477: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ الحُسَيْنُ عَلى النَّبِيِّ﵌ وأنا جالِسَةٌ عَلى البابِ، فَتَطَلَّعْتُ فَرَأيْتُ فِي كَفِّ النَّبِيِّ﵌ شَيْئًا يُقَلِّبُهُ وهُوَ نائِمٌ عَلى بَطْنِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَطَلَّعْتُ فَرَأيْتُكَ تُقَلِّبُ شَيْئًا فِي كَفِّكَ والصَّبِيُّ نائِمٌ عَلى بَطْنِكَ ودُمُوعُكَ تَسِيلُ، فَقالَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أتانِي بِالتُّرْبَةِ الَّتِي يُقْتَلُ عَلَيْها، وأخْبَرَنِي أنَّ أُمَّتِي يَقْتُلُونَهُ»
- 101. المصدر السابق ٤٧٨: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيى الحَضْرَمِيِّ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ سافَرَ مَعَ عَلِيٍّ، وكانَ صاحِبَ مَطْهَرَتِهِ حَتّى حاذى نِينَوى وهُوَ مُنْطَلِقٌ إلى صِفِّينَ فَنادى: صَبْرًا أبا عَبْدِ اللَّهِ، صَبْرًا أبا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: ماذا أبا عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَّبِيِّ﵌ وعَيْناهُ تَفِيضانِ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما لِعَيْنَيْكَ تَفِيضانِ؟ أغْضَبَكَ أحَدٌ؟ قالَ: «قامَ مِن عِنْدِي جِبْرِيلُ فَأخْبَرَنِي أنَّ الحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الفُراتِ، فَلَمْ أمْلِكْ عَيْنَيَّ أنْ فاضَتا».
- 102. حقي، إسماعيل: روح البيان ٤/١٤٣.
- 103. ابن كثير، البداية والنهاية ط هجر ١١/٥٧٩.
- 104. نفس المصدر والصفحة.
- 105. قد مر في صفحات سابقة وسيأتي في أخرى أحاديث تصرح بحزن الرسول وبكائه على الحادثة مع أن بينه وبينها أكثر من خمسين سنة!
- 106. العجيب أن بعض الزيارات المروية عن المعصومين قد استبقت الحدث لتشير إلى وقوعه (اللهم إن هذا ـ يعني يوم عاشوراء ـ يوم تبركت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد اللعين بن اللعين على لسانك ولسان نبيك..)
- 107. وفي مقال لمجلة العرب نشر بتاريخ الأحد 1/10/2017 نسخة الكترونية https: //alarab.co.uk/جاء فيه ما يرتبط بموضوعنا: يبدأ المغاربة منذ مطلع شهر محرم ودخول السنة الهجرية الجديدة بهذه الجملة -عواشر مبروكة.. علينا وعليك-، مهنئين بعضهم البعض احتفالا بيوم عاشوراء الذي يحظى باهتمام خاص لدى الناس في الشارع المغربي. وتصادف عاشوراء أو العواشر كما يسميها المغاربة اليوم العاشر من شهر محرم حسب التقويم الهجري.
- 108. ويتميز الاحتفال بعاشوراء في المغرب بطقوس وعادات خاصة تتوارثها الأجيال، ومازال إحياؤها قائما حتى اليوم في معظم المدن والقرى.. وتحرص فئة كبيرة من المغاربة مع حلول عاشوراء، على تزيين موائد الأكل المغربية بأصناف مختلفة ومتوارثة من الطعام، كالفواكه المجففة والحمص والتمور. ويتم استقبال الضيوف، كما تُوزع الأطعمة ذاتها على الأطفال في بعض الأحياء الشعبية تحت مسمى حق بابا عيشور.ولا يكتمل الاحتفال عند المغاربة دون طبق الكسكس المغربي بالقديد (لحم مملح) الذي يحتفظ به منذ عيد الأضحى خصيصا لطهيه في هذا اليوم، وطبق الرفيسة بالدجاج (طعام من خبز مفتوت ومرق).ويبرز في البوادي المغربية والأحياء الشعبية طقس احتفالي مبتهج، يتمثل في إيقاد شعالة (شعلة) عاشوراء. وللشباب طقوس أيضا، إذ يشعل بعضهم النار باستخدام أغصان الأشجار، على وقع ترديد أهازيج شعبية من قبيل “عيشوري عيشوري دليت عليك شعوري”، في جو احتفالي يجتمع فيه الأطفال بكثرة.ويشهد يوم عاشوراء الذي يسميه المغاربة بـ”يوم زمزم”، معارك مرحة لتبادل الرش بالماء، وينخرط فيها أهل الأحياء الشعبية؛ رجالا ونساء وأطفالا..وتتمثل ملابس شخصية بابا عيشور في سروال فضفاض يظهر أسفله الخف (حذاء) التقليدي، ويغطى بالقفطان فالسلهام الأنيق (العباءة)، في حين تعلو رأسه قبعة عالية مزركشة، إضافة إلى المحفظة والعكاز.ويبقى عاشوراء في المغرب يوما مميزا بالنسبة إلى الأطفال، بعد أن توارث المغاربة اقتناء الدمى والألعاب لأطفالهم كمظهر من مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة.وقال كريم الغندوري، بائع ألعاب أطفال بالعاصمة الرباط، إن غالبية الآباء يفضّلون اقتناء مسدّسات الماء لأطفالهم الذكور في هذه المناسبة. أما الإناث فيفضّلون الدمى، في حين تُقبل النساء على شراء الآلات الإيقاعية التقليدية، مضيفا أن «كل الآلات الموسيقية مصنوع محليا ويرغب الناس في شرائه خاصة في عاشوراء».