أجواء خروج الإمام الحسين من مكة

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

هناك سؤال يتردد في نهضة الحسين﵇، منذ القديم ويعود في كل موسم، وهو أنه هل كان عالماً بمصرعه؟ وإذا كان كذلك فهل كان خروجه للاستشهاد فقط أو أنه كان خارجا بهدف تحقيق هدف واقعي اجتماعي وهو إقامة العدل والقسط في دولة اسلامية تسير على منهاج رسول الله وطريقة أمير المؤمنين﵉؟

ويرتبط هذا السؤال بمواضيع كثيرة؛ منها ما هو في باب الامامة عن حدود علم الإمام المعصوم﵇ وهل يعلم بمصرعه212علما حاضرا تفصيليا؟ كما يناقش أيضا عند الحديث عن منطلقات نهضة الإمام الحسين وبواعث حركته الجهادية.

وقبل نحو سبعة عقود من الزمان تجدد النقاش فيه بشكل واسع عندما ألّف الشيخ نعمت الله صالحي نجف آبادي كتابه (الشهيد الخالد) باللغة الفارسية، وأثار نقاشًا اجتماعيًا ساخنًا لفترة غير قصير من الزمان في إيران على وجه الخصوص وإن كانت آثاره قد امتدت فيما بعد إلى المحيط الشيعي خارج إيران.

وترافق هذا الكتاب مع وضع سياسي نتج عن وجود تيارين:

أحدهما يحب انتشار فكرة الإصلاح السياسي وإقامة الدولة الإسلامية العادلة وهو ما كانت فكرة الكتاب تخدمه وتؤكد على أن الإمام الحسين﵇ نهض متحركًا بدافع هذا الهدف الأساس.

وثاني التيارين: التيار المتدين المحافظ الذي يرى أن فكرة الكتاب تنتهي إلى ما يخالف الاعتقاد الموجود لدى الشيعة بأن الإمام﵇ كان يعلم بمصرعه قبل وصوله إلى كربلاء بل قبل خروجه من مكة وقد أخبر عن ذلك، فلا معنى لأن يخرج بدافع إقامة حكم اسلامي وهو يعلم بأنه قبل ذلك سيقتل هو وأهل بيته.

ومن الواضح أن الإمام الحسين﵇ خرج وهو يعلم أن مصيره إلى الاستشهاد، بل كان يعلم بذلك غيره من أهل بيته وسواهم، فإن الأحاديث الكثيرة المروية عن رسول الله﵌،213 والآثار المنقولة عن أمير المؤمنين علي﵇، كانت من الكثرة بحيث لا تدع لشاك أن يشك في تلك النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن السياق الطبيعي للأمور كان ينتهي إلى هذه النتيجة، والإمام الحسين﵇ هو أكثر الناس حكمة ومعرفة بتصرف الأحداث. فكيف يغفل عن هذه النتيجة؟! إن موازين القوة المنظورة بين الطرفين: الحسين وأصحابه، والدولة الأموية -وهي في أفضل أوقات قوتها- كانت تحتم هذه النتيجة، فضلاً عن الإخبارات الغيبية التي عرفها الإمام الحسين وغيره.

وقد تطرق العلماء لهذه المسألة - علم الإمام بمصرعه - عند الحديث أولاً عن شهادة أمير المؤمنين﵇، وما ورد فيها من الروايات باعتبار أنه كان يعلم أنها « الليلة التي وعدنيها رسول الله»، فصار الكلام منذ ذاك، وكذلك الحال بالنسبة للإمام الحسين﵇.

ويظهر أن الآراء فيها ثلاثة بشكل أساس:214

1. رأي يقول: بأن الأئمة﵈ لم يكونوا يعلمون تفصيلاً بمصارعهم زمناً ومكاناً ولحظة. معللاً بأن الإجماع إنما قام على أن الإمام يجب أن يكون عالماً بكل الأحكام، لا بكل الأحداث والوقائع وبحسب تعبيرهم «لا بكل الأعيان». وقضية علمه بمصرعه لم تثبت بيقين. وهذا الرأي قليل الأتباع لما تظافر من الإخبار والأخبار بمعرفتهم بمصارعهم-ولو في الجملة- وإنكار ذلك في الدائرة الشيعية يعد مجازفة!