أجواء خروج الإمام الحسين من مكة

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

والحق أن الإمام الحسين﵇ دخل بعمرة مفردة من المدينة إلى مكة في أول انطلاقته، يوم 27 رجب /60 هـ، وكان ذلك طبيعياً إذ أنه سيقصد مكة ويمر على ميقات ذي الحليفة أو مسجد الشجرة، والحكم الشرعي يقضي بأنه لا يجوز أن يدخل قاصد مكة إياها إلا بإحرام208 لعمرة مفردة، فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات الذي يمر عليه من غير إحرام.

وحيث أن دخوله لم يكن في أشهر الحج فلا خيار له إلا الإحرام بعمرة مفردة ففعل ذلك، ولذا لا يصح ما قيل من أنه أضاف إلى عمرته تلك طواف النساء حتى يتحلل، فإنه لم يحرم بها، مع أنه لو أحرم بعمرة التمتع ولم يكملها فحينئذٍ يكون حكمه حكم المصدود وهو لا يتحلل بما ذكر من طواف النساء، وإنما يتحلل بذبح شاة، وهذا كله ما لم ينقل أن الحسين﵇ قد فعله.

ويؤكد ما ذكرنا ما جاء في كتاب مستمسك العروة الوثقى209 للإمام الحكيم﵏ فإنه بعد أن أشار إلى أن ما ذكر في بعض المقاتل من أنه حول عمرته التمتع إلى المفردة فليس مما يعول عليه، مضافاً إلى الأخبار المعتبرة التي تشير إلى أنه اعتمر من البداية عمرة مفردة.

ولا ريب أن خروج الحسين﵇ من مكة في ذلك الوقت كان هو القرار الأسلم، لحفظ حرمة المكان وسلامة الحج والحجاج، فقد كان من الواضح أن السلطة الأموية لن تترك الحسين﵇ دون أن تذله بإرغامه على البيعة ليزيد، الأمر الذي كان يرفضه تماماً وربما يؤدي هذا إلى محاولة قتل الإمام وهو في بعض المناسك مما يجر إلى دفاع أهل بيته عنه، ويحصل ما لا ينبغي من هتك حرمة الشهر والمكان المحرمين.

فكان أنسب قرار اتخذه الإمام الحسين﵇ هو خروجه من مكة حفاظاً على حرمتها وحرمة الموسم، وسلامة الحجاج، وفي ذلك معنى مهم ينبغي أن يتعلمه طالبو الإصلاح الاجتماعي فإن بعض هؤلاء في سبيل مقاومة طغيان السلطة السياسية، لا مانع عنده أن يجر البلد بكامله إلى حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، وقد رأينا في عالمنا الاسلامي خلال العقود الأربعة الماضية من الزمان، كيف أن بعض هؤلاء يواصل ما يراه طريقاً للإصلاح حتى لو أدى إلى تهجير آلاف البشر من بلدانهم، أو أدى إلى مقتل أمثالهم في المعارك أو في غيرها، بل لو رجع البلد بمرافقه إلى الخلف عشرات السنين كل ذلك فداء لما يراه هو من لزوم الإصلاح.

وها هي بعض بلدان العالم الاسلامي لا تزال تعيش آثار تلك التحركات التي سحب طالبو الإصلاح المجتمع معهم في هذه المعمعة فلم يخرج منها. هنا من المهم أن يتعلم هؤلاء من كلمات الحسين﵇ منهجاً، حين يرى أنه (لأن أقتل خارج الحرم بشبر أحب إلي من أن أقتل داخله بشبر)210 وحين يدعو الناس إلى نصرته لا يقول أنا مقيم بينكم وأتخذكم دروعا بشرية وإنما يقول (فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا).211

لمثل هؤلاء يقال: إذا كان الحاكم المستبد مستعدا للسير إلى آخر المشوار وأن يدمر البلد على قاعدة؛ أنا ومن بعدي الطوفان وأنه لا مشكلة عنده أن يُفني البلد أو يَفنى فلماذا يكون بعض المعارضين وطالبي الإصلاح بنفس العقلية.

هل خرج وهو يعلم بمصرعه؟