أجواء خروج الإمام الحسين من مكة

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

أجواء خروج الإمام الحسين من مكة

من خطبة لسيدنا ومولانا أبي الأحرار سيد الشهداء الإمام الحسين﵇، قالها عند خروجه من مكة: «خُطَّ المَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمِ مَخَطَّ القِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف، وَخِيرِ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشًا جُوفًا، وَأَجْرِبَةً سُغْبًا لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالقَلَمِ، رِضَا الله رِضَانَا أهلِ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ، فَيُوَفِينَاأجورَ الصَّابِرِين»204.

في إضاءة سريعة على كلمات الخطبة، التي قالها الإمام الحسين، في يوم الاثنين، السابع من شهر ذي الحجة، في مكة المكرمة؛ لكي ينطلق في فجر يوم الثامن205 -يوم التروية من ذي الحجة- خارجا منها باتجاه العراق.

«خُطَّ المَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدمَ مَخَطَّ القِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ»، التشبيه هنا في عدة جهات: أن الموت بالنسبة إلى الإنسان أمر طبيعي وملازم له، بل هو الأمر الطبيعي فيه. تماما مثلما أن القلادة تتقلدها الفتاة على جيدها ورقبتها، بل هو كمال وجمال لها. كذلك، فإن الموت بالنسبة للإنسان، إذا كان موت شرف وعز وكرامة، فإنه بالإضافة إلى كونه شيئا طبيعيا، هو زينة وهو جمال للإنسان.

«وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف»، تشوق ورغبة في أن يلحق بأسلافه: أبيه وجده وأعمامه الصالحين، الذين مضوا على الحق، والتحقوا -إلى دار الآخرة- بربهم. فكان تشوق الإمام الحسين﵇ كتشوق يعقوب إلى لقاء ابنه يوسف، أن يصير إلى ما صار إليه أولئك الأسلاف الطيبون.

ثم يقول: «وَخِيرِ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ»، اختير وانتُخِب لي، هذا بناء على قراءة: خِيرَ لي. إشارة إلى اختيار تم من قبل الله عز وجل، فبني للمجهول، «خِيرَ لِي»، يعني: هناك جهة اختارت لي هذا المصير، تلك الجهة هي الله سبحانه وتعالى. لكن قرأها بعضهم: وخَيْرٌ لي مصرع أنا لاقيه، يعني أن المصرع الذي سأواجهه هو الخير والحسن..

«كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ»، عسلان: جمع عاسل وأعسل، وهو الذئب، ذئب الفلوات والصحاري، المفترس، الجائع، فهو يمزق الفريسة. وكأنّ صفات هؤلاء الذين سيواجهونني صفات ذئبية. «كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء»، النواويس، قالوا: مقابر النصارى. هذه المنطقة، نينوى، حيث أنها منطقة مر بها الأنبياء206.

هذه المنطقة، يقول: «بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشًا جُوفًا، وَأَجْرِبَةً سُغْبًا»، هذه البطون الجائعة للحرام، كتلك البطون الجائعة للحم الفريسة في الذئاب، نفس المشابهة، ونفس المشاكلة، «لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالقَلَمِ، رِضَا الله رِضَانَا أهلِ الْبَيْتِ».

«رِضَا الله رِضَانَا أهلِ الْبَيْتِ»، لها معنيان، تحملهما كلمة واحدة. تارة بمعنى: أن ما يُرضي الله، يرضينا، وتارة بمعنى: ما يرضينا هو ما يرضي الله. وبعبارة أخرى، قد يقال: رضانا يدور مدار رضا الله سبحانه وتعالى، وربما يقصد معنى أعلى من هذا بأن يقال: أن رضا الله هو في رضانا، واتباع منهج الله يمر عبر منهجنا، فمن أراد طريق الله فليأت.

هل كان الحسين محرما للحج فأحل؟

تشير بعض القصائد التي تؤرخ حركة الإمام الحسين﵇ (فصيحة وشعبية)207 إلى أنه كان محرماً فأحل، وقد ثبت هذا في أذهان سامعي القصائد هذا المعنى بحيث لو أخبرتهم بخلاف ذلك لنظروا لك مستغربين ومنكرين، وذلك لما للشعر بقسميه من قدرة على التأثير ولأجل تكرارها فإنها تثبت نصاً ومعنى.

والحق أن الإمام الحسين﵇ دخل بعمرة مفردة من المدينة إلى مكة في أول انطلاقته، يوم 27 رجب /60 هـ، وكان ذلك طبيعياً إذ أنه سيقصد مكة ويمر على ميقات ذي الحليفة أو مسجد الشجرة، والحكم الشرعي يقضي بأنه لا يجوز أن يدخل قاصد مكة إياها إلا بإحرام208 لعمرة مفردة، فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات الذي يمر عليه من غير إحرام.

وحيث أن دخوله لم يكن في أشهر الحج فلا خيار له إلا الإحرام بعمرة مفردة ففعل ذلك، ولذا لا يصح ما قيل من أنه أضاف إلى عمرته تلك طواف النساء حتى يتحلل، فإنه لم يحرم بها، مع أنه لو أحرم بعمرة التمتع ولم يكملها فحينئذٍ يكون حكمه حكم المصدود وهو لا يتحلل بما ذكر من طواف النساء، وإنما يتحلل بذبح شاة، وهذا كله ما لم ينقل أن الحسين﵇ قد فعله.

ويؤكد ما ذكرنا ما جاء في كتاب مستمسك العروة الوثقى209 للإمام الحكيم﵏ فإنه بعد أن أشار إلى أن ما ذكر في بعض المقاتل من أنه حول عمرته التمتع إلى المفردة فليس مما يعول عليه، مضافاً إلى الأخبار المعتبرة التي تشير إلى أنه اعتمر من البداية عمرة مفردة.

ولا ريب أن خروج الحسين﵇ من مكة في ذلك الوقت كان هو القرار الأسلم، لحفظ حرمة المكان وسلامة الحج والحجاج، فقد كان من الواضح أن السلطة الأموية لن تترك الحسين﵇ دون أن تذله بإرغامه على البيعة ليزيد، الأمر الذي كان يرفضه تماماً وربما يؤدي هذا إلى محاولة قتل الإمام وهو في بعض المناسك مما يجر إلى دفاع أهل بيته عنه، ويحصل ما لا ينبغي من هتك حرمة الشهر والمكان المحرمين.

فكان أنسب قرار اتخذه الإمام الحسين﵇ هو خروجه من مكة حفاظاً على حرمتها وحرمة الموسم، وسلامة الحجاج، وفي ذلك معنى مهم ينبغي أن يتعلمه طالبو الإصلاح الاجتماعي فإن بعض هؤلاء في سبيل مقاومة طغيان السلطة السياسية، لا مانع عنده أن يجر البلد بكامله إلى حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، وقد رأينا في عالمنا الاسلامي خلال العقود الأربعة الماضية من الزمان، كيف أن بعض هؤلاء يواصل ما يراه طريقاً للإصلاح حتى لو أدى إلى تهجير آلاف البشر من بلدانهم، أو أدى إلى مقتل أمثالهم في المعارك أو في غيرها، بل لو رجع البلد بمرافقه إلى الخلف عشرات السنين كل ذلك فداء لما يراه هو من لزوم الإصلاح.

وها هي بعض بلدان العالم الاسلامي لا تزال تعيش آثار تلك التحركات التي سحب طالبو الإصلاح المجتمع معهم في هذه المعمعة فلم يخرج منها. هنا من المهم أن يتعلم هؤلاء من كلمات الحسين﵇ منهجاً، حين يرى أنه (لأن أقتل خارج الحرم بشبر أحب إلي من أن أقتل داخله بشبر)210 وحين يدعو الناس إلى نصرته لا يقول أنا مقيم بينكم وأتخذكم دروعا بشرية وإنما يقول (فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا).211

لمثل هؤلاء يقال: إذا كان الحاكم المستبد مستعدا للسير إلى آخر المشوار وأن يدمر البلد على قاعدة؛ أنا ومن بعدي الطوفان وأنه لا مشكلة عنده أن يُفني البلد أو يَفنى فلماذا يكون بعض المعارضين وطالبي الإصلاح بنفس العقلية.

هل خرج وهو يعلم بمصرعه؟

هناك سؤال يتردد في نهضة الحسين﵇، منذ القديم ويعود في كل موسم، وهو أنه هل كان عالماً بمصرعه؟ وإذا كان كذلك فهل كان خروجه للاستشهاد فقط أو أنه كان خارجا بهدف تحقيق هدف واقعي اجتماعي وهو إقامة العدل والقسط في دولة اسلامية تسير على منهاج رسول الله وطريقة أمير المؤمنين﵉؟

ويرتبط هذا السؤال بمواضيع كثيرة؛ منها ما هو في باب الامامة عن حدود علم الإمام المعصوم﵇ وهل يعلم بمصرعه212علما حاضرا تفصيليا؟ كما يناقش أيضا عند الحديث عن منطلقات نهضة الإمام الحسين وبواعث حركته الجهادية.

وقبل نحو سبعة عقود من الزمان تجدد النقاش فيه بشكل واسع عندما ألّف الشيخ نعمت الله صالحي نجف آبادي كتابه (الشهيد الخالد) باللغة الفارسية، وأثار نقاشًا اجتماعيًا ساخنًا لفترة غير قصير من الزمان في إيران على وجه الخصوص وإن كانت آثاره قد امتدت فيما بعد إلى المحيط الشيعي خارج إيران.

وترافق هذا الكتاب مع وضع سياسي نتج عن وجود تيارين:

أحدهما يحب انتشار فكرة الإصلاح السياسي وإقامة الدولة الإسلامية العادلة وهو ما كانت فكرة الكتاب تخدمه وتؤكد على أن الإمام الحسين﵇ نهض متحركًا بدافع هذا الهدف الأساس.

وثاني التيارين: التيار المتدين المحافظ الذي يرى أن فكرة الكتاب تنتهي إلى ما يخالف الاعتقاد الموجود لدى الشيعة بأن الإمام﵇ كان يعلم بمصرعه قبل وصوله إلى كربلاء بل قبل خروجه من مكة وقد أخبر عن ذلك، فلا معنى لأن يخرج بدافع إقامة حكم اسلامي وهو يعلم بأنه قبل ذلك سيقتل هو وأهل بيته.

ومن الواضح أن الإمام الحسين﵇ خرج وهو يعلم أن مصيره إلى الاستشهاد، بل كان يعلم بذلك غيره من أهل بيته وسواهم، فإن الأحاديث الكثيرة المروية عن رسول الله﵌،213 والآثار المنقولة عن أمير المؤمنين علي﵇، كانت من الكثرة بحيث لا تدع لشاك أن يشك في تلك النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن السياق الطبيعي للأمور كان ينتهي إلى هذه النتيجة، والإمام الحسين﵇ هو أكثر الناس حكمة ومعرفة بتصرف الأحداث. فكيف يغفل عن هذه النتيجة؟! إن موازين القوة المنظورة بين الطرفين: الحسين وأصحابه، والدولة الأموية -وهي في أفضل أوقات قوتها- كانت تحتم هذه النتيجة، فضلاً عن الإخبارات الغيبية التي عرفها الإمام الحسين وغيره.

وقد تطرق العلماء لهذه المسألة - علم الإمام بمصرعه - عند الحديث أولاً عن شهادة أمير المؤمنين﵇، وما ورد فيها من الروايات باعتبار أنه كان يعلم أنها « الليلة التي وعدنيها رسول الله»، فصار الكلام منذ ذاك، وكذلك الحال بالنسبة للإمام الحسين﵇.

ويظهر أن الآراء فيها ثلاثة بشكل أساس:214

1. رأي يقول: بأن الأئمة﵈ لم يكونوا يعلمون تفصيلاً بمصارعهم زمناً ومكاناً ولحظة. معللاً بأن الإجماع إنما قام على أن الإمام يجب أن يكون عالماً بكل الأحكام، لا بكل الأحداث والوقائع وبحسب تعبيرهم «لا بكل الأعيان». وقضية علمه بمصرعه لم تثبت بيقين. وهذا الرأي قليل الأتباع لما تظافر من الإخبار والأخبار بمعرفتهم بمصارعهم-ولو في الجملة- وإنكار ذلك في الدائرة الشيعية يعد مجازفة!

2. والرأي الثاني ينتهي إلى أنهم يعلمون بذلك ولكن بعلم اجمالي غير تفصيلي باليوم والساعة. فقد يعلم أمير المؤمنين بمقتله في شهر رمضان أو حتى في ليلة احدى وعشرين ولكن لا يعلم عن ساعة ذلك وموعده، وهكذا قد يعلم الحسين بأنه يقتل في كربلاء وفي أيام محرم مثلاً، ولكن لا في أي ساعة ويوم، وهذا لا يختلف عن سابقه وإن كان أقل في مصادمته للمأثور من الروايات والأخبار.

3. الرأي المشهور وهو المنصور أن علمهم بمصرعهم هو من المسائل الثابتة لدى العلماء وأنهم يتعاملون معها باعتبارها مفروغا منها،215 غاية الأمر أنهم حاولوا أن يوفقوا بينها وبين مسائل أخر مثل إذن كيف يلقي بنفسه إلى الموت والهلاك؟

إن ما يهمنا من ذلك هو أن الإمام الحسين﵇ بحسب ما وصل إليه من الأخبار عن جده رسول الله وأبيه أمير المؤمنين كان عالماً بما ينتظره في كربلاء، وقد تقدم نقل بعض الأخبار في ذلك، بل كان غيره يعلم به، ويفترض أن أمير المؤمنين﵇ عندما تحدث وهو قرب نينوى.216

ومن أقوال الإمام الحسين﵇ المشيرة إلى مصرعه ما نقلناه آنفا «وَخِيرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَات، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء».

الاتجاه نحو الكوفة

لم يكن الاستمرار في البقاء في مكة المكرمة مناسبا للإمام الحسين﵇، من جهة أن قرار السلطة الأموية كان باتجاه اغتياله في أي مكان تمكنوا من ذلك، وقيام يزيد بتولية الأمر لعمرو بن سعيد الاشدق، الذي اجتمع فيه الحقد الشخصي على الإمام الحسين كما على أبيه أمير المؤمنين﵉، إضافة إلى الطموح السياسي في الصعود كما حصل لابن زياد الذي سيجمع له العراق، فعمرو الذي كان قائد شرطة والآن عين والياً على المدينة خلفا للوليد بن عتبة بن أبي سفيان الذي صنف على أنه كان متساهلا مع الحسين حتى خرج من المدينة إلى مكة، فأراد عمرو هذا أن يضرب ضربته القوية التي تعد رافعة له في المناصب السياسية فلو تمكن من قتل الإمام الحسين فسينظر إليه على أنه المنقذ للدولة من أخطر أعدائها وفي هذا ما يستطيع المتاجرة به في سوق المناصب.

إضافة إلى ما سبق ذكره من أنه لم يكن يريد أن تهتك حرمة الحرم والحج والبيت والشهر الحرام، فتكون سابقة سيئة.

إذن فإن البقاء في مكة لا يصلح بأي حال من الأحوال فلا بد أن يتجه إلى بلد معين، وباستعراض المناطق الإسلامية آنئذ لم يكن هناك أفضل من الكوفة؛ فإن باقي الأماكن، كالبصرة، وهي المصر الكبير الآخر في العراق، لم تكن شيعية الهوى في جمهورها العام بالإضافة إلى أن وجود عبيد الله بن زياد المتنفذ فيها لم يكن ليسمح للإمام الحسين﵇ باختيارها كمنطقة يتوجه إليها، ولم يكن التوجه إلى اليمن بالرغم من وجود تشيع عريض فيها لأهل البيت﵈، ولو على المستوى النفسي والقلبي، إلا أنها بالإضافة إلى كونها بعيدة جغرافيا عن موقع التأثير السياسي، فلا هي منطقة مركزية في العالم الاسلامي ولا موقع ديني متميز لها كالمدينة، ولا تكاد تكون قد فرغت من العناصر المهمة، فقد انتقلت القبائل المؤثرة وزعاماتها إلى الكوفة منذ وقت مبكر وانقطعت عن اليمن. وحال مصر في عدم التأثير كحال اليمن، ولعل ما جرى أيام عثمان من مجيء ثوار مصر إلى المدينة شاهد على ذلك، ولو بقي هؤلاء مع احتجاجاتهم في مصر لما كان لهم أثر.

فاختار الإمام الحسين﵇ الكوفة لأنها «شيعية الهوى» بشكل عام، ولأنها راسلت الحسين﵇ على لسان زعمائها وشخصياتها وجمهورها، حتى لقد ذكر بأنه قد اجتمع لدى الحسين﵇ من كتبهم عشرات الآلاف من الأسماء217!

وبالرغم من أن خروج الإمام الحسين﵇، كان أشبه بالانسحاب من المواجهة في مكة إلا أنه لم يكن -مع ذلك سلِسًا- فقد حاول عمرو بن سعيد الاشدق منعه، وعبر رجاله سعى فيما نفهم لاعتقاله، فقد حاولوا منعه، لكنه كان صارمًا في خروجه، إلى الحد الذي لا يوقع قتالاً، لكنه مصمم على الخروج، فوقفت أمامه مفرزة عسكرية لما صار خارج مكة فاجتلدوا بالسياط218.

الهوامش

  1. 204. يشير أتباع الاتجاه الأموي من طرف خفي وصريح بأن الصحابة أشاروا عليه بعدم الخروج ولكنه لم يطعهم!! كما يظهر من مقالة للكاتب غالب السرجاني في موقعه؛ حيث عرض لما قاله فلان وفلان من الصحابة معترضين على حركة الحسين وناصحين له، لخصتها كلماته “ وقد نظر بعض الصحابة إلى العمل الذي سيقدم عليه الحسين بأنه في حقيقته خروج على الإمام صاحب البيعة! (ونسأله متى كان صاحب بيعة؟)، كما نظروا إلى خروج الحسين وما يحمله خروجه على أنه نذر شر وبلاء على الأمة مهما كانت النتائج لأي من الطرفين منهم. http://iswy.co/e14757
  2. 205. مر على المدينة المنورة في العهد الأموي من الولاة التالية أسماؤهم: مروان بن الحكم سنة 42 وبقي فيها إلى سنة 49 حيث عزله عنها وولى سعيد بن العاص الأموي وبقي هذا فيها إلى سنة 54 هـ وأمره في هذه الأثناء بهدم دار مروان، فلم يفعل سعيد كما قيل، وعزله بعدها ليولي مروان مرة أخرى ويأمره بهدم دار الوالي السابق سعيد بن العاص، فلما جاء الفعلة ليهدموها استمهلهم وأخبر مروان أن معاوية سبق أن أرسل له بهدم دار مروان عندما كان سعيد واليا فلم يفعل وأخرج له كتاب معاوية بذلك فترك مروان هدم دار سعيد! وبقي مروان فيها إلى سنة 57 هـ حيث عزله معاوية وولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عليها، وبقي هذا فيها إلى حوالي رمضان سنة 60 هـ حيث عزله يزيد وولى عليها عمرو بن سعيد بن العاص (الأشدق) وجمع له بذلك مكة والمدينة.
  3. 206. الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (ابن أخ معاوية) تولى المدينة من قبل عمه معاوية في فترات متعددة، وكان ينافسه في ذلك مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدق، وآخر فترة عندما مات فيها معاوية وأرسل له يزيد بأخذ البيعة من الحسين﵇ وباقي النفر، ويظهر بشكل عام أنه لم يكن على حد إجرام باقي الأمويين بل لم يكن يشأ الاصطدام بالإمام الحسين﵇ لأن من يأتي بدم الحسين يأتي خفيف الميزان يوم القيامة كما نقل عنه! مات في التصفيات التي حصلت مع اختلال نظام الدولة الأموية بعدما هلك يزيد، واغتيل معاوية ابنه، وكان الوليد بن عتبة في الشام كأحد (المرشحين) للخلافة فتم اغتياله والتخلص منه.
  4. 207. تاريخ الطبري ٤/٢٥٠: ولم يكن ليزيد همة حين ولى إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وإنه وليّ عهده بعده والفراغ من أمرهم فكتب إلى الوليد بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة أما بعد فان معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكّن له فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه الله فقد عاش محمودًا ومات برًّا تقيًّا(!!) والسلام وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد فخذ حسينا وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام فلما أتاه نعى معاوية فظع به وكبر عليه فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارها فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فجلس عنه وصرمه فلم يزل كذلك حتى جاء نعى معاوية إلى الوليد فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه فلما قرأ عليه كتاب يزيد استرجع وترحم عليه واستشاره الوليد في الامر وقال كيف ترى أن نصنع قال فإني أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم.
  5. 208. فمن العجيب بعد هذا ما ذكره ابن نما الحلي في مثير الأحزان طبع مدرسة الإمام المهديP 1/24: من أن الوليد أمر بإحضار الحسين وعبد الله ابن الزبير وعبد الله بن مطيع وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر! وأن ابن الزبير بادرهم بالكلام.. إلى آخر ما ذكر فإنه لا يستند إلى نقل صحيح! أما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه مات قبل معاوية مسموما بواسطته كما تقدم ذكره في صفحات. وأما عبد الله بن مطيع فلم يكن من هذه الطبقة ولا ينظر إليه ولا يعتبر ممن تطلب بيعته لا بشكل خاص ولا عام! وأما عبد الله بن عمر فهم يعلمون أنه يرفع الراية البيضاء بالمبايعة والمسالمة قبل أن يدعى! فلم يبق إلا ابن الزبير وهو كما سيأتي ظل يراوغ الوليد ورسله ثم انسل إلى مكة مع أخيه جعفر وبعض أهله.
  6. 209. مثل هذا الموقف والكلام يجعلنا نشكك فيما سيأتي من أن الإمام ترحم على معاوية وما شابه. وقد ورد في رواية الصدوق أن الإمام﵇ استرجع ولم يذكر أنه ترحم على معاوية.
  7. 210. إشارة من الإمام﵇ إلى ما بين مروان والوليد من القطيعة والمناكفة وأن مروان كان يسعى باستمرار لتوريط الوليد حتى يعزل ويأتي مكانه!تاريخ الطبري ٤/٢٥٢
  8. 211. تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٢0.
  9. 212. ولذلك نعتقد أن ما جاء في أمالي الصدوق/216 من أن (عُتبَة) دَعَا الكاتِبَ وكَتَبَ الى يزيد أن الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ لَيسَ يَرى‏ لَكَ خِلافَةً ولا بَيعَةً، وأن يزيد رد عليه جوابا بأن يعجل جواب الكتاب وَليَكُن مَعَ الجَوابِ رَأسُ الحُسَينِ بن عَلِيٍّ..) لا يمكن قبوله كما أشار إليه الري شهري في كتابه الصحيح من مقتل الحسين، حيث لا تتسع المدة لتبادل الرسائل هذه ذاهبة إلى الشام وآتية! على أن الوليد بن عتبة (والذي ذكر في نص الأمالي بعنوان عتبة) لم يكن راغبا في التصعيد وكان يسعى للخروج من هذا المأزق بأي طريقة! فلا يتناسب هذا مع رسالته التصعيدية المفترضة!
  10. 213. لمعرفة أدوار أم سلمة﵍ وشخصيتها ودفاعها عن خط الولاية يراجع كتابنا (أعلام من الأسرة النبوية).
  11. 214. بل كان يعلن عن ذلك كما يشير إليه أبو سعد المقبري فيما نقله الطبري، في تاريخه ٤/٢٥٣ قال نظرت إلى الحسين داخلا مسجد المدينة وإنه ليمشي وهو معتمد على رجلين يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة وهو يتمثل بقول ابن مفرغ:
  12. 215. قال فقلت في نفسي والله ما تمثل بهذين البيتين إلا لشئ يريد قال فما مكث إلا يومين حتى بلغني أنه سار إلى مكة. أقول: نحن نعتقد أن هذه الزيارة لقبر النبي﵌، لم تكن قبل يومين من خروجه وإنما كانت في النهار وفي ليلتها خرج الحسين في الطريق إلى مكة.
  13. 216. ذكر الشيخ الصدوق في الأمالي/216 أنهم كانوا أحد وعشرين رجلا من أصحابه وأهل بيته، وسمى منهم ولديه العليين، وإخوته الأربعة من أم البنين وعبد الله بن مسلم بن عقيل.
  14. 217. سيأتي في ذكر الحديث عن سفر ركب السبايا من كربلاء إلى الشام وعودتهن إلى كربلاء، أن ما ذكره المحقق الكرباسي في الموسوعة الحسينية من أن الشائع في تلك الفترات هو السفر بالإبل وهذه تقطع في 8 ساعات وهي معظم اليوم، ما يصل إلى حوالي (162 كيلومترا) بمعدل عشرين كيلومترا في الساعة، وبهذا استطاع التوفيق بين ما عليه المشهور من وصول الأسارى إلى دمشق في 2 صفر/61هـ وبين معرفة الطريق الذي تم سلوكه ويبلغ حوالي 2100 كيلو مترا. واستغرقوا في ذلك قرابة 13 يوما. وبنفس الطريقة كذلك تم الاجابة على سؤال أنهم كيف وصلوا إلى كربلاء في الرجوع إليها خلال 9 أيام، حيث سلكوا طريقا آخر غير الطريق الذي سُلك في الذهاب، ويبلغ حوالي 1200 كيلو مترا تقريبا. وهنا كذلك فإنه وإن كانت المسافة بين مكة والمدينة بحسب هذا الطريق والذي قد يسمى طريق الأنبياء، تبلغ حوالي 225 ميلا = 410 كيلومترات. إلا أنهم لم يقطعوها مشيا على الأقدام (وإن كان الإمام الحسين﵇ قد قطعه فيما سبق ماشيًا في طريق الحج) فإنه هنا ومعه أهل بيته قطعوه بركوب الابل.. وبحسب الحساب الدقيق فإنه يمكن قطع هذا الطريق بملاحظة قسمة مسافته على مقدار سير الناقة، يفترض أن أقل من ثلاثة أيام تكفي لذلك لكن نظرا لحاجة الإمام ومن معه للإحرام حيث خروجهم من المدينة فإن هذا بطبيعة الحال سيستغرق وقتا، يضاف إلى وقت المسافة الطبيعي، فما ذهب إليه في دائرة المعارف الحسينية وغيره من أنه استغرق أربع ليال وخمسة أيام قد يكون لهذه الجهة.
  15. 218. القصص:21.