أجواء خروج الإمام الحسين من مكة
من خطبة لسيدنا ومولانا أبي الأحرار سيد الشهداء الإمام الحسين﵇، قالها عند خروجه من مكة: «خُطَّ المَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمِ مَخَطَّ القِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف، وَخِيرِ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشًا جُوفًا، وَأَجْرِبَةً سُغْبًا لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالقَلَمِ، رِضَا الله رِضَانَا أهلِ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ، فَيُوَفِينَاأجورَ الصَّابِرِين»204.
في إضاءة سريعة على كلمات الخطبة، التي قالها الإمام الحسين، في يوم الاثنين، السابع من شهر ذي الحجة، في مكة المكرمة؛ لكي ينطلق في فجر يوم الثامن205 -يوم التروية من ذي الحجة- خارجا منها باتجاه العراق.
«خُطَّ المَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدمَ مَخَطَّ القِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ»، التشبيه هنا في عدة جهات: أن الموت بالنسبة إلى الإنسان أمر طبيعي وملازم له، بل هو الأمر الطبيعي فيه. تماما مثلما أن القلادة تتقلدها الفتاة على جيدها ورقبتها، بل هو كمال وجمال لها. كذلك، فإن الموت بالنسبة للإنسان، إذا كان موت شرف وعز وكرامة، فإنه بالإضافة إلى كونه شيئا طبيعيا، هو زينة وهو جمال للإنسان.
«وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف»، تشوق ورغبة في أن يلحق بأسلافه: أبيه وجده وأعمامه الصالحين، الذين مضوا على الحق، والتحقوا -إلى دار الآخرة- بربهم. فكان تشوق الإمام الحسين﵇ كتشوق يعقوب إلى لقاء ابنه يوسف، أن يصير إلى ما صار إليه أولئك الأسلاف الطيبون.
ثم يقول: «وَخِيرِ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ»، اختير وانتُخِب لي، هذا بناء على قراءة: خِيرَ لي. إشارة إلى اختيار تم من قبل الله عز وجل، فبني للمجهول، «خِيرَ لِي»، يعني: هناك جهة اختارت لي هذا المصير، تلك الجهة هي الله سبحانه وتعالى. لكن قرأها بعضهم: وخَيْرٌ لي مصرع أنا لاقيه، يعني أن المصرع الذي سأواجهه هو الخير والحسن..
«كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ»، عسلان: جمع عاسل وأعسل، وهو الذئب، ذئب الفلوات والصحاري، المفترس، الجائع، فهو يمزق الفريسة. وكأنّ صفات هؤلاء الذين سيواجهونني صفات ذئبية. «كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء»، النواويس، قالوا: مقابر النصارى. هذه المنطقة، نينوى، حيث أنها منطقة مر بها الأنبياء206.
هذه المنطقة، يقول: «بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشًا جُوفًا، وَأَجْرِبَةً سُغْبًا»، هذه البطون الجائعة للحرام، كتلك البطون الجائعة للحم الفريسة في الذئاب، نفس المشابهة، ونفس المشاكلة، «لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالقَلَمِ، رِضَا الله رِضَانَا أهلِ الْبَيْتِ».
«رِضَا الله رِضَانَا أهلِ الْبَيْتِ»، لها معنيان، تحملهما كلمة واحدة. تارة بمعنى: أن ما يُرضي الله، يرضينا، وتارة بمعنى: ما يرضينا هو ما يرضي الله. وبعبارة أخرى، قد يقال: رضانا يدور مدار رضا الله سبحانه وتعالى، وربما يقصد معنى أعلى من هذا بأن يقال: أن رضا الله هو في رضانا، واتباع منهج الله يمر عبر منهجنا، فمن أراد طريق الله فليأت.
هل كان الحسين محرما للحج فأحل؟
تشير بعض القصائد التي تؤرخ حركة الإمام الحسين﵇ (فصيحة وشعبية)207 إلى أنه كان محرماً فأحل، وقد ثبت هذا في أذهان سامعي القصائد هذا المعنى بحيث لو أخبرتهم بخلاف ذلك لنظروا لك مستغربين ومنكرين، وذلك لما للشعر بقسميه من قدرة على التأثير ولأجل تكرارها فإنها تثبت نصاً ومعنى.