2. والرأي الثاني ينتهي إلى أنهم يعلمون بذلك ولكن بعلم اجمالي غير تفصيلي باليوم والساعة. فقد يعلم أمير المؤمنين بمقتله في شهر رمضان أو حتى في ليلة احدى وعشرين ولكن لا يعلم عن ساعة ذلك وموعده، وهكذا قد يعلم الحسين بأنه يقتل في كربلاء وفي أيام محرم مثلاً، ولكن لا في أي ساعة ويوم، وهذا لا يختلف عن سابقه وإن كان أقل في مصادمته للمأثور من الروايات والأخبار.
3. الرأي المشهور وهو المنصور أن علمهم بمصرعهم هو من المسائل الثابتة لدى العلماء وأنهم يتعاملون معها باعتبارها مفروغا منها،215 غاية الأمر أنهم حاولوا أن يوفقوا بينها وبين مسائل أخر مثل إذن كيف يلقي بنفسه إلى الموت والهلاك؟
إن ما يهمنا من ذلك هو أن الإمام الحسين﵇ بحسب ما وصل إليه من الأخبار عن جده رسول الله وأبيه أمير المؤمنين كان عالماً بما ينتظره في كربلاء، وقد تقدم نقل بعض الأخبار في ذلك، بل كان غيره يعلم به، ويفترض أن أمير المؤمنين﵇ عندما تحدث وهو قرب نينوى.216
ومن أقوال الإمام الحسين﵇ المشيرة إلى مصرعه ما نقلناه آنفا «وَخِيرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَات، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء».
الاتجاه نحو الكوفة
لم يكن الاستمرار في البقاء في مكة المكرمة مناسبا للإمام الحسين﵇، من جهة أن قرار السلطة الأموية كان باتجاه اغتياله في أي مكان تمكنوا من ذلك، وقيام يزيد بتولية الأمر لعمرو بن سعيد الاشدق، الذي اجتمع فيه الحقد الشخصي على الإمام الحسين كما على أبيه أمير المؤمنين﵉، إضافة إلى الطموح السياسي في الصعود كما حصل لابن زياد الذي سيجمع له العراق، فعمرو الذي كان قائد شرطة والآن عين والياً على المدينة خلفا للوليد بن عتبة بن أبي سفيان الذي صنف على أنه كان متساهلا مع الحسين حتى خرج من المدينة إلى مكة، فأراد عمرو هذا أن يضرب ضربته القوية التي تعد رافعة له في المناصب السياسية فلو تمكن من قتل الإمام الحسين فسينظر إليه على أنه المنقذ للدولة من أخطر أعدائها وفي هذا ما يستطيع المتاجرة به في سوق المناصب.
إضافة إلى ما سبق ذكره من أنه لم يكن يريد أن تهتك حرمة الحرم والحج والبيت والشهر الحرام، فتكون سابقة سيئة.
إذن فإن البقاء في مكة لا يصلح بأي حال من الأحوال فلا بد أن يتجه إلى بلد معين، وباستعراض المناطق الإسلامية آنئذ لم يكن هناك أفضل من الكوفة؛ فإن باقي الأماكن، كالبصرة، وهي المصر الكبير الآخر في العراق، لم تكن شيعية الهوى في جمهورها العام بالإضافة إلى أن وجود عبيد الله بن زياد المتنفذ فيها لم يكن ليسمح للإمام الحسين﵇ باختيارها كمنطقة يتوجه إليها، ولم يكن التوجه إلى اليمن بالرغم من وجود تشيع عريض فيها لأهل البيت﵈، ولو على المستوى النفسي والقلبي، إلا أنها بالإضافة إلى كونها بعيدة جغرافيا عن موقع التأثير السياسي، فلا هي منطقة مركزية في العالم الاسلامي ولا موقع ديني متميز لها كالمدينة، ولا تكاد تكون قد فرغت من العناصر المهمة، فقد انتقلت القبائل المؤثرة وزعاماتها إلى الكوفة منذ وقت مبكر وانقطعت عن اليمن. وحال مصر في عدم التأثير كحال اليمن، ولعل ما جرى أيام عثمان من مجيء ثوار مصر إلى المدينة شاهد على ذلك، ولو بقي هؤلاء مع احتجاجاتهم في مصر لما كان لهم أثر.