مع الحسين من مكة إلى كربلاء
استغرقت مسيرة الحسين، من مكة المكرمة إلى كربلاء 23 يوما، تم فيها قطع مسافة 1475 كيلو متر، وهي المسافة بين مكة وكربلاء بحساب طرق في ذلك الزمان.239 وهذا يعني أن الإمام﵇ والركب المرافق له، كانوا يطوون ما معدله 65 كيلو متر في كل يوم.240 فمروا في هذه المسافة بقريب من 38 منزلاً بين بئر وحيٍّ ومنزل جماعة، بعضها أقاموا فيه برهة من الزمان، وبعضها تجاوزوها، وبعضها باتوا فيه، وبعضها لم يبيتوا فيه، إلى أن وصل الإمام الحسين إلى كربلاء في اليوم الثاني من محرم سنة إحدى وستين للهجرة.
بداية الخروج كانت في اليوم الثامن،241 من شهر ذي الحجة، سنة 60 للهجرة. وكان الخروج ليلاً مع السحر -كما يرى باحثون- وقد كان العرب في تلك الفترات يفضلون السير في الليل، ويسمونه: بالسرى، ومنه يأتي المثل المعروف: «عند الصباح يحمد القوم السرى»، يعني: يمدحون أنهم ساروا ليلاً؛ وذلك نظرا لأن الإبل تأخذ راحتها في السير في الليل، بخلاف سيرها في النهار، حيث أشعة الشمس المحرقة، والأرض الحارة، فكان سيرها في الليل هو المفضل غالباً.
فخرجوا في الليل، بناء على هذا، ومع الصباح وصلوا إلى التنعيم، والتنعيم: منطقة كانت خارج مكة المكرمة، لكنها الآن أصبحت داخلها على أثر التوسع العمراني لمكة.
وتشير احدى الروايات إلى أن الإمام الحسين﵇، رأى قافلة محملة بالأحمال، وعلم أنها عبارة عن هدية من والي اليمن إلى يزيد الخليفة الجديد. حيث كانت العادة أن بعض هؤلاء الولاة؛ ولأجل أن يبقوا في مناصبهم كانوا يرسلون للخليفة ما يصطفونه من بيت مال المسلمين عندهم، هدية للخليفة «عربون» طاعة وولاء، ومن الطبيعي أن يرد عليهم الحاكم الجديد بإبقائهم في مناصبهم تلك.
وتقول الرواية: إن الإمام الحسين﵇ استولى على هذه القافلة، وخيّر أصحاب الإبل المستأجرة بين أن يأتوا معه ويوفيهم كراءهم، وبين أن يرحلوا عنهم ويعطيهم قيمة كرائهم.
وقد رفض بعض الباحثين هذه الرواية، باعتبار أن الإمام﵇ لم يكن من شأنه مصادرة الأموال، بل اعتبر أن هذا من تشويه صورة الإمام بإظهاره وكأنه قاطع طريق. فيما ذهب باحثون آخرون، في أنه لو كانت الرواية صحيحة، فتوجيهها وتفسيرها واضح؛ ذلك أن هذا المال ليس مالًا شخصيًّا لوالي اليمن، مثلما أنه ليس من الأموال الشخصية ليزيد بن معاوية، وإنما هو من أموال المسلمين. وما دامت كذلك، فإن ولاية التصرف عليها، إما أن تكون من والٍ منصوب من الله ومنصوصًا عليه، وإما أن يكون شخصًا منتخبا من قبل الناس. ويزيد بن معاوية مثلما لا يتوفر على الوصف الأول، كذلك لا يتصف بالثاني، فلا حق له في هذه الأموال واستيلاؤه عليها يعتبر عدوانًا غير جائز، بينما من يحتوي على الوصف الأول هو الإمام الحسين﵇ كما أنه أكثر من سائر الناس في توفر صفات الخلافة من ناحية رأي الناس. هذا بالإضافة إلى أنه بمقتضى الاتفاق الذي حصل بين معاوية بن أبي سفيان وبين الإمام الحسن المجتبى﵇ والذي بموجبه تم التوقف عن الحرب، فإن الإمام الحسين﵇ هو الحاكم دستوريًّا، إذ تم النص على أن الخلافة لمعاوية فإن قضى فللحسن وإن قضى الحسن فللحسين﵉.
على أنه يقال ايضا أن هذا المال قد صرف في مصالح المسلمين العامة، وفي إنقاذ بعض المسلمين من الأسر في يد الكافرين، فإن المؤرخين يذكرون: أنه في يوم عاشوراء قد أُخبر بشر الحضرمي وهو أحد أصحاب الحسين أن ابنه عَمراً قد أسر في ثغر الري في اشتباكات مع الديالمة فقال الإمام الحسين لأبيه بشر خذ هذا واسعَ في فداء ابنك وأعطاه حللاً بما يعادل ألف دينار ولما رفض مفارقة الإمام﵇ أخبره أن يعطيها لابنه الآخر لكي يستنقذ بها أخاه.
فبناء على ما سبق؛ لو صحت الرواية فلا مشكلة، لأن الإمام﵇ هو الأولى بها بل الوالي عليها دون يزيد، وكان مصرفها في إنقاذ أسير من أسرى المسلمين، بينما لو ذهبت ليزيد لصرفت بين أرجل الجواري وأيدي الساقين للخمر.
وبعد أن تجاوز الإمام﵇ التنعيم، وصل إلى «الصفاح» وفيها التقى بالفرزدق بن غالب،242 وحسبما أخبر الفرزدق نفسه فقد قال: كنت قادماً من البصرة إلى الحج مع أمي، فرأينا ركب الحسين بن علي، فجئت إليه، فسألني من الرجل؟ قلت له: «أَنَا مِنَ العَرَبِ»، يقول: «فَلَا وَاللهِ، مَا فَتَّشَنِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك». أي لم يسألني غير هذا عن شخصيتي.
وفي هذا تعليم تربوي، خلافا لما يصنعه البعض فإنه حين يلتقي شخصاً في مكان ما لمدة خمس دقائق، تجده يتطلع إلى أن يستكشفه بالكامل، ويعرف أهله ومواقفه السياسية، وتقليده المرجعي، وما يريد وما لا يريد، بل يرتب على ذلك آثارًا، في أنه هل يقاطعه بعدما عرف عنه ما عرف أو أن يتعامل معه بشكل عادي؟
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ
هذا ابن خير عبادِ اللّه كلّهم
هذا التقيُّ النقيّ الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
هذا ابن فاطمة إن كنتَ جاهله
بجدّه أنبياءُ اللّه قد ختموا
إن الإمام﵇ يعلمنا هذا خصوصاً في الأزمنة التي تكون فيها القضايا المختلفة منشأ لاختلاف الآراء وقد يكون الاختلاف حاداً إلى درجة الاعتداء عند بعضهم لو علموا بأن الذي يقابلهم يحمل الأفكار المعينة، ثم سأله الإمام﵇ كيف تركت الناس؟ قال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك، ثم فارق الفرزدق الإمام﵇ متجهاً إلى الحج كما قيل.
الفرزدق ومواقفه
ويثير هذا الموقف من الفرزدق السؤال، في أنه هل كان مستوى علاقة الفرزدق بالإمام﵇ هو بهذا المقدار أن يتبادل معه كلامًا عابرًا ثم يمضي كل منهما في سبيله؟ فلا الإمام يدعوه إلى الالتحاق به لا سيما وهو خارج من مكة، ولا الفرزدق الذي لم يستفصل من الإمام عما يريد من السؤال عن الناس خلفه؟ هذا إن لم يكن قد علم بأن الإمام خارج للعراق ضمن نهضته ضد الحكم الأموي فإن السؤال يزداد الحاحاً؟ وكيف يوصف موقفه في هذه الحال؟ بل كيف أخفى الفرزدق شخصه عن الإمام الحسين﵇ فلو اعتذر الفرزدق عن الالتحاق به ـ من جهة أن أمه معه في الحج ـ لما كان معاتباً في ذلك؟ فلنفترض أنه لم يشأ أن يذكر ذلك، أفهل يناسب أن يخفي شخصه وشخصيته عن الإمام﵇؟
نقول: إن الآراء في الفرزدق الشاعر والذي كان في ذلك الوقت في حدود الثالثة والعشرين من العمر، بناء على أن ولادته كانت سنة 37 هـ، على أنحاء:
1. هناك رأي يذهب إلى أن الفرزدق لم يكن شيعياً بحسب التصنيف، وذلك أنه لم يعرف له موقف مهم في تاريخه الذي امتد حدود 73 سنة، لأن ولادته كانت في 37 ووفاته كانت 110هـ سوى قصيدته في مدح الإمام زين العابدين﵇، وهي يتيمته من بين مئات القصائد التي افتخر فيها بأسرته ووالده ونفسه، وفيما عدا هذه القصيدة لا نجد موقفا «شيعياً» يستحق أن يذكر عنه، وأصحاب هذا الرأي يجدون أن موقفه من الإمام الحسين﵇ في عدم المناصرة أو حتى الوعد بالمناصرة بل حتى بمقدار تعريف نفسه، يجدون هذا الموقف طبيعياً إذ لم يتوقع منه غيره.
2. الرأي الآخر: يرى أنه رجل من شيعة أهل البيت﵈، ولذلك فقد مدح الإمام علي بن الحسين زين العابدين أمام هشام بن عبد الملك الذي كان ولي العهد في ذلك الوقت، وأن الإمام السجاد أرسل إليه مبالغ مالية، فأراد أن يردها، لكن الإمام قال له: «بِحَقِّي عليكَ إِلَّا قَبِلْتَهَا فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَرَّفَنِي نِيَّتَكَ وَمَكَانَكَ» فإن مثل هذا الكلام لا يقال في حق أي شخص، هذا بالإضافة إلى أن الناظر في قصيدته يجد فيها من المعاني العقائدية العالية والحماس الديني شيئا كثيرا، ولا يصدر مثل ذلك إلا عمن يكون من شيعتهم الخلص.
3. والرأي الثالث، ولعله الأوفق: أن الفرزدق لم يكن شاعرًا، على مستوى دعبل الخزاعي والكميت ممن كان الشعر جزءا من جهادهم ومواقفهم، وسلاحا يدافعون به عن عقيدتهم، ومنبر تبليغ لأفكارهم الدينية، ولا يهمهم بعد ذلك أن كان الشعر طريقهم إلى الشهادة كما نقل عن دعبل الخزاعي في قوله: «إِنِّي أَحْمِلُ خَشَبَتِي عَلَى ظَهْرِي 40 سَنَةً، لَا أَجِدُ مَنْ يَصْلِبُنِي عَلَيهَا»، يعني كلمتي هي موقفي، وأتحمل مسؤوليتها.
وربما نقل بعضهم أن الإمام عليا﵇ نصح أباه وقد وفد معه على الإمام أن يلزمه بحفظ القرآن حتى يكون شاعراً مهما، إلا أنه هذا لا يصح إذا صح ما قيل من ولادته سنة 37 هـ. فإن الإمام أمير المؤمنين قد استشهد في سنة 40، وهذا يعني أن عمره ذلك الوقت ثلاث سنوات، فكيف يقول أبوه: أن ابني لشاعر.
فنحن نعتقد بالرأي الثالث، هو شاعر كان له موقف نفسي وقلبي مناصر لأهل البيت، وحدود نصرته اللسانية كانت -فيما نعلم- بالقصيدة المشهورة وأما نصرته العملية فلا نجد من ذلك أثراً واضحاً.
محطة زرود ولقاء ابن القين
فيما تجاوز الإمام﵇ الصفاح مواصلا مسيرته وصل إلى زرود.243وينقل التاريخ فيها حدثين مهمين: لقاء الإمام الحسين﵇ بزهير بن القين، ووصول خبر شهادة مسلم بن عقيل.
وفيما يرتبط بموضوع زهير بن القين، فمن الواضح أن دوره بعد التحاقه بالإمام الحسين كان متميزاً، إذ يعد في الطبقة الأولى من الأصحاب غير الهاشميين، وقد يثار كلام حوله من أنه كان عثماني الهوى قبل ذلك أو لا؟
لا بد أن نشير إلى أن تعبير «عثماني الهوى» عندما يطلق على أحد، فإنه يعني «أموي الهوى» ولكن بتعبير مخفف يقال «عثماني الهوى» إذ لا يوجد لعثمان خط ممتد ومستمر، وإنما هو الخط الأموي الذي كان مسيطراً حتى أيام الخليفة عثمان، حتى الجاحظ لما أراد أن يكتب في الافتخار بما هو ضد العلويين، ذكر في مدح العثماني بما يشمل بني أمية.
وفي الجواب عن ذلك ذكر العلامة الطبسي244: إن أقدم مصدر وردت فيه هذه الصفة عنه هو تاريخ الطبري وكانت على لسان أحد أعدائه في محاورة بينهما يوم عاشوراء، ثم نقلها عن الطبري البلاذري وغيره، ومع كونها -أي الصفة- صادرةمن أعدائه فلا يمكن أن تثبت هذه الصفة في حقه، بالإضافة إلى عدم وجود أي قرينة أو حادثة (من قول أو موقف) يشير إلى كونه عثماني الهوى، هذا مع علمنا بأنه حتى لو كان سابقاً كذلك لما ضره مع تبينه الحق ووقوفه إلى جانبه ومناصرته، فهذا الحر الرياحي كان على رأس جيش أموي جاء لقتال الحسين وأسره إلا أنه ختم له بالسعادة والشهادة وحاز لقب (الحر كما سمتك أمك) فيما نقل من تأبين الحسين إياه.
بل إننا نجد قرينة مخالفة على ذلك، وهي ما نقله زهير نفسه، حين قال «غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي:245 أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من المغانم؟ فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معهم بما أصبتم من الغنائم».246وهذه الغزوة كانت بحدود سنة 22 هـ، ومن الطبيعي أن لا يقول سلمان الباهلي مثل هذا الكلام إلا في من يشتريه ويقيمه ولا ريب أنه لا يبيعه لشخص له توجهات أموية.
وما ذكره بعض المؤرخين من أن زهيراً كان يتحاشى في الطريق لقاء الإمام الحسين﵇، فبالإضافة إلى عدم إمكانه في نفسه باعتبار أن المعروف أن زهيراً كان في الحج في تلك السنة كما ينقلون، وهذا يعني أنه متأخر في المسير عن الحسين بنحو خمسة أيام هي الفاصلة بين حركة الإمام الحسين يوم الثامن من ذي الحجة، وحركة زهير في أقرب فروضها وهي في يوم الثاني عشر بعد الظهر من ذي الحجة وقت نفرة الحجيج، ومع ذلك لا معنى لأن يتحاشاه،247 فإنه يسير خلفه بمسافة غير قليلة، على أن هذا لو تم لا يفسره كون الرجل عثماني الهوى أو أموي الاتجاه، وإلا كان علينا أن نقول إن كل الحجاج الذين أعرضوا عن الالتقاء بالحسين هم أمويو الاتجاه وهو واضح الخطأ.
ثم إن الطبسي قد نقل عن أسرار الشهادة حادثة تتضمن حديث زهير بن القين مع أبي الفضل العباس، وقد أخذ الراية له من عبد اللّه بن جعفر بن عقيل وسلمها للعباس وحدثه بحديث عن خطبة أمه أم البنين لأبيه أمير المؤمنين بواسطة عقيل بن أبي طالب وأنه قد انتخب وأعد لمثل هذا اليوم، ليستفيد منها في بيان اطلاع زهير على خصوصيات البيت العلوي، وهذا ما لا يكون في أصحاب الاتجاه الأموي.
وقد ذكرتُها في بعض المحاضرات، لكن بدا لي ملاحظات حولها:
منها أن صاحب أسرار الشهادة ينقلها من غير سند ولا أصل، وهو على جلالة شأنه إلا أنه يأخذ عليه البعض أنه يورد روايات كثيرة لا نجد لها أصلاً بين أيدينا، كما أنه ينقلها من غير إسناد، وبالتالي فإنه يصعب الاعتماد عليه كمصدر، وقد أشار العلامة الري شهري إلى ذلك بعنوان أن: «بعض المصادر المتأخّرة روت معلومات حول أبي الفضل﵇ لا نراها في المصادر المعتبرة «248وذكر من الأمثلة على ذلك خبر حوار زهير مع أبي الفضل العباس.
ومنها ما جاء في متن الخبر فإن عليه في عباراته ما يمكن التوقف فيه، مثل أن الراية كانت بيد عبد الله بن جعفر بن عقيل، فهذا لا تؤكده المصادر التي ذكرت تقسيم الإمام الحسين﵇ راياته، فلم تذكره في جملة من أعطي الرايات، بل المعروف أن العباس هو صاحب الراية فلا معنى لأن يأخذ زهير الراية (استعارة) من عبد الله بن جعفر ليعطيها للعباس.
ومنها ما جاء في أن العباس لما سمع ذلك من زهير (تمطى في الركاب حتى قطعه).
أقول: إن هذه الملاحظات وأمثالها قد لا تساعد الاعتماد على مثل الخبر المذكور لإثبات صلة زهير بالبيت العلوي.
خبر شهادة مسلم بن عقيل
وفي هذه المنطقة (زرود) أيضاً وصل إلى الإمام الحسين﵇ خبر شهادة ابن عمه وسفيره إلى الكوفة مسلم بن عقيل، وينقله الطبري عن رجلين أسديين لحقا بالإمام﵇ بعد حجه، ووصلا إليه في زرود فرأيا رجلا كوفيا انحاز عن الطريق، فسأله أحدهما عن خبر الكوفة، فقال: إنه ما خرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وأنه رآهما يجران بأرجلهما في السوق، فجاء هذان بالخبر إلى الإمام وأرادا أن يخبراه منفرداً، فقال: ما دون هؤلاء الاصحاب من سر، فلما أخبراه استرجع وترحم عليهما و حاولا في الإمام أن يرجع إبقاء على نفسه وأهل بيته وأنه ليس له ناصر في الكوفة، فوثب أبناء عقيل وقالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا، فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء249.
وفي تعليقنا على هذا الخبر الذي طريقة صياغته تريد أن توحي وكأن الحسين ﵇ كان مندفعًا في حركته حتى إذا وصله خبر مسلم بن عقيل وشهادته عزم على تغيير فكرته تلك، لكن أبناء عقيل صمموا على مواصلة المشوار فانصاع الحسين لهم، نقول:
إنه سبق القول منا أن طريقة إجابات الإمام الحسين﵇ تختلف بحسب المواقف المختلفة وبحسب الأشخاص أيضاً وهذا من الحكمة، فإن ما يجاب به المجاهد الفدائي والنصير المخلص عندما يسأله يختلف عن إجابة المتفرج (مثل هذين الأسديين اللذين لم يكلفا نفسيهما أكثر من استطلاع خبر الكوفة) ويختلف عن الحديث مع العدو، ولهذا فلا نرى أن ترتيب أمر الاستمرار في المسيرة على وثوب أبناء عقيل وعدم تنازلهم عن ثأرهم لا نراه صحيحاً، ذلك أن الإمام﵇ قد حدد أهدافه ومنطلقاته من الأيام الأولى التي خرج فيها من المدينة وأكدها في مكة المكرمة وفي الطريق، فلا يصح أن تتغير بين عشية وضحاها لأجل غضبة ثأرية، ثم متى كان آل عقيل يعينون للحسين مساره وتوجهاته حتى تكون هذه إحداها؟ إنما هم أعوان وأنصار يأتمرون بأمره ويسيرون وفق توجيهه.
زبالة والخبر عن عبد الله بن يقطر
في مواصلة الإمام الحسين﵇ لمسيره، كان قد وجه عبد الله بن يقطر إلى الكوفة برسالة جوابية لمسلم بن عقيل، وكانت المفارز العسكرية الأموية المنتشرة في تلك المنطقة بقيادة الحصين بن نمير التميمي قد اعتقلت عبد الله هذا في القادسية، فأخذ مخفوراً إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، فلما التقاه قال له ابن زياد: اصعد فوق القصر فالعن (الكذاب بن الكذاب) يقصد بذلك الحسين﵇ حتى أرى رأيي فيك، وكان عبد الله أذكى من ابن زياد، فصعد أعلى القصر، فلما أشرف على الناس قال: أيها الناس إني رسول الحسين بن فاطمة بن بنت رسول الله﵌ لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي، فأمر به عبيد الله فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض فكسرت عظامه.
وفي منطقة زبالة، نعى الحسين﵇ الشهداء الثلاثة قائلاً: «إنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام»250 وكان الإمام﵇ يصفي من تبعه من النخالة والشوائب الذين تبعوه للدنيا، والطريف في الأمر أن بعض هؤلاء كان (ينصح) الحسين بأنه إنما يقدم على الأسنة وحد السيوف فالأفضل له أن يوصي الناس بأن يكفوا الحسين مؤونة القتال ويوطئوا له الأمور، حتى يأتي هو وأقواس النصر تنتظره، ولم يعلم أن الحسين﵇ لم يكن همه في غير الانكار على المنكر وإقامة المعروف حتى لو أدى ذلك إلى مقتله، لذلك لم يناقشه الإمام﵇ لأنه كان يرى أن مستوى تعقله لنهضة الحسين لا يسمح له بأن يفهم ماذا يريده الامام، فاكتفى بالقول له: إنه ليس يخفي عليّ الرأي ولكن الله لا يغلب على أمره.
حين تزود بالماء ليسقي أعداءه:
وفي زبالة حيث جاءه خبر عبد الله بن يقطر، تزود بالماء ليسجل أعظم صورة في الأخلاقية الدينية والإنسانية عندما يسقي أعداءه الماء وخيولهم، ليذكر البشر بعلو المناقب الحسينية.
فإذا كانت سيرة أعدائهم أن يمنعوا عنهم الماء حتى يموتوا عطشًا، فإن مناقب آل محمد تأبى عليهم هذا السلوك مهما كان أعداؤهم سيئين، فليس العداء معهم شخصياً ولا أن المسألة مسألة أحقاد وانتقام، وإنما فرق بينهم الدين والأحكام الشرعية، وهم ملتزمون بها هدفا وأسلوباً. فقد أرسل ابن زياد والي الأمويين الجديد على الكوفة جيشاً من ألف مقاتل لمحاصرة الحسين﵇ واعتقاله قبل وصوله إليها وحيث جاء هذا الجيش منهكاً وعطشاناً، اقترح بعض المرافقين على الإمام أن يواجههم فوراً، ويشتت قوتهم، مستعيناً في ذلك عليهم بالعطش والتعب من مشوار الطريق، إلا أن الإمام الحسين﵇ -كسيرة آبائه- لا يفعل إلا ما يليق بإمامته؛ فكان أن أمر أصحابه بسقي الجنود الأمويين وأن يرشوا على خيولهم شيئا من الماء لتبريد أجسامها251.
ويحق لنا أن نخاطب الإمام الحسين﵇ بما قاله الشاعر:
سقيت عداك الماء منك تحننا
بأرض فلاة حيث لا يوجد الماء
فكيف إذا تلقى محبيك في غد
عطاشى من الأجداث في دهشة جاؤوا
ولا ريب أن مثل هذه المواقف بالإضافة إلى أنها تخلد في الزمان وتعبر الدهور، فإنها تؤثر بشكل أو بآخر فيمن يشاهدها، ولعل الحر بن يزيد الرياحي وهو قائد الجيش الأموي، الذي انتهى به المطاف لأن يكون من شهداء النهضة الحسينية حين انتقل يوم العاشر إلى صف الحسين﵇، كانت بداية اليقظة عنده من هذا الموقف ثم ما تلاه من مواقف وخطب حسينية.
وكان هذا (السلام) الذي واجه به الحسين﵇، جيش الحر الرياحي قد أفسح الطريق نحو (رد السلام) المناسب، فكان أن استمع الحر إلى خطاب الحسين وسمح لأصحابه بالاستماع إليه، ثم صلى خلف الحسين جماعة لذلك وأمثاله كان الحر ميّالا إلى حل المشكلة وعدم التورط بالمواجهة مع الامام، ولذلك نقل أنه قال له: «فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة لتكون بيني وبينك نَصفًا حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئت فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك».
ولم يكن الحسين يسير إلا بسيرة جده المصطفى الذي ما دعي إلى أمرين أحدهما فيه الرفق إلا اختاره ولم يكن ممن الذين يعبدون العناد والتصلب.
فالإمام الحسين -كما قلنا- وأهل البيت﵈، لم يكن -كبعض الناس- ممن يعبدون العناد، وإنما كان يرى ما فيه رضا الله سبحانه وتعالى وما فيه رفق بمن هو معهم، لذلك سأل من معه إن كان أحد منهم يعرف الطريق على غير الجادة.
إلا أن ذلك لم يكن يعني أن يسلم الإمام الحسين﵇ يده بيد قائد الجند الأموي حينها -بدعوى محبته للسلام وكراهته للحرب- وإنما خطب الحسين﵇ بعد أن صلى بالجميع، وأخبرهم أنه تمت مراسلته من أهل الكوفة (وبالطبع هذا أبلغ في الاحتجاج من أن يقول إني أعارض يزيد بن معاوية فقط، وإنما لا بد من الحديث عن أن هناك طلباً شعبياً عاماً لمجيء الإمام الحسين وشاهد ذلك هو الكتب الكثيرة التي عرضت في ذلك الموقع، ولهذا قال الحر الرياحي: «فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله ابن زياد فقال له الحسين الموت أدنى إليك من ذلك». 252
ولما وصلوا إلى عذيب الهجانات « فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه وهو يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري
وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر
حتى تحلى بكريم النجر
الماجد الحر رحيب الصدر
أتى به الله لخير أمر
وحين أراد الحر أن يمنع التحاقهم بالحسين﵇، بزعم إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم، فقال له الحسين: لأمنعنّهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصاري وأعواني وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لي بشيء حتى يأتيك كتاب من ابن زياد، فقال: أجل لكن لم يأتوا معك قال هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي فان تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك قال فكف عنهم الحر».253
وقد عرض الطرماح بن عدي الطائي على الإمام الحسين﵇ أن يغير خطته وأن يذهب معه إلى جبال طي، وكان من الطبيعي أن يرفض الإمام ذلك العرض، وحيث أنه كان يأخذ ميرة لأهله فقد رأى نفسه ملزماً بإيصالها إلى تلك الأحياء، ونتج عن ذلك أنه لم يدرك عاشوراء ولم يحظ بشرف الشهادة مع الإمام الحسين مع أنه كما قيل رجع من فوره لكن كان الفرصة قد ضاعت كما هي الكثير من الفرص التي تضيع من الإنسان.254
الهوامش
- 239. هناك كلام في الرواية التي نقلت عن النبي﵌ من أنّ عقيلا لم يبق لنا منزلا في مكة وهل أنها تصح أو لا.. ولتحقيقها مجال آخر.
- 240. يعتمد العدد على تاريخ دخول مكة والمشهور أنه 4 شعبان/60 هـ، وعلى تاريخ الخروج منها، وفيه أقوال ستأتي والمشهور أنه كان في يوم 8/12 /60هـ.
- 241. الطبري 4/266 ونحن نشك في أن يكون الإمام الحسين﵇ قد استعمل الصلاة البتراء على النبي بدون الآل كما أوردها الخبر. فإن مقام الحديث لا يتناسب مع الصلاة البتراء.. كيف وهو يبين فضل أهل البيت وموقعهم من النبي؟
- 242. ابن الجوزي؛ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/325: -لما وصل مسلم بن عقيل- قام رجل ممن يهوى يزيد، إلى النعمان بن بشير، فقالَ له: إنك ضعيف، قد فسد البلد. فقالَ له النعمان: أكون ضعيفا في طاعة الله أحب إليّ من أن أكون قويا فِي معصية الله.
- 243. الطبري 4/263.
- 244. وقد استجاب ثلثا تلك القبيلة بحسب ما تكلم به رؤساؤهم، على الرغم من أن (تميما) كانت تصنف على موالاة القرشيين دون العلويين!.
- 245. العاملي، جعفر مرتضى: الصحيح من سيرة النبي الأعظم 31/137، نقله عن شرح النهج 4/104لابن أبي الحديد: سمعت علي بن الحسين﵉ يقول: «ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يحبّنا»..
- 246. ننقل كنموذج على تلك الكتب ما ذكره ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4/21 بقوله: «واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فذكروا مسير الحسين إلى مكّة وكتبوا إليه عن نفر، منهم: سليمان بن صرد الخزاعيّ، والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وحبيب بن مظهّر وغيرهم:بسم اللَّه الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإنّنا نحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلّا هو، أمّا بعد فالحمد للَّه الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الّذي انتزى على هذه الأمة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها، وإنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ اللَّه أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء اللَّه تعالى، والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته. وسيّروا الكتاب مع عبد اللَّه بن سبع الهمدانيّ وعبد اللَّه بن وال، ثمّ كتبوا إليه كتابا آخر وسيّروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحوا من مائة وخمسين صحيفة ثمّ أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثّونه على المسير إليهم، ثمّ كتب إليه شبث بن ربعيّ وحجّار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزبيديّ ومحمد ابن عمير التميميّ بذلك».
- 247. لعل الاختلاف راجع إلى أن قسما من الكتب وهو الأكثر كان جماعيا أن يكتبه أحدهم لكن يوقع فيه عشرات من الناس، فتارة يتم حساب العدد باعتبار عدد الموقعين وأخرى باعتبار عدد الكتب نفسها!
- 248. كما سيتم ذكره في بحث منطلقات النهضة الحسينية..
- 249. ربما يتم التعرض إليها عند الحديث عن شهداء النهضة الحسينية عن مسلم بن عقيل..
- 250. ذكر المؤرخ الطبري 4/264 أن مسلما بن عقيل بعدما استأجر دليلين من قيس أقبلا به فضَلّا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان هذا الطريق حتى ينتهى إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام فكتب إليه حسين أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إليَّ في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيء نزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله.. وقد ناقش غير واحد هذه الرواية وردوها من نواح متعددة: منها أنها لا تنسجم مع ما عرف من شجاعة مسلم فكيف يتهمه الحسين بحسب الرواية بالجبن، ثم إن الحسين لتوه قد أعرب في رسالته لأهل الكوفة أن مسلما هو ثقته! ولا يعقل أن يرسل لهذه المهمة الحساسة من يكون جبانا.. فما عدا مما بدا؟ على أنها لا تتفق مع الفترة المفترضة من خروج مسلم من مكة ووصوله إلى الكوفة مع فرض أن يكون الدليلان قد ماتا.. وأن مسلما وقيسا قد ضلا الطريق، فكيف تيسر لهما أن يرسلا للحسين رسالة وينتظرا جوابها ويأتي الجواب بلزوم المواصلة؟ فمن الذي أوصل الرسالتين؟ وكم استغرق من الوقت لأجل ذلك؟
- 251. تاريخ الطبري 4/281.
- 252. ذكر الكرباسي في الأطلس الحسيني أن منطقة الحاجر تبعد عن مكة نحو من 584 كيلو مترا، وأن الحسين وصلها يوم 12/ذي الحجة /60هـ.
- 253. الطبري 4/298.
- 254. مع الركب الحسيني 2/٤٥.