الحسين سيرة ما قبل كربلاء
سيرة الحسين ما قبل كربلاء، هي الفترة التي تشكل كل عمر الإمام الحسين، باستثناء خمسة أشهر ونصف تقريبا، هي التي خرج فيها من المدينة إلى مكة ثم إلى كربلاء إلى يوم شهادته﵇، وبالرغم من أنها الفترة الأكبر في حياته صلوات الله عليه، والمفروض أنها تشكل المساحة الأوسع للاقتداء، إلا أنها في الغالب ليست في متناول العموم، ولعل أحد أسباب ذلك أن الصورة النمطية المرسومة للإمام الحسين عند ذكره، هي صورة كربلاء وما جرى فيها وكأن كل حياة الإمام هي ما جرى في كربلاء.
لا ريب أن شهادة الحسين﵇ في كربلاء، هي التي لها الدور الأكبر في إحياء الدين والحفاظ عليه، وكونها حدثت بذلك النحو المأساوي الفجيع الصادم للوجدان الإنساني، والذي يبقى في الذاكرة ويثير العواطف، لكن ما سبقها من فترة زمنية وهي طويلة جدا تصل إلى حوالي 57 سنة (من 4 هـ إلى 61 هـ) هي المجال الأوسع للاقتداء، ولذلك ينبغي التوقف عندها والتعرف عليها.
ولادة الحسين ورضاعه﵇
سوف نتعرض لما يرتبط بولادته المباركة بشكل نقاط حتى يسهل مأخذها، وسنعتمد قدر الامكان الاختصار.
1. مع ملاحظة أن الإمام أمير المؤمنين﵇ وفاطمة الزهراء قد تزوجا في السنة الثانية للهجرة وأن ولادة المولود الأول لهما الإمام الحسن المجتبى﵇ كانت في السنة الثالثة من الهجرة، ستكون ولادة الإمام الحسين﵇ ثاني الأسباط في السنة الرابعة للهجرة، وقد ولد على المشهور في الثالث من شهر شعبان115.
2. هل كانت مدة الحمل به ستة أشهر116؟ وهي نفسها الفترة الفاصلة بين ولادة الإمام الحسن وأخيه الحسين، يذهب إلى هذا بعض العلماء اعتماداً على ما ورد من مشابهته في مدة الحمل لعيسى بن مريم117، وفي رواية أخرى118 ليحيى بن زكريا، وبناء على هذا فإنه سيخالف ما عليه المشهور من كون ولادة الإمام الحسن المجتبى في النصف من شهر رمضان وأن ولادة الحسين في شعبان، حيث لا يتفق هذا مع كون الفاصل بين ولادتها بالحسن وحملها بالحسين طهراً واحداً (سواء كان بالمعنى الشرعي وهو اقل الطهر أي عشرة أيام أو بمعنى الشهر الكامل) فإنه لو كانت ولادة الحسن المجتبى في 15 من شهر رمضان، ولنفترض مر شهر كامل كطهر وحملت بالحسين ستة أشهر فسيكون وقت ولادته في 15 ربيع الثاني أي قبل ما هو معروف من ولادته في 3 شعبان بعدة شهور.
وقد تخلص المرحوم العاملي من هذا الاشكال بالإصرار على كون الفاصلة 6 أشهر لصحة الرواية القائلة بذلك عنده وبأن ميلاد الحسين كان في شعبان، فيتعين أن يكون تعيين مولد الحسن المجتبى في شهر رمضان غير تام، وقال إنه ما دام لم يأت بطريق معتبر فلا سبيل إلى الجزم به. إلا أنه يبقى حل مشكلة كون أن المشهور -من الفريقين- قائل بكون النصف من شهر رمضان هو ولادة الإمام الحسن المجتبى، وسيأتي ذكر ذلك عندما يتم بحث سيرة الإمام الحسن﵇، لا سيما وأن المرحوم العاملي نفسه في كتاب آخر ذكر أن مولد الإمام الحسن كان في النصف من شهر رمضان119.
ولا يظهر من الشيخ الري شهري أنه اتخذ موقفاً واضحاً من الإشكال بعدما عرض الأقوال الكثيرة، وكذلك الحال بالنسبة للشيخ الكرباسي مع أنه قرر أن مدة الحمل بالحسين هي ما سبق من كونها دون ستة أشهر بأيام.
وهناك من ناقش في كون مدة حمل الحسين هي ستة أشهر، بالقول أن التنظير فيها تارة بالمسيح وأخرى بيحيى بالإضافة إلى كون الروايتين فيه غير تامتين سنداً، فإن هناك كلاماً 120في موضوع مدة حمل المسيح بين قول أنه أمر إعجازي حيث لم تستغرق سوى تسع ساعات وقول آخر أنه كان حملاً طبيعياً أي أشهر شهور.
3. هل كانت ولادة طبيعية أو غير طبيعية: بالرغم من أن هذا الموضوع قد لا يهم الكثير من الناس لكن لفت نظري أن بعض المؤلفين قد أصر عليه، فقد ذكر الشيخ الكرباسي في السيرة الحسينية، بأن ولادته﵇ كانت من غير الموضع الطبيعي الذي يولد منه الناس وإنما كان من الفخذ (الأيمن أو الأيسر) واستند في ذلك إلى بعض الروايات ونظّر له بأن لا غرابة فيه مثلما أن الكعبة قد انشق جدارها لتلج فاطمة بنت أسد منه وتضع علياً﵇ داخل الكعبة، وأن بعض الحيوانات يحصل لها ذلك.
ويظهر -كما قال غير واحد من المحققين- أن الروايات التي نقلها العلامة المجلسي في البحار واعتمد عليها الشيخ الكرباسي بالإضافة إلى أنها لا تصح سنداً حيث رويت من قبل بعض الغلاة كالحسين بن حمدان الخصيبي (الحضيني) وقد نصوا على ضعفه121، بالإضافة إلى تكذيب الواقع لها، فإنه لو كان كذلك في كل الأوصياء حيث ورد بهذا النص: نحن معاشر الأوصياء، لكنا أمام اثني عشر وصيًّا ولدوا بهذه الصورة ولنقل المؤرخون والمحدثون ومن يكتب في الفضائل بل في الغرائب مثل هذا الأمر على مدى أكثر من قرنين من الزمان، ولو كان لبان ولكننا لا نجد شيئا من ذلك، بل نجد في صفة ولادة بعض الأئمة هذا التعبير (فلما وقع من بطن أمه).122
4. في موضوع رضاعته﵇؛ فإن هناك روايات تشير إلى أنه لم يرتضع من أمه فاطمة﵍ وإنما ارتضع من اصبع رسول الله﵌ حتى لقد أثر واشتهر عن المرحوم السيد مهدي بحر العلوم123 أنه قال:
للّه مرتضع لم يرتضع أبداً
من ثدي أنثى ومن طاها مراضعه
يعطيه إبهامه آنا وآونة
لسانه فاستوت منه طبايعه
سٍرٌّ به خصه باريه إذ جمعت
وأودعت فيه عن أمر ودائعه
غرس سقاه رسول اللّه من يده
وطاب من بعد طيب الأصل فارعه124
والقائلون بهذا اعتمدوا كما يظهر على ما ورد في الكافي125 من مرسلة126محمد بن عمرو الزيات عن الصادق﵇: لم يرتضع الحسين﵇ من فاطمة﵍ ولا من أنثى، كان يؤتى به النبيّ﵌ فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاث، فنبت لحم الحسين﵇ من لحم رسول اللّه﵌، ودمه.
وفي رواية أخرى (مرسلة) عن أبي الحسن الرضا﵇ أن النبيّ﵌ كان يؤتى به الحسين﵇ فيلقمه لسانه، فيمصّه، ويظهر من بعض ما نقل أن ذلك كان بسبب مرض ألمّ بالسيدة الزهراء﵍.
وبالرغم من أن الأمور الغيببة والكرامات الإلهية في حق أهل البيت﵈ ليست غريبة ولا مستنكرة إلا أننا نحتمل أن قضية ارضاع النبي الحسين﵉ من اصبعه أو لسانه كانت استثناء وليست أصلاً، كما أن نفي ارتضاعه بالكلية من فاطمة يصعب قبوله، وإنما على فرض حصول ذلك فإنه قد كان لفترة محدودة ويؤيده ما مر من أن فاطمة قد مرضت فلم تستطع إرضاع الحسين﵇. واحتمل بعضهم أن يكون ذلك في شهر رمضان لكونها﵍ تصوم من جهة، ومن جهة أخرى كان الحسن المجتبى لا يزال رضيعاً في حجرها (خصوصاً على القول بأن بينهما مدة ستة أشهر فقط) ولكونها في الثانية عشر من العمر كما هو المعروف.
كما يحتمل أن يكون ذلك في أول أمر الحسين﵇ وقبل بدء الرضاع، وأنه كان بناء على وصية النبي﵌ فاطمة ألا ترضعه حتى يأتي النبي، وبالفعل هكذا حصل فوضع لسانه في فمه، كما ورد في بعض الروايات، لكن هذا الاحتمال يعارضه ما ورد في روايات أخر من أنه كان يأتي كل يوم، ونفي بعضها الآخر أنه لم يرتضع من أنثى.
وأما عدم قبول النفي الكلي لارتضاعه من أمه﵉، فلجهات:
أولها: أن ما يثبت ذلك من النصوص ليس تامًّا فمصدره الأساس روايتا الكافي وقد عرفت حالهما من عدم الاعتبار.
وثانيها: أن النبي﵌ كان يغيب في هذه الفترة عن المدينة بالكامل تبعا لما تتطلبه ظروف الغزوات والقتال، ويكون على مسافات بعيدة منها، فكيف يكون (لم يرتضع أبدا من ثدي أنثى! ومن طه مراضعه)؟ وهب أنه يكفيه من الارتضاع من إصبع النبي أو لسانه اليومين والثلاثة، فماذا عن الفترات التي يغيب فيها النبي فترة قد تمتد إلى شهر من الزمان؟
وعلى سبيل المثال فإن أول غزوة كانت بعد ميلاد الإمام الحسين﵇ هي غزوة بدر الآخرة، (وهي غير بدر الكبرى) فقد قيل إنها وقعت في شعبان وقيل في ذي القعدة من السنة الرابعة للهجرة، حيث خرج النبي﵌ على رأس قوة من المسلمين إلى بدر، وبدر تبعد عن المدينة بحوالي 120 كيلومتراً أي أنها تحتاج في الحد الأدنى إلى أربعة أيام للوصول إليها (مع ملاحظة أنهم كانوا يسيرون على الأقدام) ومثلها في الرجوع فهذه ثمانية أيام سوى أيام الاستراحة والانتظار لقريش -التي جبنت ولم تأت بحسب ما كان الاتفاق عليه- كما أنه﵌ قاد الجيش لغزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول سنة 5هـ (أي أن الحسين﵇ كان له حينها ثمانية أشهر)، ودومة الجندل تقع على بعد 600 كيلو متر أي تحتاج في الذهاب لحوالي اسبوعين ومثلها للعودة، أي سيكون النبي بعيداً عن المدينة في الحد الأدنى حدود شهر من الزمان، وكذلك باقي الغزوات التي حصلت في فترة السنتين الأوليين من حياة الإمام الحسين﵇.
ثم إنني قد وجدت في حاشية كامل الزيارات لابن قولويه تعليقاً على الخبر المذكور عن الكافي، ما يلي: «الخبر خبر واحد مجهول، وكان فيه وهم، والظّاهر أنّ الأصل: (لكنه يؤتى به النَّبيّ﵌ فيضع يده في فمه فإذا مسّ إصبعه يظهر له أنّه جائع فأمر بإرضاعه، وبهذا الوجه نبت لحم الحسين -يعني بمراقبة النّبيّ﵌-)، وراوي الخبر غير معلوم، ولعلّ الزَّيّات لترديده في صحَّة اللّفظ لم يسمّ الرّاوي». ولم أتعرف على كاتب الحاشية فالنسخة الالكترونية الموجودة لدي لا يظهر عليه أسم المحشي، وعلى أي حال فالتوجيه وإن كان مناسبا للإقناع إلا أنه على خلاف ظاهر الخبر نفسه وخلاف صريح أخبار أخر، وخلاف التعليل الموجود فيها من أنه لذلك نبت لحم الحسين ودمه من لحم رسول الله!
وقد أفاد الشيخ الري شهري، بعدما نظر في الأحاديث وقسمها إلى أقسام من جهة مضمونها، فقال: «وبإمعان النظر في هذه الأحاديث نلاحظ إمكانيّة الجمع بينها، وذلك بأن نقول: إنّ النبيّ﵌ كان يغذّي سبطه وقرّة عينه بإصبعه تارة وبلسانه أخرى بسبب جفاف ثدي ابنته فاطمة عليها السّلام. مضافاً إلى ذلك فإنّه﵌ كان يلقم أبناءه لسانه ليرتووا منه، وذلك عند حدوث الجفاف العام وقلّة المياه، وصدور أمثال هذه الكرامات والمعجزات ليس بعيداً عن النبيّ﵌ من الناحية الثبوتيّة، وإن كان بحاجة إلى دليل قاطع في الجانب الإثباتي127.
5. إنه مع ولادة الإمام الحسين﵇ كما تقدم في السنة الرابعة للهجرة، فيكون قد عاصر جده المصطفى﵌ ست سنوات وأياماً، وفي خلال هذه الفترة أحاطه النبي -وأخاه- بأشكال كثيرة من العناية والاهتمام والاشارة إليه، والحديث في فضله وأخيه ومناقبهما طويل، حتى لقد ورد من طريق مدرسة الخلفاء أن النبي قال في شأنهما عشرات الأحاديث، ويرتفع هذا العدد من طريق الإمامية ليتضاعف بشكل واضح.
وسواء كان هذا أو ذاك فإنه ملفت للنظر، إذ كيف يتحدث النبي عن (طفل) بعمر سنتين أو ثلاث بكل تلك الأحاديث ويصفه بتلك الأوصاف؟ إن المقصود الأكبر من هذه الأوصاف والأحاديث هو تعيين خارطة طريق للأمة من بعد رسول الله﵌، وإلا فلا يوجد معنى مهم من تلك الأحاديث في زمانها الذي قيلت فيه، إذ مع وجود رسول الله﵌ فكل الروافد تنتهي إليه، ولكن حيث ستتفرق السبل بعده احتاج الناس إلى أدلة وعلامات ونجوم يهتدى بها، فكانت هذه الروايات والأحاديث بمثابة من يخبر الناس عن الطريق المستقيم والواضح، فالحسين: (إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة خاتمهم قائمهم) وإذا كان أحد يبحث عن طريق الجنة فـ (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).128
فالنبي﵌ بحسب ظاهر الأمر يمدح ابنيه الحسنين﵉، بينما هو في الواقع كان يخاطب المستقبل، ويعين أئمة المستقبل وقادة الدين إذا توزعت الناسَ الآراءُ والاتجاهات، يعني: أيها الناس، إذا أدركتم الحسين وقد نهض بالإمامة، فهذا إمام، وأخوه قبله إمام. فيكون نص بهذا على الإمام الحسين، وهو أبو أئمة، فيكون أيضاً نص على الأئمة من ولد الإمام الحسين﵇، وبالتالي فقد لا يكون هناك عمل فعليٌّ مطلوب من الناس أيام النبي، وإنما هو في صدد تعيين الإمامة للإمام الحسين﵇ وتمهيدها للمستقبل، أن: أيها الناس، هذا إمام، إن قام بالإمامة إمام، وإن قعد فهو إمام منصوص عليه.
وقد ذكرنا في موضع آخر أن أحاديث المناقب والفضائل ليس الغرض منها توزيع أوسمة وشهادات مدح في هذه الدنيا ليتفاخر بها من يملكها على غيره! وإنما الغرض الأقصى منها غرض معرفي وديني عقدي، فهي من جهة تبين المراتب الخفية عن الناس وتكشف عن (أولياء الله) الخفيين بين عباده، ومن جهة أخرى فهي تلزم الناس باتباع هؤلاء إما باعتبارهم هم الأدلاء على الله من الأوصياء والناطقون عن أحكامه ووحيه، أو في مرتبة دون ذلك فهي تمدح أشخاصا لاتباعهم أولئك وطاعتهم لهم. فإذا كانت هناك فئات مختلفة فعمار تقتله الفئة الباغية، ويعني ذلك أن الفئة التي يكون فيها هي الهادية!129
6. لفتات تربوية في تعامل النبي مع الحسين﵉: بالإضافة إلى ما سبق ذكره من إخبار النبي﵌ عن مقامات وشؤون ومراتب الإمام الحسين﵇ وما سيحدث ويجري عليه، فإن النبي أحاط ابنه الحسين﵇ برعاية دقيقة وعناية خاصة تشير من جهة إلى عمق المحبة منه له، وتعلم المسلمين بصورة عملية دروسا في تربية الأبناء، وأن مهمة الآباء لا تقتصر على إيداع نطفته في رحم أمه، وإنما تبدأ تفاصيل التربية من يوم ولادته إلى أن يستقل بنفسه صالحا نافعا لنفسه ولمجتمعه، فها هم المؤرخون يذكرون أن النبي﵌ كان قد علم حفيده الحسين النطق، وكان يحرص على مجيئه وأخيه إلى المسجد في ذلك العمر المبكر، خلافاً لما عليه الناس في زماننا حيث أن بعضهم يمنعون مجيء الأولاد حتى من أبناء التسع سنين وما دونها وما فوقها! مع أنها البيئة الطبيعية الصالحة التي ينبغي أن يتعود عليها الطفل وأن يأنس بها.
وفي الروايات أنه: ما كان يكبر النبي﵌ في العيدين إلا تكبيرة واحدة، حتى أبطأ عليه لسان الحسين﵇، فلما كان ذات يوم عيد ألبسته أمه﵍ وأرسلته مع جده، فكبر رسول الله﵌، فكبّر الحسين﵇ حين كبّر النبي﵌ سبعًا، ثم قام في الثانية فكبر النبي﵌، وكبر الحسين﵇ حين كبّر خمسًا، فجعلها رسول الله﵌ سنّةً، وثبتت السنة إلى اليوم.130
ونقل عن الإمام الحسين﵇ جانب مما أخذه عن جده المصطفى﵌؛ فقد قيل للحسين﵇: ما سمعت من رسول الله﵌؟ قال﵇: سمعته﵌ يقول: إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها، وعقلت عنه أنه يكبر فأكبر خلفه، فإذا سمع تكبيري أعاد التكبير حتى يكبر سبعا، وعلمني ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وعلمني الصلوات الخمس، سمعته﵌ يقول: من يطع الله يرفعه، ومن يخلص نيته لله يزينه، ومن يثق بما عند الله يغنه، ومن يتعزز على الله يذله131.
وفي هذا تعليم لمن شاء أن يتعلم، فإن أول نطقه﵇ بتعليم جده النبي﵌ هو التكبير، بعد الاشتراك في صلاة العيد، وتعليمه سورة التوحيد، وتعليمه الصلوات الخمس إضافة إلى تعاليم أساسية في الحياة توجه إلى الاعتناء بمعالي الأمور وتجنب سفاسفها.
7. توفي رسول الله﵌ في السنة الحادية عشر132 والحسين يخطو في السابعة، وهنا سنلاحظ أن موقف الإمام الحسين﵇ من الحدث الذي وقع، والخلافة التي تلت رسول الله﵌، كان سلبياً بشكل واضح، فهو وإن كان في عمر مبكر لكنه يدرك حجم الظلم الذي وقع على والده، ثم والدته﵉، وهو يتابع كلمات النبي في فضل أبيه على من عداه. ولذلك فما يحاول بعض مؤرخي مدرسة الخلفاء من تصويره من أن الحسنين﵉ كانا راضيين عما قامت به جماعة الخلفاء لا يصح بحال من الأحوال، بل هو مخالف للروايات التاريخية، بل ومخالف للمنطق الطبيعي للإنسان!
ولا سيما بعد أن أخذت الأحداث اتجاها هجوميا، وتعرض بيت الزهراء﵍ لانتهاك حرمته، وأسقطت الزهراء جنينها واخرج أمير المؤمنين﵇ بالقوة للبيعة، فإن كل هذه الأحداث -بأي حجم كانت- ستشكل منشأ لموقف معارض منه لهم، حتى لو كان الأمر عاطفياً فضلاً عن الموقف المبدئي.
بل يلحظ أن الإمام الحسين﵇ قد تجاوز حدود الموقف النفسي والعاطفي إلى الاحتجاج العلني الواضح، وهذا ما دونته بعض مصادر مدرسة الخلفاء فضلا عن الامامية، فقد نقل العسقلاني، عن عبيد بن حنين قال: حدثني الحسين بن علي قال: أتيت عمر وهو يخطب على المنبر فصعدت إليه فقلت: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، فقال عمر: لم يكن لأبي منبر وأخذني فأجلسني معه أقلب حصى بيدي فلما نزل انطلق بي إلى منزله فقال لي: من علّمك؟ قلت: والله ما علمني أحد!
ونحن نلحظ هنا أن الحدث -إذا كان قد وقع- فينبغي أن يكون عمر الإمام الحسين﵇ عشر سنوات، ويفترض أنه قد تم استقرار خلافة الخليفة الأول والثاني، ومع ذلك سجل الحسين هذا الموقف، وقد تعجب الخليفة من ذلك وأراد أن يعرف هل كان الحسين مدفوعاً من أحد وملقناً من شخص كأبيه مثلا؟ فسأله: من علّمك؟ -يعني أن تقول هذا الكلام- فقال له: ما علمني أحد!
صحيح أن الموقف العام الذي التزم به أمير المؤمنين علي﵇ وهو «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي -ووَاللَّه لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ- ولَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً -الْتِمَاساً لأَجْرِ ذَلِكَ وفَضْلِه- وزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوه مِنْ زُخْرُفِه وزِبْرِجِه»133 كان ملزما لأتباعه وبالطبع لأبنائه في أول الناس، وأنه كان لا يريد المعارضة الصريحة التي تنتهي إلى صراع عسكري أو سياسي فتقسم المجتمع المسلم، ولكن هذ لا يمنع أن يوضح هو -أو شيعته وأبناؤه- ظلامة الإمام والاسلام. متى ما كانت الفرصة مناسبة، وقد بينا عند تحليل شخصية عبد الله بن عباس134 ابن عم الإمام هذا الجانب. ولقد كان يلحظ الإمام الحسين﵇ احتياج الخلافة ممثلة في شخصها الأول، إلى علم أبيه ومعرفته بأحكام الدين، ولولا إشارات الإمام علي﵇ وارشاداته، وحله القضايا التي عجزوا عن معرفة الصواب فيها لهلكوا. وكان هذا تطبيقا عمليا لنبل الإمام ورساليته ودرسا منه في الزهد فيما تنافسوا فيه، فإن من انتصارات المعارض أن يتخبط منافسه الحاكم في التخطيط والإفتاء وأن تضيع الحقوق على يده، إذ بإمكانه حينها أن يشير إلى الناس بانتهاكات وأخطاء الحاكم، وهذه سيرة المعارضة بين أيدينا فإنهم يفرحون بكثرة الأخطاء ويتغذون على المشاكل ويسقطون بها منافسيهم، لكن هذا الإمام النبيل الذي يرى (تراثه نهبًا) إذا وجد خللا سده، أو رأى خطأ أصلحه أو عثاراً أزاله حتى لقد أنطقهم مراراً بما بقي في سمع الدهر أن «لَوْلَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَر».135
5. هل شارك الإمام الحسين﵇ في فتوحات الخلفاء؟
كأن أول من أشار إلى ذلك هو محمد بن جرير الطبري في تاريخه، فإنه ذكر ما نصه: «حدثني عمر بن شبة قال حدثني علي بن محمد عن علي بن مجاهد136 عن حبش بن مالك قال غزا سعيد بن العاص137من الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان ومعه حذيفة ابن اليمان وناس من أصحاب رسول﵌ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير138، وتبعه في ذلك من جاء بعده من مؤرخي مدرسة الخلفاء.
وبالرغم من أننا لا نرى مشكلة في ذلك لو ثبت حصول ذلك تاريخيًا، فإن ما يقال من المنع لأجل أن الوالي على الجيش والقائد هو مثل سعيد بن العاص فكيف يكون الحسنان تحت إمرته؟ وأن الفتوحات تلك لم تكن على المنهاج القويم في أصل بدايتها وغايتها أو في أساليبها كما أشار إليه بعض المحققين139فإنه يمكن الإجابة عن الأول بأنه لو فرض حصوله وإذن أمير المؤمنين عليّ وهو الإمام الشرعي في ذلك فلا ضير فيه ويكون بإجازته ومن تقديم الأهم - لو فرض - على المهم. ويجاب على الثاني: لو فرض حصوله بأن وجود أمثالهم يكون الغرض منه تصويب الاتجاه والغزو قدر الإمكان وبما يستطاع وهو ما فسر به مشاركة بعض أصحاب أمير المؤمنين﵇ في الفتوحات تلك ممن لا يتصور أنهم ينبعثون عن غير أمره وهم ليسوا بالقليل، وأنه لو كان الخيار بين الفساد الأكبر أو تخفيف ذلك الفساد بمقدار ما يستطاع لتم اختيار الثاني، مع أن الفتوحات لم تكن شرًّا مطلقًا وإنما كان فيها إيصال صوت الإسلام إلى سائر الشعوب وإن تخللها غايات مادية وشابها أخطاء وتجاوزات.
فنحن لا نرى مشكلة في ذلك لو فرضنا حصوله، إلا أن المشكلة كل المشكلة هي أنه لا يوجد ما يثبته بل القرائن تعارض مثل هذا الأمر، فمن ذلك:
أولا: الاختلاف الذي أشار إليه ابن الأثير في الكامل في قضية فتح طبرستان وأن فتحها هل تم في سنة 18هـ زمان عمر بن الخطاب؟ وقيل في سنة 30هـ زمان عثمان بن عفان، فإذا كان الأول فلا معنى للفتح الثاني.
وكذلك فإن الخبر يثبت أن الغزو لطبرستان كان من الكوفة، ومن المعلوم أن الإمام الحسين﵇ كان في المدينة في سنة 30 للهجرة، وأنه لم يأت إلى الكوفة إلا مع أبيه﵉ بعد الرجوع من حرب الجمل سنة 36هـ، وقبل ذلك لا يذكر أن الحسين جاء إلى الكوفة أصلاً.
ثانيا: أن العلاقة بين البيت العلوي الهاشمي وأتباع الإمام﵇ وبين الخليفة عثمان بن عفان في هذه السنة كانت سلبية للغاية بل صدامية، فإنه فيها شهد أهل الكوفة على الوليد بن عقبة أخي الخليفة عثمان من أمه أنه شرب الخمر ورفعوا أمره إلى الخليفة ولما لم يشأ الخليفة إقامة الحد عليه مع قيام الشهود عليه بذلك جلده أمير المؤمنين﵇ 140 بنفسه أو بأحد أهل بيته، على كراهة من عثمان في ذلك141.
وفي هذه السنة أيضاً تم نفي أبي ذر الغفاري إلى الربذة من قبل الخليفة عثمان، وخرج الإمام علي والحسنان وبعض شيعتهم لتشييع142 أبي ذر على رغم المنع الرسمي.
إن هذه الأجواء العالية الحدة من العلاقة بين الخلافة الرسمية وبين أمير المؤمنين ﵇ لا تسمح بأن يرسل الإمام أمير المؤمنين﵇ ابنيه الحسنين وهو الذي يقول في مثل حرب الجمل (املكوا عني هذين الغلامين لا يهدّنّي فإني أنفس بهما أن ينقطع نسل رسول الله) وهي حرب صافية الغاية والوسيلة، تحت راية إمام معصوم، ومع ذلك يخاف أن يقتلا فينقطع نسل النبي، أتراه يسمح لهما بأن يذهبا تحت راية سعيد بن العاص وهو ممن نعتوا بأنهم (إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولا وعباده خولا..) وفي ظل تلك الظروف التي بدأ فيها الخليفة يتواجه صراحة مع الإمام﵇؟!
وها هو الخليفة عثمان يشكو عبد الله بن عباس عند أبيه العباس بن عبد المطلب بأنه يمالئ معارضيه143 بل يؤلب الناس عليه، فكيف والحال هذه يذهب في فتوحاته وتحت إمرة قواده؟! حيث أن الخبر ذكر أن من جملة من كان في فتح طبرستان هو عبد الله بن عباس.
ثالثا: أن بعض من هم في سلسلة سنده قد وصفوا بالكذب والوضع والاختلاق، كما مر في الهامش، وأيضا فإننا لا نجد هذا الخبر في أي مصدر قبله، مع أن هناك دوافع كثيرة لنقله لو كان، فإن من المهم عند أتباع مدرسة الخلفاء أن يظهروا حالة الانسجام والتوافق بين الإمام علي والخلفاء لبيان مشروعية خلافتهم، والاجماع الاسلامي عليها، وأفضل شاهد يمكن أن يجدوه هو مشاركة الحسنين في فتوحات الخلفاء، ومع ذلك لم يوجد هذا الخبر في مصدر غير الطبري (المتوفى سنة 310 هـ)، وكذلك لا نجده في أي كتاب من كتب السيرة والحديث التي تعرضت لحياة الإمامين الحسنين لا في كتب مدرسة الخلفاء ولا في مصادر الامامية، ومن المعلوم أن مصادر الامامية تتتبع كل شاردة وواردة عن حياتهما، فكيف يكون حدث بهذه الأهمية ولا يذكر ولو بسطر واحد في أي كتاب حديثي أو كتاب سيرة وتاريخ؟!
وأغرب من ذلك ما ذكره عبد الرحمن بن خلدون -وليست غرائبه قليلة- من قوله أن عثمان بن عفان لما أراد فتح افريقية ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة على الجيش الذاهب في سنة 25 هـ، «ثم إن عبد الله بن أبي سرح استأذن عثمان في ذلك واستمده فاستشار عثمان الصحابة فأشاروا به فجهز العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير وساروا مع عبد الله بن أبي سرح...»144 وكأن الحسن والحسين﵉ لا هم لهما ولا عمل إلا أن ينتظرا أي قائد يعينه الخليفة عثمان ليغزو شرق الأرض أو غربها حتى يسارعا للانضواء تحت لوائه.
ولم يذكر ابن خلدون (توفي 808 هـ) وهو صاحب المقدمة التي (همهم ودمدم ونعى على المؤرخين في كتابة ما لا أصل له ولا شاهد عليه ولا عقل يقبله) لم يذكر مصدره في ذلك، حيث لا مصدر لقوله، بل إن من سبقه كابن الأثير الجزري صاحب الكامل في التاريخ (توفي 630 هـ) نقل خبر تعيين عثمان لسعد بن أبي سرح من دون أن يذكر أنه اصطحب معه الحسنين، ولا المسعودي (توفي 346 هـ) في مروج الذهب، ولا الطبري (توفي 310 هـ) في تاريخه ذكر ذلك، حيث اكتفى بالقول « وندب عثمان الناس إلى إفريقية فخرج إليها عشرة آلاف من قريش والأنصار والمهاجرين»145 بالرغم من أنه ذكر ما سبق عن طبرستان وقد رأيت الحال فيه! فإما أن يكون قد وهِم ابن خلدون في الأمر فنقل ما قاله الطبري في غزو طبرستان وجعله في أفريقية، (مع أنه ذكره في الموضعين) فهذا قلة تدقيق يحاسب عليه من كان مثله، وإما أن يكون قد تعمد إضافة ذلك من نفسه وهذا اشدّ وأنكى.
6.الإمام الحسين في عهد أبيه أمير المؤمنين:
مع صيرورة الخلافة لأمير المؤمنين﵇، شارك في حروب أبيه مشاركة فعالة، ذلك أنه الآن في سنة 35 هـ يكون من أبناء (31) من العمر وهي فترة قوة الشباب، وعز الجلادة، فكانت أول مواقعه مع أبيه حرب الجمل بعدما نكث الناكثون بيعته وخرجوا عليه يريدون الغدرة في البصرة، فكان أن خرج مع أبيه من المدينة النبوية باتجاه البصرة ليقاتلوا الناكثين الذين تجمعوا فيها وعزلوا والي الإمام عثمان بن حنيف الأنصاري ومثلوا به بنتف لحيته.
فانبعث أمير المؤمنين﵇ وقد أعد للحرب عدتها، ليقمع نائرة الناكثين، وها هو قد وصل إلى البصرة يعرض عسكره في المعركة كما ذكر أحد الرواة وفيه إشارة لموضع الحسنين﵉: «.. ثم مر بنا موكب تاسع، فيه خلق عظيم، مكملين بالسلاح والحديد، مختلفي التيجان والرايات، تقدمهم راية كبيرة عظيمة، في أولهم فارس، كأنما قد كُسر وجُبر (تعبير عن الإطراق في الأرض والجسارة على القتال)، كأن على رؤوسهم الطير، فعن يمينه شاب حسن الوجه، وعن شماله مثله، وبين يديه شاب ليس هو ببعيد منهما. فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: أما الأوسط فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب﵇، وأما الشاب الذي على يمنيه ابنه الحسن﵇، والذي عن شماله ابنه الحسين﵇، وأما الذي بين يديه حامل الراية فابنه محمد بن الحنفية، فساروا حتى نزلوا بالزاوية، فصلى أمير المؤمنين﵇ أربع ركعات، ثم عفر خديه على التراب وخالطهما بدموعه..».146
وكان متقدماً في المعركة مبادراً إلى القتال حتى أن أمير المؤمنين﵇ وقد رأى شدة اندفاعه وأخيه الحسن المجتبى﵉، كان يقول: «أَيُّهَا النَّاس امْلِكُوا عَنِّي هَذَيْنِ الغُلَامَينِ فَإِنِّي أَنْفَسُ بِهِم عَنِ المَوْتِ لِكَيلَا يَنْقَطِعَ نَسْلُ رَسُولِ اللهِ».
وعندما قامت القاسطة الظالمة147 من أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان واستعدت للقتال في صفين، واجتمع إلى امير المؤمنين﵇ أنصاره وكان أكثرهم قد نهضوا من الكوفة، فقام فيهم الحسين بن علي﵉ خطيباً، « فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء، والشعار دون الدثار، جدوا في إحياء ما دثر بينكم، وإسهال ما توعر عليكم، وألفة ما ذاع منكم. ألا إن الحرب شرها ذريع، وطعمها فظيع، وهي جرع متحساة، فمن أخذ لها أهبتها، واستعد لها عدتها، ولم يألم كلومها عند حلولها، فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها، فذاك قمن ألا ينفع قومه، وأن يهلك نفس، نسأل الله بعونه أن يدعمكم بألفته».148
ويشير المنقري إلى أن الحسين﵇ كان ملاصقاً لأبيه، يحمي جانبه، -وإن كان بأمير المؤمنين يحتمي الجيش-، فهذا أحدهم ينقل صورة عن مشهد من مشاهد صفين، فيقول «مر عليٌّ يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة ومعه ربيعة وحدها وإني لأرى النبل بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه، فيكره على ذلك، فيتقدم عليه فيحول بينه وبين أهل الشام، ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه، أو من ورائه. فبصر به أحمر -مولى أبي سفيان، أو عثمان، أو بعض بني أمية- فقال: عليٌّ ورب الكعبة! قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى عليٍّ، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بني أمية وخالط عليًّا ليضربه بالسيف، فانتهزه علي فتقع يده في جيب درعه فجذبه ثم حمله على عاتقه، فكأني أنظر إلى رجليه تختلفان على عنق عليّ، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضده، وشد ابنا علي عليه: الحسين ومحمد، فضرباه بأسيافهما حتى برد، فكأني أنظر إلى علي قائما وشبلاه يضربان الرجل»149.
إن الحسين﵇، وأخاه الحسن كأبيهم أمير المؤمنين تشهد لهم مقدم ساحات المعارك، وليسوا كسلاطين الدنيا وحكام الولايات يدفعون الناس إلى الموت لتحقيق أحلامهم بينما يكونون هم وأبناؤهم مستريحين في دورهم منتظرين غنائم المعارك.
الهوامش
- 115. منها صوم عاشوراء للشيخ جعفر السبحاني، ومنها صوم عاشوراء بين السنة النبوية والبدعة الأموية للشيخ نجم الدين الطبسي.
- 116. مصنف عبد الرزاق الصنعاني ٦/١١٢.
- 117. متهوكون يعني متحيرون وسائرون على غير هدى.
- 118. حنبل، أحمد: مسند أحمد ٢٣/٣٤٩ .
- 119. السبحاني؛ جعفر: صوم يوم عاشوراء من ص 32 إلى 39.
- 120. عقبة بن سمعان: مولى الرباب بنت امرئ القيس، خرج مع الإمام الحسين﵇ من المدينة في خدمته، وشهد تفاصيل الحادثة وروى كلمات وخطب الحسين﵇، وحفظ الحوارات بينه وبين اعدائه ويعتبر من أهم من اعتمدهم أصحاب الأخبار في النقل -من الفريقين- لحضوره القريب واللصيق بالحسين ووثاقته. ولذلك صارت كلماته مرجعا حاكما على سائر الكلمات. استشهد بين يدي الحسين﵇ وورد التسليم عليه في الزيارة المنسوبة للإمام الحجة. وقيل كما في أنساب الأشراف، إنه لما استشهد الإمام﵇ أخذ وجيء به إلى عمر بن سعد فسأله من أنت؟ قال: أنا مملوك.. فخلى سبيله فلم يقتل! ونحتمل صحة هذا الثاني تبعا لاعتماد كثير من المؤرخين ومنهم الطبري في سلسلة أسانيده عليه. ويقتضي هذا أن يكون باقيا لفترة من الزمان بعد عاشوراء لكي يمكن الرواية عنه.
- 121. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري ٤/٣١٣.
- 122. الجزري، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤/٥٥: «كتب عمر بن سعد إلى عبيد اللَّه بن زياد: أمّا بعد فإنّ اللَّه أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الّذي أقبل منه أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، وفي هذا لكم رضى وللأمّة صلاح..».
- 123. المحققون: نجم الدين الطبسي، محمد جواد الطبسي، محمد جعفر الطبسي، وعزت الله مولائي ومحمد أمين الأميني وعلي الشاوي.
- 124. مجمع الأمثال، ج ٢، الميداني، ص ٨٤: كلّ الصيّد في جوف الفرا قال ابن السكيت الفرا الحمار الوحشي وجمعه فراء قالوا وأصل المثل ان ثلاثة نفر خرجوا متصيدين فاصطاد أحدهم أرنبا والآخر ظبيا والثالث حمارا فاستبشر صاحب الأرنب وصاحب الظبي بما نالا وتطاولا عليه فقال الثالث كل الصيد في جوف الفرا أي هذا الذي رزقت وظفرت به يشتمل على ما عندكما وذلك أنه ليس مما يصيده الناس أعظم من الحمار الوحشي.
- 125. عندما نثني ونقدر هذه الجهود له ولمن سبق ذكرهم، فإنما نمدح ونكبر نفس الجهد والسعي والتعب الذي بذل في هذا السبيل لكن ذلك لا يعني الاتفاق مع كل أولئك في جميع النتائج التي توصلوا إليها، فقد نوافق في بعضها ونخالف في البعض الآخر، كما يتوافق بعضهم مع بعض في قسم من النتائج ويتخالفون في قسم آخر.
- 126. المجلسي، بحار الأنوار بينما ذكر الكرباسي في دائرة المعارف، السيرة الحسينية 1/157 أنه كان في ليلة الجمعة الخامس من شهر شعبان. وكذلك العاملي في سيرة الحسين1/121 كقول ثان.
- 127. حددها الكرباسي في السيرة الحسينية 1/157 بستة أشهر إلا عشرة أيام أي 166 يوما كما قال. ولا أعلم كيف سيعالج الشيخ الكرباسي رواية العرزمي عن الصادق والتي هي صحيحة السند في الكافي١/٥١٢ وقد ذكر فيها أنه: كان بين الحسن والحسين﵉ طهر وكان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرا.
- 128. الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي ١/٥١٣: في رواية مرفوعة للإمام الصادق﵇:» ولم يولد لستة أشهر إلا عيسى بن مريم﵇ والحسين بن علي﵉ “.
- 129. نقلها الشيخ الصدوق في كمال الدين 461 لكنها غير معتبرة من حيث السند وفي مضمونها مشكلات.
- 130. الصحيح من سيرة النبي الأعظم﵌، ج ٨، السيد جعفر مرتضى العاملي، ص ٥٢: قال في رده على رواية ساقها أبو نعيم: هذه الرواية وهم من جهتين؛ في القتل، والمولد. فأما مولد الحسين؛ فإنه كان بينه وبين أخيه الحسن طهر. وولد الحسن للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.
- 131. الطبرسي: مجمع البيان 6/417 قيل: ستة أشهر. وقيل: ثمانية أشهر. وكان ذلك آية، وذلك أنه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غيره. وفي موضع آخر قال: واختلفوا في مدة حملها، فقيل: ساعة واحدة. قال ابن عباس: لم يكن بين الإنتباذ والحمل إلا ساعة واحدة، لأنه تعالى لم يذكر بينهما فصلا، لأنه قال * (فحملته فانتبذت به) * (فأجاءها) *، والفاء للتعقيب. وقيل: حملت به في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زاغت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين، عن مقاتل. وقيل: كانت مدة حملها تسع ساعات وهذا مروي عن أبي عبد الله﵇.
- 132. قال فيه العلامة الحلي في خلاصة الأقوال 339: كان فاسد المذهب كذّاباً، صاحب مقالة ملعونة، لا يلتفت إليه.
- 133. العاملي؛ جعفر مرتضى: الصحيح من سيرة الإمام علي 1/72 في تعليقه على الرواية قال: وهذه الرواية لا يصح الاعتماد عليها، بل يكذبها الواقع العملي لأمهات المعصومين﵈ ، لأنهن -كما نقرأ في كتب السيرة- كانت تبدو عليهن آثار الحمل في بطونهن، وكان يأتيهن الطلق، وكان يساعدهن في الولادة بعض النساء (قابلة أو غيرها) دون أن يلاحظن وجود هكذا أمور. على أن الروايات تضمنت أن نساءهم كن يتولين أمر نسائهم، ولم يكن يسمح لغيرهن بالدخول في هذا الأمر، مبالغة في الستر وحفظاً لمعنى الكرامة والقداسة.. وقد ذكر السيد مهدي الجابري، هذه الشبهة ورد عليها في: شبهات وردود: رقم 27 موقع العتبة الحسينية بالقول: ومنها: ما روي عن الإمام الصادق﵇ أنه قال في بيان كيفية ولادة الإمام: «وإذا وقع من بطن أمه إلى الأرض وقع وهو واضع يده إلى الأرض.. ومنها: ما روي عن أبي بصير عن أبي عبد الله﵇ في حديثِ ولادة الكاظم﵇، يقول فيه: «إنَّ الإمام إذا وقع مِنْ بطن أمه وقع واضعاً يديه على الأرض»وأنت كما ترى فالإمام﵇ وبصريح العبارة ينص على أن الولادة إنما كانت من البطن لا من الفخذ.
- 134. محمد مهدي بن السيد مرتضى الطباطبائي المعروف ببحر العلوم فقيه إمامي، ومرجع ديني يعد من أجل تلامذة الوحيد البهبهاني، وأستاذ عدد من أعلام الطائفة منهم الفاضل النراقي صاحب مستند الشيعة والسيد جواد العاملي صاحب الرياض والشيخ النجفي صاحب الجواهر وينقل عنه لقاؤه بالإمام الحجة عجل الله فرجه كما ذكره النوري صاحب المستدرك توفي سنة 1212 هـ. لمعرفة أدواره وأعماله يراجع كتابنا: من أعلام الإمامية.
- 135. أدب الطف أو شعراء الحسين﵇، ج ٦، جواد شبر، ص ٥٠.
- 136. الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ٥١٢ كذلك الصدوق /في علل الشرائع 1/206 بسند ضعيف أيضا.
- 137. محمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمر والزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله﵇.
- 138. الري شهري، محمد: موسوعة الإمام الحسين في الكتاب والسنة والتاريخ ١/١٧٧.
- 139. النيسابوري، الحاكم: المستدرك ٣/١٦٧: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة الا ابني الخالة (يعني عيسى ويحيى) قال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وانا أتعجب انهما لم يخرجاه.
- 140. من أعجب ما سمعت من بعض خطباء المدرسة الأخرى؛ أنه كان يبرر لجيش الشام فهمهم! الذي قاله عمرو بن العاص عندما قتل عمار بن ياسر على أيدي جيش الشام وتذكر الناس حديث النبي (تقتلك الفئة الباغية) قال: إنه يمكن أن يفهم بنحوين! أن جيش الشام قتله، وأيضا يفهم بنحو أن من دفعه إلى القتال وجاء به للمعركة هو الذي قتله! وما كنت أظن أن التزوير الذي ذكره عمرو بن العاص لكي يحفظ جيشه ينطلي على الناس في هذا العصر إلا عندما سمعته! فإن معنى هذا الكلام أن حديث النبي ﵌ لا قيمة له إذ يحتمل الشيء وضده! ولا يوجد طعن في النبي أكثر من هذا وهو أفصح من نطق بالضاد. على أنه يلزم من كلامه وكلام عمرو بن العاص أن يكون النبي هو الذي قتل عمه حمزة بن عبد المطلب في أحد لأنه هو الذي أخرجه وقتل أبطال المسلمين في بدر لأنه هو الذي أخرجهم، وأما الكفار فلم يقتلوا ولم يصنعوا شيئا!! نعوذ بالله من العصبية والتطرف.
- 141. علل الشرائع: ٣٣٢ ح ٢، من لا يحضره الفقيه ١: ٣٠٥ ح ٩١٨، وسائل الشيعة ٤: ٧٢٢ ح ٤. باختلاف يسير.
- 142. لجنة الحديث في معهد باقر العلوم﵇ موسوعة كلمات الإمام الحسين﵇ ٢٥.
- 143. إننا في سنوات التاريخ الهجري نجري على ما هو المعتمد رسميا والمعروف لكيلا تختلط الأمور على القارئ العزيز، وذلك أن بداية التقويم الهجري يفترض أنه يكون بدءا من شهر ربيع الأول حيث تحسب السنة الأولى منذ ذلك الوقت وهو وصول النبي﵌ إلى المدينة المنورة مهاجرا من مكة المكرمة، ولكن منذ أيام الخليفة الثاني تم تغيير ذلك واعتماد شهر محرم الحرام بداية للسنة الهجرية، وبالطبع سيختلف التقويم فبناء على التقويم الأصلي النبوي يكون وقت وفاة رسول الله في 28 صفر هو نهاية السنة العاشرة الهجرية، بينما هو على التقويم الرسمي الجديد سيكون بداية السنة الحادية عشر الهجرية. وهكذا.
- 144. نهج البلاغة، خطب الإمام علي﵇: تحقيق صبحي الصالح ص ١٠٢.
- 145. راجع كتابنا: من أعلام الأسرة النبوية.
- 146. الاستيعاب، ج ٣، ابن عبد البر، ص ٢٤١عن سعيد بن المسيّب، قال: كان عمر تعوّذ باللَّه من معضلة ليس لها أبو حسن. وقال في المجنونة التي أمر برجمها وفي التي وضعت لستة أشهر، فأراد عمر رجمها - فقال له على: إنّ الله تعالى يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.. الحديث. وقال له: إن الله رفع القلم عن المجنون.. الحديث، فكان عمر يقول: لولا عليّ لهلك عمر. وقد روى مثل هذه القصة لعثمان مع ابن عبّاس، وعن عليّ أخذها ابن عبّاس، والله أعلم.
- 147. ذكره غير واحد من أئمة الجرح والتعديل عندهم بالوضع والاختلاق كما في تاريخ بغداد 13/592.
- 148. والده قتله علي بن أبي طالب مشركًا في بدر ولاه عثمان الكوفة بعدما أقيم الحد على الوليد بن عقبة في الخمر وعزل عن ولاية الكوفة، وابنه عمرو بن سعيد بن العاص (الأشدق) صاحب المواقف الحادة والشامتة بأهل البيت﵈ بعد كربلاء. ذكر خبره المسعودي في مروج الذهب 2/337 فقال «فلما اتصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور منكرة، فاستبد بالأموال، وقال في بعض الأيام أو كتب به إلى عثمان: انما هذا السواد قطين لقريش، فقال له الأشتر، وهو مالك بن الحارث النخعي: أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومك؟ ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكبا من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص وسألوا عَزْله عنهم..»
- 149. الطبري، محمد بن جرير تاريخ الطبري ٣ /٣٢٣.