ماذا فعل الحسين﵇ في مكة؟
يلفت النظر الكلمات التي تمثل بها الإمام الحسين﵇ أثناء وبعد خروجه من المدينة في طريقه إلى مكة، فإنه حين عزم على الخروج من المدينة سمعه أحدهم وقد دخل مسجد النبي﵌، مودعا يقرأ أبيات يزيد بن مفرغ الحميري:
لا ذعرت السّوام في شفق الصّبح
مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى من المهانة ضيما
والمنايا يرصدنني أن أحيدا219
وكأن الحسين﵇ بذلك ينبئ عن المستقبل الذي ينتظره فهو، في صدد مهمة كبرى، وأنه سيصطدم بالمنايا ولن يحيد عنها، كما أنه كان يتمثل موقف موسى بن عمران النبي﵇ ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾220 فكانت (مدينُه) مكة المكرمة وسبيله السوي هو الشهادة في كربلاء. وكما قال النبي موسى (عسى ربي) قال الحسين﵉221، ولم يكن هذا من التشكيك أو الترديد في شيء وإنما لأن الأنبياء والأوصياء لا يحتمون على الله شيئاً فهو الذي ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾222.
وبعد أن قطع الإمام الحسين﵇ عدة كيلومترات خارجا من المدينة، كان لا بد له أن يحرم للعمرة من مسجد الشجرة (أبيار علي﵇) حيث هو ميقات أهل المدينة الذين يقصدون مكة معتمرين، وهذا ما حصل فأحرم للعمرة المفردة، وكانت في شهر رجب.
بعد وصول الإمام﵇ إلى مكة المكرمة وأدائه نسك العمرة المفردة نزل في بيت عمه العباس بن عبد المطلب، فإنه لم يكن للإمام﵇ بيت في مكة، ولا لأبيه أو جده بسبب أنهم من بعد هجرة النبي من مكة استقروا في المدينة، وأن ما كان لهم من أملاك قد تم بيعها، لخوف من بقي من الهاشميين عليها223من المصادرة والاستيلاء من جهة قريش كما كانت طريقتهم في السيطرة على بيوت من أسلم وخرج مهاجرا إلى المدينة.
أربعة أشهر وأيام (125 يوما)224 هي الفترة التي قضاها الإمام في مكة المكرمة. وكان من الطبيعي أن يكون الإمام﵇ محل احتفاء من الموجودين في مكة سواء كانوا من المعتمرين الوافدين إلى مكة من أقطار الإسلام أو من أهل مكة أنفسهم، بغض النظر عن كونهم ينتمون إلى أهل البيت﵈ اعتقادا وولاء، أو لا. وهذا ما نجده في كل مكان يفد إليه رجل مشهور ومعروف.
في هذه الفترة، أرسل الإمام الحسين﵇ رسائل إلى البصرة والكوفة، يحثهم فيها النهضة في وجه الظلم الأموي، فقد أرسل خمس رسائل بمحتوى واحد إلى رؤساء الأخماس (أحياء البصرة وقبائلها) كان فيه: «أما بعد فان الله اصطفى محمداً﵌ على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به﵌ وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه﵌ فان السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت وأن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله».225
في موقف أهل البصرة من النهضة الحسينية
نجد إشارات مختلفة فيما يرتبط بموقف البصريين من النهضة الحسينية، فمن جهة لا ينقل المؤرخون أن أهل البصرة قد امتنعوا من بيعة يزيد بن معاوية بعد موت أبيه، كما لم يذكروا أن أحداً من أهلها بادر إلى مراسلة الإمام الحسين﵇ قبل وصول رسائله لرؤسائهم، وربما يعزو البعض هذا إلى كون الوالي على البصرة عبيد الله بن زياد الذي كان معروفا بالفتك والبطش، فلم يكن يسمح لأي نطفة معارضة أن تصبح جنينًا، أو إلى أن البصرة تاريخياً لم تكن (علوية) الموقف من أيام حرب الجمل، وبالقياس فإن الكوفة في الجهتين المذكورتين تعتبر في وضع مثالي، فإن واليها النعمان بن بشير الأنصاري كان هادئًا إلى حد كبير226 كما أن قاعدتها الشعبية كانت محبة للعلويين وبني هاشم ولو على المستوى النفسي.
نعم قد ذكر الطبري ناقلاً عن أبي مخنف أن « جماعة من الشيعة» كانوا يجتمعون في منزل امرأة منهم هي مارية بنت منقذ العبدي ويتداولون الأمور بينهم، وأن في ذلك المنزل قد وصل إليهم خبر الحسين﵇ وعلى أثره انطلق عدة منهم لنصر الحسين وفازوا بالشهادة بين يديه، فهل هذا النص يشير إلى أن (الشيعة) في البصرة جماعة قليلة ولها ما يشبه التجمعات السرية الخاصة بها؟ أو أن هؤلاء الذين اجتمعوا كانوا فئة من المجموع الأكبر، وأن الشيعة كانوا كثيرين لكن هؤلاء كانوا (جماعة) منهم؟ وأن هؤلاء بدأوا بالتحرك بعد ما غادر ابن زياد إلى الكوفة للقضاء على مسلم بن عقيل، بعد وصوله إليها في شهر شوال، وهذا مكّن هؤلاء الشيعة من أن يتحركوا بشكل أفضل، فانظر إلى النص:
«اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ أيامًا وكانت تشيّع وكان منزلها لهم مألَفًا يتحدثون فيه وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين فكتب إلى عامله بالبصرة ان يضع المناظر ويأخذ بالطريق. قال فأجمع يزيد بن ثبيط الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين، وكان له بنون عشرة فقال: أيكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له عبد الله وعبيد الله. فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعت على الخروج وأنا خارج، فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد، فقال: إني والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان عليَّ طلب من طلبني. قال(الراوي): ثم خرج فقوى في الطريق حتى انتهى إلى حسين﵇ فدخل في رحله بالأبطح. وبلغ الحسين مجيئه فجعل يطلبه وجاء الرجل إلى رحل الحسين فقيل له: قد خرج إلى منزلك، فأقبل في أثره ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره وجاء البصري فوجده في رحله جالساً فقال بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال فسلم عليه وجلس إليه فخبره الذي جاء له فدعا له بخير ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه.»227
كانت نتيجة رسائل الإمام الحسين الخمس إلى زعماء الأحياء والقبائل الخمس في البصرة، سلبية في الاجمال باستثناء استجابة يزيد بن مسعود النهشلي التميمي الذي جمع قبيلته (تميم)228 وأمرهم بالتجهز لنصر الحسين﵇، وأرسل على الفور رسولاً للحسين﵇ يخبره باستجابته، وقبوله دعوته، وقد فاز هذا الرسول وهو الحجاج السعدي، ومعه قعنب بن عمر النمري بشرف الشهادة بين يدي الحسين، بينما لم يدرك يزيد النهشلي ولا الجمع الذي كان قد جهزه لنصر الحسين المعركة، حيث وصلهم خبر شهادة الإمام قبل أن يتوجهوا.
أربعة من هؤلاء الرؤساء لم يردوا جواباً لرسالة الإمام الحسين﵇، وكان أحدهم هو المنذر بن الجارود العبدي (من عبد القيس) قد أخذ رسول الحسين ﵇ وهو سليمان بن رزين الذي خرج مع الإمام الحسين﵇ من المدينة وأمه كانت جارية للحسين فأعتقها وتزوجها شخص يقال له رزين وأنجبا سليمان الذي أصبح مصاحباً للإمام الحسين﵇ ورسوله من مكة إلى البصرة، وهذا يشير إلى أن المجتمعات فيها أصناف ففيها مثل هذا الخائن من عبد القيس وبالمقابل كان فيها مارية بنت منقذ العبدي الذي كان منزلها مركزاً لشيعة البصرة وتهيئ لهم الأمور للمناقشة والحديث، وكان أخوها مرة بن منقذ العبدي قاتلاً لعلي الأكبر، وكان فيها أيضاً يزيد بن نبيط العبدي وابناه وقد نزلوا من البصرة إلى كربلاء على أثر رسالة الحسين﵇ وقد كانوا من شهداء كربلاء وفيهم ورد سلام من الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف في الزيارة المروية عنه والتي تذكر أسماء المستشهدين بين يدي الحسين﵇.
فالمنذر بن الجارود العبدي الذي كان أول أمره والياً لأمير المؤمنين عليّ﵇، وقام بخيانة مالية شفع سوأتها بسوأة اللجوء إلى معاوية، ثم ثلّث سواد تاريخه بجريمة وشاية انتهت إلى قتل رسول الإمام الحسين﵇ سليمان بن رزين، فإن هذا المنذر (وقد كان عبيد الله بن زياد زوج ابنته) زعم أنه خاف أن يكون سليمان دسيساً من ابن زياد، فسلمه إليه بعد وصوله برسالة الحسين وكانت النتيجة أن قتل سليمان شهيدا كأول شهداء النهضة الحسينية المباركة.
هذا العرض السريع يريد القول إن من الخطأ أن يفتخر الإنسان بقبيلة أو عشيرة على أنها كذا وكذا، إذ في العشائر والقبائل من الأصناف الصالحة والطالحة، على أنه لا ينفعه شيء لو كانت قبيلته قبل مئات السنين صالحة في أكثرها، كما لا يضرها لو كانت سيئة كذلك.
ولم يكن حال الأحنف بن قيس أحسن حالاً من غيره، فإنه اكتفى بجواب مبهم على رسالة الإمام الحسين﵇ وكتم مالك بن مسمع البكري ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمرو بن عبيد الله بن معمر تلك الرسالة فلم يرتبوا أثرا عليها ولم يجيبوا الحسين﵇.
موقف باقي المناطق المسلمة
كذلك يلفت النظر أن باقي المناطق المسلمة لم تتفاعل بأي نحو مع نهضة الإمام الحسين﵇، فإن الدائرة القريبة من حركته﵇ لا نجد أثراً فيها للتفاعل، فإن من المناطق المهمة في ذلك الزمان: اليمن، والبحرين (بما يشمل هجر والخط)، كما لا نجد أثرا لرسائل الإمام﵇ لها، فهل ذلك راجع إلى بُعد اليمن عن التفاعل عموما مع المسائل الواقعة في المناطق المؤثرة كالحجاز والعراقين (البصرة والكوفة) وأنه يتلقى نتائج ما يحصل؟ فيبايع لمن يبايَع له هناك ويرفض من يرفَض؟ أو لسبب آخر؟ لا نجد إجابة مقنعة في هذا.
وهكذا الحال بالنسبة إلى البحرين (بالمعنى الواسع)، فمع أن الكثير من أهل هذه المنطقة وهم العبديون قد سكنوا البصرة واستوطنوها وخصوصاً من أيام أمير المؤمنين﵇، وأن بعضهم قد انطلق من البصرة كما تقدم في قضية مارية العبدية ويزيد بن نبيط( أو ثبيط ) وابنيه.
بالنسبة لمكة والمدينة توجد بعض النصوص229عن الإمام السجاد﵇ تشير إلى قلة عدد من يواليهم في هاتين المنطقتين -الموالاة بالمعنى الخاص يعني الالتزام بخطهم الفكري والفقهي والسياسي-.
موقف الكوفة من حركة الإمام الحسين
يعتبر موقف أهل الكوفة أوضح المواقف في مناصرة الإمام الحسين﵇، ولو من الناحية النظرية، فإن إظهار أهل الكوفة خلاف بني أمية، وإبداء بعض أنحاء ودرجات العصيان المدني فيما أخبروا عنه من أنهم لا يشهدون مع الوالي الأموي (النعمان بن بشير الأنصاري) جمعة ولا جماعة وأنهم ليس لهم إمام، وبالتالي لا يعترفون ببيعة بني أمية230.. كان مما حفلت به الكتب والرسائل القادمة منهم إلى الحسين﵇، والتي وإن اختلفت231 أرقامها وعدد كتابها والموقعين فيها إلا أنها كانت بالمئات.
وإذا تم ما ذكره بعض المؤرخين من أن وصول أوائل تلك الكتب كان في أواخر شهر شعبان فإنه يعني سرعة مبادرة أصحابها لإعلان موقفهم تجاه حركة الإمام﵇، ومتابعتهم خروجه من المدينة، ثم تكاثرت تلك الكتب حتى وصلت ذروتها في شهر رمضان، وربما ساعد على ذلك ما يفترض من كثرة مجيء المعتمرين -قبيل شهر رمضان- إلى مكة لأداء العمرة، فمن السهل إذن إيصال رسائل للإمام مع هؤلاء المنطلقين، فضلا عمن كان يأتي بغرض إيصال الرسائل كما هو الحال في سعيد بن عبد الله الحنفي الذي التحق بالحسين فيما بعد وأصبح من شهداء كربلاء مدافعا عن إمامه حال صلاته.
بالطبع لم تكن تلك الكتب والرسائل هي العامل الاساس في نهضة الإمام الحسين﵇232، ولكن كان لها أثر في أن تكون الكوفة الوجهة المختارة ليرسل لها الإمام﵇ ابن عمه مسلم بن عقيل يوم الخامس عشر من شهر رمضان ومعه قيس بن مسهر الصيداوي ضمن مهمة أعرب عنها في رسالته عندما قال: «أمّا بعد فقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكًا إن شاء اللَّه، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحقّ، والسلام »، فتوجه مسلم بن عقيل إلى الكوفة.
ومع إقبال أهل الكوفة الكبير على بيعة مسلم بن عقيل والالتفاف حوله إلا أن ما يثير التعجب هو سرعة الانفضاض عنه، بمجيء ابن زياد إلى الكوفة وخلعه النعمان بن بشير واعادة تشكيل القوة الهجومية الأموية، بلملمة التيار الأموي وفرض الأحكام العرفية، وتنشيط نظام العرفاء، وارهاب شيوخ القبائل ورؤسائها، وبالرغم من تقديم تفسيرات233 كثيرة لهذه النتيجة إلا أنها تبقى مثيرة للتعجب.
وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال234أي أنه قطع المسافة من مكة المكرمة إلى الكوفة في عشرين يوماً وبعدما رأى إقبال الناس على مبايعته كتب رسالة مع قيس بن مسهر الصيداوي قال فيها: (أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى والسلام)235فكتب الحسين رسالة جوابية بعدما خرج من مكة مع قيس بن مسهر الصيداوي ولكنه قُبِض عليه قبل أن يصل إلى مبتغاه لأن عبيد الله بن زياد وصل إلى الكوفة وسيطر عليها، فقام قيس بن مسهر الصيداوي بتمزيق الكتاب عندما أعتُقِل ولما سأله عبيد الله بن زياد عن سبب تمزيقه للكتاب قال له: حتى لا تعرف ما فيه، فقال له: ابن زياد ممن هذا الكتاب؟ فقال قيس: من الحسين، قال ابن زياد: ولمن؟ قال له قيس: إلى شيعته في الكوفة، فسأله: من هم؟ قال له قيس: لا أعرفهم، فقال له عبيد الله بن زياد: إن لم تأتنا بالكتاب فاصعد على المنبر واشتم الحسين ووالده حتى نعفو عنك، فقال قيس بن مسهر الصيداوي وقد كان ذكياً: أفعل إن شاء الله، فصعد على المنبر واجتمع أهل الكوفة قال لهم: «أيها الناس إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر236فأجيبوه» ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه واستغفر لعلي بن أبي طالب قال فأمر به عبيد الله بن زياد أن يرمى به من فوق القصر فرُمي به فتقطع فمات.237
ومما يلفت النظر في رسالة الإمام الحسين﵇ ووصيته مسلماً هذه الجمل كما نقله ابن أعثم الكوفي أن الحسين بعدما ختم الكتاب قال له: إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وسيقضي اللَّه من أمرك ما يحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامضِ ببركة اللَّه وعونه حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها، وادع الناس إلى طاعتي، فإن رأيتهم مجتمعين على بيعتي فعجّل عليّ بالخبر حتى أعمل على حساب ذلك إن شاء اللَّه تعالى. ثم عانقه الحسين﵇ وودّعه وبكيا جميعاً»،238 فإن الإشارة فيها إلى أنه يرجو أن يكون -هو ومسلم- في درجة الشهداء، فإن هذا يساعد القائلين بعلم الإمام﵇ بأن مصيرهما إلى الشهادة من قبل أن يصل مسلم إلى الكوفة وأنه﵇ لم يكن ينتظر أن يحدث تغير استثنائي في الكوفة، وأنه لما قتل مسلم تغيرت أهدافه، وإنما كانت منطلقاته الأساسية هي المسؤولية الدينية من أمر الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن إبائه للضيم وما شابه ذلك، كما أن نزول مسلم بوصية الإمام الحسين (عند أوثق أهلها)، يفيد بوضوح في تمييز حال من نزل عندهم مسلم، حيث أنه نزل برهةً في دار مسلم بن عوسجة الأسدي ونزل أخرى في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي وثالثة في دار هاني بن عروة المرادي، ومن خلال تلك الوصية، ثم تنفيذ مسلم لها يعلم أن هؤلاء الرجال كانوا -على الأقل- ضمن الوضع الموجود أكثر الأشخاص الذين يطمأن إليهم ويوثق بهم، مما يشكل قرينة إضافية في حسم الجدال بشأن هاني بن عروة المرادي، والذي كان رأي الرجاليين الشيعة فيه منقسما بين معظم له ومتأمل في شأنه.
وسيأتي ذكر ما صنعه مسلم بن عقيل في الكوفة وخطواته التي اتخذها وما جرى عليه بعد ذلك.
الهوامش
- 219. الحسني؛ السيد ابن طاووس: اللهوف في قتلى الطفوف 80.
- 220. ذهب بعض أعلامنا السابقين كالسيد ابن طاووس، ومن المعاصرين الشيخ الكرباسي في دائرة المعارف إلى أن خروج الإمام الحسين﵇ من مكة كان يوم الثالث من ذي الحجة!.
- 221. يونس بن متى، كما ورد في حوار سيد الأنبياء محمد﵌، في رحلته إلى الطائف. إذ التقى بعدَّاس، أو عِدَاس، وقدم ذلك النصراني له شيئا من العنب بعدما أوذي النبي﵌ ورمي من قبل السفهاء بالأحجار، فسأله: من أين أنت؟ قال: أنا من نينوى، فقال: ذاك بلد أخي يونس بن متى، هو نبي، وأنا نبي من الأنبياء.
- 222. مثل ما يقرأه الخطباء للسيد الأعرجي: قد حل من احرامه خوف العدا.. ونحا العراق فديته من محرم.
- 223. ويتردد على الألسنة أيضا أن الحسين خوطب بأن يحل من إحرامه ويجعلها عمرة مفردة! وكأن الخطاب من جبرئيل.
- 224. السيستاني؛ مناسك الحج/85: كما لا يجوز تقديم الاحرام على الميقات لا يجوز تأخيره عنه، فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول الحرم أو مكة أن يتجاوز الميقات اختيارا إلا محرما « ومثله باقي الفقهاء.
- 225. الحكيم؛ الطباطبائي: مستمسك العروة الوثقى11/192 «وأما ما في بعض كتب المقاتل: من أنه﵇ جعل عمرته عمرة مفردة، مما يظهر منه أنها كانت عمرة تمتع وعدل بها إلى الافراد. فليس مما يصح التعويل عليه في مقابل الأخبار المذكورة التي رواها أهل الحديث».
- 226. ابن الأثير؛ الكامل في التاريخ 4/38، قاله﵇ لابن الزبير في مكة: «واللَّه لئن أقتل خارجا منها بشبر أحبّ إليّ من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحبّ إليّ من أن أقتل خارجا منها بشبر».
- 227. اللهوف 38.
- 228. مراجعة قضايا النهضة ص 37 ط جديدة.
- 229. أحاديث مقتل الحسين في كلام الرسول﵌ كثيرة فمنها ما في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٦/٢٩٤.. عن أم سلمة (أو عائشة) ان النبي﵌ قال لأحدهما لقد دخل عليّ البيت ملَك لم يدخل عليّ قبلها فقال لي ان ابنك هذا حسين مقتول وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها قال فأخرج تربة حمراء.. وعن أم سلمة رضي الله عنها أيضا كما في المستدرك على الصحيحين 4/398: ان رسول الله﵌ اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو حائر ثم اضطجع فرقد ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيت به المرة الأولى ثم اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها فقلت ما هذه التربة يا رسول الله قال أخبرني جبريل (عليه الصلاة والسلام) ان هذا يقتل بأرض العراق مشيرا للحسين) فقلت لجبريل أرني تربة الأرض التي يقتل بها فهذه تربتها. قال الحاكم: هذ حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه!!.
- 230. تعرضنا إلى هذه المسألة بشكل تفصيلي في كتابنا من قضايا النهضة الحسينية فليراجع.
- 231. هذا بالرغم من وجود رأي قليل الأتباع يقول: بأن الأئمة﵇ لم يكونوا يعلمون تفصيلا بمصارعهم زمنا ومكانا ولحظة. معللا بأن الإجماع قائم على أن الإمام يجب أن يكون عالما بكل الأحكام، لا بكل الأحداث والوقائع وبحسب تعبيرهم «لا بكل الأعيان». وقضية علمه بمصرعه لم تثبت. هذا رأي ذهب إليه بعض العلماء.
- 232. بل إنه نقل المؤرخون عن زهير بن القين، وقد شارك سلمان الفارسي، غزوة بلنجر سنة 23 هجرية، ففرحوا بالفتح الذي حصل لهم فقال زهير كما حدث بذلك قبيل انضمامه للحسين: إني سأحدثكم حديثا، غزونا بلنجر، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان: أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من المغانم؟ فقلنا: نعم. فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد﵌ فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم من المغانم..
- 233. كان بعض هذه الكتب تحتوي على أسماء متعددة وهي بذلك تشبه المنشور الذي يوقعه عشرات أو مئات!
- 234. تاريخ الطبري 4 /٢٨٩ عن عقبة بن سمعان قال لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد فقالوا له انصرف أين تذهب فأبى عليهم ومضى وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويًّا ومضى الحسين﵇ على وجهه.
- 235. ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4/17.
- 236. سورة القصص: آية 22.
- 237. نلحظ الكثير من التشابه في حركة الإمام الحسين﵇ ودعوات الأنبياء والمرسلين، وهذا أحد معاني الوارثية كما تشير إليها زيارة الإمام الحسين﵇ المعروفة بزيارة وارث. (السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث ابراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله..).
- 238. سورة القصص: آية 68.