المنبر الحسيني: بين التطوير والتكلس

مجال الرثاء والتعزية146:

كانت بدايات المآتم الحسينية وما يذكر فيها من أمور مأساوية جرت في كربلاء، تحقق أمرين: تفريغ زخم اللوعة والألم الموجود في نفوس أهل البيت وشيعتهم، ونشر الظلامة الحسينية وشحن النفوس على أثرها بالنقمة على أعداء الحسين. وهنا تحول إلى دور رسالي رائد، ولهذا أصر أهل البيت﵈ على عقد المجالس بما يستطاع. فإنه من جهة كانت تصنع الفرد الرسالي وتربيه وكانت أيضاً تهدف هدم صروح الظلم بالوسيلة المتيسرة.

ومع أن هناك من ينتقد التعاطي مع الرثاء وجانب المصيبة في المجلس إلا أنه لا بد من التعادل في الأمر فلا يصح التخلي عنه من جهة كما أنه لا ينبغي الإغراق فيه من جهة أخرى.وإنما نمسك العصى من وسطها فنقف بين المصرّين عليها وعلى توسعتها وبين المطالبين بحذفها والإستغناء عنها.

ويقترح أن يتم التركيز على الشعر القريض والمنتقى والذي يتميز بأداء حار ومستوى مرتفع، بل حتى في الشعر الدارج والعامي يوجد ما هو عالي المضامين، وجيد السبك، وفيه ما هو هابط. فلينتخب ما هو في مستوى إعلاء شأن صاحب النهضة وأصحابه ونسائه.

انظر إلى الفرق بين شعر الشريف الرضي147، والسيد حيدر الحلي148، والكعبي، والكواز، والقسام، والهندي149، ونظرائهم وفي المقابل استمع إلى بعض ما يقرأ في المجالس حيث لا تجد غير ركة المعاني، واصطناع الألفاظ..

ثم تأمل في الصور التي يظهرها هذا الشاعر أو ذاك ويجليها في أفضل نحو.. كما نجد في ملحمة الدمستاني (أحرم الحجاج..) فقد جمع (كل الصيد في جوف الفرا) و مثلما صنع الجمري150 في تصويره شجاعة الحسين (صوّل أبو سكنه..) والتي أبدع فيه رسم صور البطولة بقدر ما أجاد في التقاط معاني الثورة، وغيرهم ولا نريد الآن التعرض إلى كل من أجاد وأحسن. وفي المقابل مثلا الصورة التي نجدها عن الإمام زين العابدين﵇ وكأنه لا يدري عن شيء مما يجري حوله في المعركة، فلا هو يعلم عن الأنصار وشهادتهم ولا يعرف شيئا عن بني هاشم وقتالهم، بل كان نائما151.. ويحتاج إلى زينب أن توقظه وتخبره !! أو أنه في طريق السبي يصيح واذلاه !! أين عشيرتي؟.

ومع أن الخطيب يبحث عادة عن القصيدة شديدة الوقع على المستمع، حتى يبكي ويحظى الخطيب والمستمع بثواب (من بكى وأبكى)، إلا أن من القصائد ما هو عالي المضمون وجيد السبك وشديد التأثير في نفس الوقت.

لا ننسى أن نشير هنا ونحن في هذه العجالة إلى أن ارتفاع المستوى الثقافي للمستمعين والذي يلاحظه الخطيب بادنى تأمل، يحتاج أيضاً إلى الارتفاع في مستوى الصور حتى الرثائية منها والتي تلقى على أسماعهم.

كما أنه ينبغي اختيار القصائد التي تنسجم في مضامينها مع القضايا التاريخية الثابتة في السيرة، وذلك أن الشعر هو أيضاً من منافذ الثقافة العامة التي تتسرب للمستمع، فأنت تجد من يعتقد بقضية والدليل عليها هو أنها قد وردت في شعر دارج قد سمعه من خطيب.. كما حدث أن سأل أحدهم عن عدد الجيش الأموي فلما قيل له أنهم حوالي ثلاثين ألفا، لم يقبل ذلك لأن العباس﵇ قد قتل في كل حملة عشرة آلاف كما في بعض الأشعار التي سمعها !!