المنبر الحسيني: بين التطوير والتكلس

إن تخوف بعض المخلصين على المنبر من التطوير واعتقادهم أنه متى فسح المجال للتطوير في هذا الجانب فإنه بالتدريج سوف يفقد المنبر قدسيته، وسيفقد مقوماته بمرور الزمان، يقابله تخوف الكثير من المخلصين في الجانب الآخر، من أن ينتهي المنبر من التأثير في حياة الناس الحقيقية، ويتحول إلى قطعة من تحفيات العصر القديم، أو يتعامل معه كجزء من الفلولكور المنتهي. فيكون الذي ارتجي أن يعطي الحياة للمجتمعات، والتألق للنفوس، هو بنفسه يذوى ويموت !!

مبادئ وآليات في التطوير:

1. التطوير ضمن خصائص المنبر، وضمن الدور الذي يفترض أن يؤديه: ينبغي أن يكون حادي المطالبين بتطويره وسائقهم.

ربما يطرح البعض وسائل للتطوير بعيدة عن خصائص المنبر، مثل أن يتحول إلى ندوة أو محاضرة تتخللها المناقشات والمداخلات.. أقول بعيدة عن خصائصه فإن المأخوذ في المنبر أن يكون فيه جانب الوعظ والتلقي والارشاد.. بينما ليس كذلك بالضرورة في الندوة أو النقاش المفتوح. أو قد يطرح فيه أمر القراءة على الورقة المكتوبة، بينما المألوف فيه والأكثر تأثيرا هو الخطاب المباشر ارتجالا والارتجال لا يعني بالضرورة عدم الاتقان أو عدم التحضير.

2. لا للتطوير القفزي والقسري: مع إيماننا بضرورة التطوير، إلا أن المقبول منه أيضاً ينبغي أن يكون تطويرا تدريجيا حتى يتقبله المجتمع بصورة سلسة، فإنه ليس أعسر على الناس من تغيير عاداتهم، ومألوفهم.

إن الحق مع وضوحه لكنه مع ذلك يحتاج إلى أسلوب مناسب في إيصاله إلى الناس و (بلاغ مبين) ويحتاج (قولا لينا). وتطوير المنبر وتجديده، وإضفاء عناصر القوة عليه أيضاً يحتاج إلى عمل تدريجي بحيث يستقبله الناس.

إن الصورة التي نراها اليوم للمنبر الحسيني ليس هي نفس الصورة التي كان عليها قبل مئات السنين، بل ولا قبل عشرات السنين، وإنما تعرض لتطوير كما سنتعرض إليه على مدى سنوات، من مجرد كونه فترة رثائية إلى ما نراه اليوم من كونه، إضافة إلى مساحة الحزن التي يحتلها، مشعلا ثقافيا وعلميا.

3. الحاجة إلى العمل بالوسائل الحديثة العامة في التطوير: بالرغم من أن الدعوة إلى تطوير المنبر ينبغي أن يستشعر بها كل ممارس لهذه المهمة المقدسة، وأن يقوم بتطوير منبره، وتحسين أدائه فيه باندفاع ذاتي، إلا أن ذلك لا يغني عن الدعوة إلى التطوير العام، باستخدام الطرق الحديثة التي يعتمدها العلم اليوم.

فمن المهم مثلا أن تقام دورات تخصصية في فن الخطابة سواء في الجانب الرثائي والعزائي أو جانب الموضوع وكيفية إعداده أوطرق التأثير على الناس. فإن ما سوى الجانب الأول توجد فيه كتب ومتخصصون، ومع أن في منابرنا جانبا خاصا سواء لجهة المستمعين أو نوعية الحديث إلا أن ذلك لا يمنع من الاستفادة من الأمور العامة التي لا تخص خطابا دون غيره.

بل ينبغي أن يسعى إلى تأسيس معاهد وكليات للخطابة، ولو في الحوزات العلمية، وأن تعقد مجالس خاصة للخطباء يتم فيها تداول أمر المنبر الحسيني، سواء في تقييم الدور الذي يقوم به في كل مجتمع، أو في المواضيع التي ينبغي أن تطرح، ولأجل استفادة كل جيل من خبرات الجيل الذي سبقه.

ونحن نحمد الله أن هناك حركة طيبة بهذا الاتجاه، فهناك مجلات تخصصية تعنى بشأن المنبر الحسيني، وهناك دورات كثيرة قد تأسست في الحوزات والمدارس الدينية، وهناك مكاتب تخصصية145.. وإن كانت المهمة أعظم من هذا المقدار الموجود، كماً وكيفاً، لكنه عمل يبشر بالكثير من الخير المستقبلي، جزى الله القائمين عليها خير الأجر والثواب.

مجالات التطوير المقترحة: