وأما أمر دخولها حاسرة أم متقنعة، فإن النص المنقول عن الطبري يقول بأنها تقنعت بثوبها وخرجت عليه. بينما النص المنقول عن كامل البهائي يقول بأنها قد خرجت عليه حاسرة فقام إليها وغطاها.. والذي أظن ـ والله العالم ـ أن النص المنقول في الطبري قد تم تخفيفه من قبل الراوي أو الكاتب بحيث عاد خاليا من حرارة المصيبة وعنف الاحتجاج، وتم تبريده إلى أدنى الدرجات، مما يضعف الاعتماد عليه في مثل هذا.. فانظر إلى قولها: يا أمير المؤمنين!! وإلى قولها ـ بحسب النص ـ أرأس الحسين بن فاطمة؟ ثم ينتهي الحوار.. وهنا يأمرها يزيد بالحداد عليه والإعوال. وإلا فإنها قد اكتفت بمقدار تأكيد إمرته للمؤمنين والسؤال: عما إذا كان هذا رأس الحسين أو رأس رجل آخر!!
أعتقد والله العالم أنه تم تخفيف الخبر، وتبريده إلى أدنى الدرجات وسلبت منه الصور الساخنة والمؤثرة.. ولهذا يمكن الميل إلى ما ورد في الخبر الذي نقله العلامة المجلسي قدس سره من خروجها بتلك الصورة على يزيد.
�س: هناك بعض الكتاب من غير الشيعة يتكلمون عن أن ثورة الإمام الحسين﵇ لم تنتج سوى المشاكل وأنه كان من الأفضل لو لم يقم الحسين بها؟ ولماذا لم يسمع نصائح الصحابة في ذلك؟
الجواب: مشكلة الفكر التقليدي غير الشيعي مع قضية الإمام الحسين﵇ مشكلة كبيرة، يلحظ المتأمل فيها حجم المعاناة في التوفيق بين العقائد المتخالفة..
ففي هذه العملية لا يمكن المقايسة بين ابن بنت رسول الله الذي ورد في حقه من الأحاديث ما ورد388، وبين يزيد بن معاوية الذي لم يكن يعرف غير الشراب، والذي وصفه الإمام الحسين﵇ نفسه ـ وهو العارف به ـ : «يزيد رجل فاسق فاجر شارب خمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق»389 صاحب: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل..
وفي نفس الوقت يرى الفكر التقليدي السني أن الخروج على الحاكم المسلم غير جائز390 مهما بلغ ظلمه وأذاه للناس ما لم يظهر الكفر البواح البين للناس. مع ملاحظة أنهم يرون أن الحاكم يمكن أن يكون إماما ولو بالتغلب والقهر ولو لم يكن على حق.. فكيف يمكن لهم والحال هذه أن يلائموا بين هذه الأمور؟
إنهم إما أن ينتقدوا عمل الحسين﵇ ونهضته، والحسين نور من نور رسول الله، وعمله من عمله. و «حسين مني وأنا من حسين»، وإما أن يقبلوا عمل الحسين ويرونه صوابا وفي ذلك نقض للنظرية التي تبنوها وهي القائلة بلزوم طاعة الحاكم و (ولي الأمر).
أو أنهم يقبحون عمل يزيد في مواجهته للحسين وقتله إياه وفي ذلك إدانة للخط الأموي ولا يستطيع بعضهم ذلك.
فكان أن وقع الفكر السني التقليدي في (حيص بيص)391 من هذه المسألة.
1. فالبعض منهم كان صريحا في موقفه تجاه أهل البيت وتجاه الحسين﵇ بالذات فأبرزوا مكنوناته الأموية ولاء وفكراً، فقبحوا عمل الحسين ونهضته، وزعموا أنه قد قتل بسيف جده392 وأن نهضته جرت على الأمة بلاء لم يرفع!! حيث أنه خرج على (إمام زمانه).. نعم يزيد هو إمام زمان الحسين !، ولعله إمام زمان بعضهم393 إلى يومنا هذا!. فلا إمام لهم غيره.
2. والبعض الآخر: أنكر رأساً قتل الحسين﵇ من قبل يزيد بن معاوية، وألقى باللائمة تارة على شيعة العراق، وأهل الكوفة، وأخرى على عبيد الله بن زياد، وثالثة..