أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية
�س: ماذا يعني قول الإمام زين العابدين﵇ لعمته زينب﵍: «أنت عالمة غير معلمة»؟
الجواب: هذا النص ورد في كتاب الاحتجاج للشيخ الطَّبَرسي323 قدس سره، فإنه بعدما نقل خطبة العقيلة زينب﵍ في جموع أهل الكوفة، نقل قول الإمام علي بن الحسين﵇ لها: «يا عمة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة، أن البكاء والحنين لا يردان من قد أباده الدهر، فسكتت. ثم نزل﵇ وضرب فسطاطه، وانزل نسائه ودخل الفسطاط»324.
وأما معناه، فقد ذكر عدد من العلماء فيه أقوالاً:
1. أنه﵇ يريد أن مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع أفيض عليها إلهاماً لا بتخرج على أستاذ أو أخذ عن مشيخة، وإنما كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدّها وأبيها وأمها وأخويها، أو لمحض انتمائها إليهم واتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسية، فأزيحت عنها بذلك الموانع المادية وبقي مقتضى اللطف الفياض وحده، وإذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لإفاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فأفيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به أئمة الدين﵈ من العلم المخصوص بمقامهم الأسمى، على أن هناك مرتبة سامية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم وهي الرتبة الحاصلة من الرياضات الشرعية والعبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظاهر الموفي لمقام الصحة والأجزاء، فإن لها من الآثار الكشفية ما لا نهاية لأمدها، وفي الحديث: «من أخلص لله تعالى أربعين صباحاً انفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، ولا شك أن زينب الطاهرة قد أخلصت لله كل عمرها فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة»325.
وحاصل الجواب السابق: أنها﵍ تمتلك جهات: منها اشتراكها مع آبائها الطاهرين وكونها من طينتهم فإن ذلك يؤثر وراثياً في استعدادتها العلمية. ومنها ما حصل لها من تهذيب آبائها وتربيتهم لها مما أكمل شخصيتها ورفع عنها الموانع والحجب التي تحجب العلم. ومنها ما كان لها بنفسها من رياضات شرعية وعبادات دينية وهذه تؤثر في تعرف الإنسان على الحقائق، ومع إخلاصها لله طول عمرها تكون ينابيع الحكمة قد تفجرت في داخل قلبها. كل تلك العوامل أكملت علل إفاضة العلم الإلهي على قلبها، ومع وجود الاستعداد والقابلية عندها وارتفاع الموانع منها، أفيض عليها العلم إفاضة.
2. يحتمل أن يكون المقصود من ذلك الكلام المنقول عن زين العابدين﵇ أنها لم تتعلم على يد أحد أصلاً وإنما علمها كعلم آبائها غير اكتسابي.
لكن يرد على هذا الاحتمال أنه ثبت أن المعصومين﵈ قد أخذوا عن آبائهم فإن أمير المؤمنين﵇ وهو من هو في العلم قد أخذ عن رسول الله﵌ وروي عنه أنه قال: «علمني ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب»326، وأن الحسن﵇ قد أخذ عن أبيه، وعلمه أبوه كما ورد في وصيته إليه المذكورة في نهج البلاغة327: «ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية، وأن ابتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره»328، قد ورد أنها أخذت عن أبيها﵇ كما ورد في تعليمها تأويل آية (كهيعص) حيث أخبرها أبوها كما ورد في بعض المرويات التاريخية أنها كانت تفسر القرآن الكريم فلما وصلت إلى سورة مريم، وبدأت في تفسير أولها، أخبرها بتأويلها.
ولا يعتقد أن المعصومين﵈ يأخذ بعضهم عن بعض بينما لا تأخذ﵍ عن أحد منهم!
3. الاحتمال الثالث: أن يكون المقصود من أنها (غير معلمة) أنها لم تتعلم إلا على يد المعصومين، ولم تأخذ العلم إلا من أبيها وأمها وأخويها. وفائدة ذلك أن ما عند الناس ـ غير المعصومين ـ خليط من الصواب والخطأ، والحق والباطل وليس بالضرورة أن يطابق الواقع.
وأما ما هو عند المعصومين فهو العلم المطابق للواقع329، والذي لا يتخلف عن الحق فعلي ـ كإمام معصوم ـ مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار. وليست هذه خاصة أمير المؤمنين﵇ دون بقية أبنائه. فما ثبت له ـ مما يرتبط بمنصب الإمامة ـ ثبت لهم بعدم الفصل.
وأثر تلمّذها على هؤلاء المعصومين دون غيرهم، هو أن يكون علمها مطابقا للواقع ولذا لا يأتي إشكال أنه ما الفرق بينها وبين مثل ابن عباس أو غيره ممن تتلمذ على يد أمير المؤمنين، خصوصا مع طول الفترة بينه وبينهم. فإنهم لما أخذوا عن غير المعصومين واختلط علمهم بعلم العلماء الآخرين، لم يعد مرآة للواقع وإنما أصابته الكدورة على أثر ذلك.
�س: هل يجوز رسم صورة الإمام الحسين﵇، أو صور باقي الأئمة؟ فإننا نجد أن بعض الأماكن يوجد فيها رسومات يشار إلى أنها صور الأئمة؟
الجواب: تارة نتكلم في أصل الرسم والتصوير بغض النظر عن (المصوَّر والمرسوم) وأخرى بالنظر إليه.
وإجمال المطلب في الجهة الأولى: أن هناك إجماعاً330 مدّعى على عدم جواز تمثيل الحيوان والإنسان ـ في الجملة ـ بصورة التماثيل الكاملة وهو المعروف في الفنون الحديثة بـ(النحت)، بل قد ادُّعِيَ على ذلك إجماع المسلمين331.
وأما غير ذلك كتمثيل النباتات وسائر المناظر الطبيعية، ففيه خلاف، والمختار عند أكثر علمائنا أنه لا بأس به سواء كان مجسّماً أو لم يكن332.
أما بالنسبة إلى رسم الحيوان والإنسان فقد ذهب قسم من مذاهب المسلمين إلى تحريم ذلك كما نقل عن الحنابلة، وأما عند علماء الشيعة فقد ذهب قسم منهم إلى عدم الجواز بالنسبة للرسم الكامل، وقال آخرون بالجواز بعد تضعيف ما ظاهره حرمة التصوير مطلقاً سنداً، وإمكان حمله على التمثيل المجسم.
وأما (التصوير الفوتوغرافي) فالرأي المشهور بل يكاد يكون المتفق عليه عند علمائنا هو الجواز. ولكن حرّمه فريق من علماء السنة لنفس الأدلة الدالة على حرمة الرسم والنحت.
وأما في الجهة الثانية: فإنه لا يظهر أن هناك مانعاً لو تم القيام برسم تخيلي للمعصوم بناءً على ما ورد في صفاته التي نقلت في الكتب ما لم يكن فيه محذور من هتك أو غيره كصورة غير لائقة.
نعم لا يترتب عليه أثر، فلا يصح أن يخبر عنه بأن شكل الإمام كان هكذا فإن ذلك كذب.
في غير ذلك الأثر لا يوجد هناك مانع من تصوير شكل معين اعتماداً على ما ورد في الكتب التي نقلت صفات المعصوم، بل ربما كان راجحاً لو أدّى تصوير قضية كربلاء وما فيها من معان ومآس بالصورة الفنية المعهودة في هذه الأيام مما يؤدي إلى انتشارها، وتعرُّف الناس عليها من مختلف زواياها. بالطبع لا بد أن يكون ذلك متناسباً مع عظمة صاحب المناسبة وقداسة الواقعة. وقد ذكرنا في موضع آخر ما يرتبط بالتمثيل السينمائي والمسرحي لموضوع كربلاء.
�س: نسمع في أيام المحرم أصوات قراءة النساء في المآتم، ونرى أنه ليس من الصحيح ذلك فإن صوت المرأة عورة، وكيف تريد الواحدة أن تقرأ في مأتم الحسين﵇ والحال أنها تظهر صوتها في الميكرفون فيسمعه الرجال وهو عمل محرم فكيف يكون في المأتم ما هو حرام؟
الجواب: يظهر أن السائل الكريم قد (أفتى) بالحرمة!! اعتماداً على فكرة مسلمة عنده وليست مسلمة عند الفقهاء وهي أن (صوت المرأة عورة). فرتب آثاراً بناءً على ما ليس بصحيح.
ويبدو أن الفكرة المذكورة متأثرة بما هو مألوف وخاطئ في مجتمعنا، واعتبار ما يصدر عنها أنه واقع في دائرة الفتنة والحرمة بالضرورة وليس كذلك. وهو يعبر عن الأزمة التي يعيشها البعض في نظرته إلى المرأة، فلا هو يستطيع أن يخرج من (تراثه الاجتماعي) الذي يهضمها حقها، و لا هو يستطيع أن يتقبل السعة التي أعطتها الشريعة لدور المرأة333.
وسوف نحاول في السطور القادمة أن نبين أن:
صوت المرأة ليس بعورة محرمة:
فمع أن هذه الفكرة منتشرة ومشهورة بين الناس إلا أنها لا نصيب لها من الصحة.
قد قرر علماؤنا334 هذا الأمر اعتماداً على جملة من الأدلة، بعدما لم يكن دليل صالح للقول بأنه عورة إذ لا يوجد خبر عن أهل البيت﵈ بهذا النص ولو كان ضعيفاً335.
كذلك فإن سيرة المعصومين﵈ قاضية بأنهم كانوا يستقبلون النساء السائلات عن المسائل الدينية من غير إنكار منهم عليهن ومن غير ضرورة تلجئهن مثلما أشارت إليه رواية أبي بصير قال: «كنت جالساً عند أبي عبد الله﵇ إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله﵇: أيسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها قال: وأجلسني معه على الطنفسة قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا هي امرأة بليغة فسألته.. إلى آخر الحديث»336.
فأنت ترى أن الإمام﵇ قد استمع إليها، وعرض على أبي بصير الاستماع إلى حديثها..
كما دلّت على سماع أصوات النساء من قبل المعصومين﵈ صحيحة ربعي بن عبد الله عن الصادق﵇: «كان رسول الله يسلم ـ أي يلقي التحية ـ على النساء ويرددن عليه وكان أمير المؤمنين يسلم على النساء وكان يكره أن يسلم على الشابة منهن ويقول أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر مما طلبت من الأجر»337. والرواية ظاهرة في أن الأمر لم يكن نادراً بل كان كثيراً. وأن أمير المؤمنين﵇ قد فرض أنه يوجد أجر في إلقاء السلام عليها، لكن مع (إعجاب) الرجل البادئ بالسلام وتلذّذه بجوابها قد يدخل عليه أكثر مما طلب من الأجر.. ولا شك أن هذا هو للتعليم وإلفات للسامعين أنه لو لزم من السلام واستماع الجواب تلذّذ فإنه ينبغي أن يترك.
فلو اعترض على الاستدلال بما قامت به الصديقة الزهراء﵍ من خطبتها في المسجد بمسمع من الحاضرين، أو ما قامت به العقيلة زينب وبنات الحسين في الكوفة والشام بمحضر من الإمام زين العابدين وعدم اعتراضه من الخطابة أمام الناس لو اعترض على ذلك بأن ضرورة نصرة الإسلام تبيح ذلك، فإن الروايات المتقدمة، فيها ما يظهر منه صريحاً عدم الاضطرار338.
كما أشار الفقهاء إلى أن الممنوع من صوت النساء هو (الخضوع في القول) وذلك لما يعقبه من (طمع من في قلبه مرض) فليس استماع صوت النساء مطلقاً غير جائز وإنما حصة منه هي التي فيها خضوع في القول وترقيق وإثارة.
وبناء على ما سبق فإن مجرد خروج صوت المرأة وهي تقرأ العزاء بحيث يسمعها الرجال الأجانب ليس ممنوعاً بحدّ ذاته أو كما يقول العلماء (في نفسه) وإنما لو لزم منه محذور، بأن كان بكيفية مثيرة للشهوات.. وما شابه ذلك.
وهذا لا يعني أن تتعرض المرأة إلى ذلك وتتعمده فإنه لا ينسجم مع الرسالة التي يريد المنبر الحسيني إبلاغها للناس من إيجاد جوٍّ عام من العفة والتنزّه عمَّا يوجب الإثارة.
كما لا يصح أن يطلق العنان لمكبرات الصوت لكي ترجّ البلدة بصوت النساء بل ولا بصوت الرجال أيضاً.. فإن للجيران وللمرضى ولعامة الناس حقوقاً لا يستطيع الخطيب ولا الخطيبة تجاوزها.. نعم ما جرت العادة عليه سواء في الوقت أو في الصوت قد لا يكون في حيّز المنع.
�س: ما هو الموقف تجاه يزيد بن معاوية هل يجوز لعنه مثلاً؟ أو لا يجوز ذلك؟ فإننا نجد اختلافاً بين المسلمين.
الجواب: في موضوع يزيد بن معاوية يوجد اتجاهان بين المسلمين:
الأول: وهو اتجاه محدود يذهب إلى أنه لا يصح لعنه، ولا يجوز. ولهم في ذلك توجيهات خلاصتها كالتالي:
لم يثبت أنه قد قتل الحسين وإنما كان مخالفاً لذلك، ولم يثبت منه فسق أو كفر يُوجِب لعنه.
سدّ الذرائع فنحن نمنع من لعنه لكي لا ينتقل ذلك إلى لعن معاوية أبيه.
وأنه لا ينبغي أن يتعود الإنسان على اللعن فليس بمسؤول عنه أنه لِم لم يَلْعَن.
وأما تفصيل أدلتهم، فقد عبر عنها أبو حامد الغزالي339 عندما سئل عمَّن صرح بلعن يزيد هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصاً له؟ وهل كان مريداً قتل الحسين﵇ أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه أو السكوت عنه أفضل؟
فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون340، وقد قال رسول الله﵌: «المسلم ليس بلعان». ولا يجوز لعن البهائم، وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي﵌، ويزيد صح إسلامه341، وما صح قتله الحسين، ولا أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام. ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية الحماقة342، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله، أو من الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف ولو كان في بلد بعيد وفي زمن قديم قد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد، وقد تطرق التعصب في الواقعة، فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن به.
ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه، فكيف من تاب عن قتل، ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى.
ولو جاز لعنه فسكت عنه لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة: لم لا تلعن إبليس؟ ويقال للاّعن: لم لعنت؟ ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون؟ والملعون هو المبعد من الله عز وجل، وهو غيب لا يعرف إلاّ في من مات كافراً، فإن ذلك علم بالشرع.
وأما الترحم عليه، فهو جائز بل مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة: «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات» فإنه كان مؤمنا والله أعلم، كتبه الغزالي343.
في الصواعق المحرقة لابن حجر: لا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره، فإنه من جملة المؤمنين، وأمره إلى مشية الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه.
وقال التفتازاني الحنفي344 في شرح المقاصد عن منعهم لعن يزيد.. فإن قيل: من علماء المذهب من لم يُجَوِّز اللعن على يزيد، مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد. قلنا: تحامياً أن يُرتقى إلى الأعلى فالأعلى.
والتوجه الثاني بين المسلمين وهو المشهور بينهم: يرى جواز لعنه، ويستدل على ذلك بأمور:
إن من يفعل ذلك يتبع فيه القرآن الكريم، حيث لم يوفر حظا للكافرين والفاسقين والظالمين، ولم يدخر وسعا في التأكيد على لعنهم، ويظهر أن أمر لعن الكافرين والفاسقين والظالمين الهادف لإيجاد الفاصل النفسي، والحاجز القلبي بين المؤمن بالديانة السماوية وبين تلك الفئات المنحرفة، ليس من مختصات هذه الرسالة بل كان موجودا في سائر الرسالات السماوية أيضاً فالقرآن يتحدث عن لعن أنبياء بني إسرائيل للكافرين فيقول:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}345.
بل حتى أهل الكتاب الذين أبوا أن يؤمنوا برسالة النبي محمد﵌ وقد كانوا يستفتحون من قبل على كفار العرب، فإذا بهم اليوم ينكرون ما بشروا به من قبل، لذلك استحقوا اللعنة الإلهية:
{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ}346.
ولعل قائلاً يقول: إنه وإن وردت اللعنة في القرآن على الكافرين إلا أنه لا يصح أن يُلعن مسلم، فيقال في جوابه: إن العلة واحدة وهي التخلف عن إطاعة الله ورفض العمل بشريعته جحوداً ونكراناً، وفي هذا لا يختلف الاثنان بل ربما كانت الملامة على من يحمل صفة الإسلام أعظم.. ولهذا فقد صب القرآن الكريم اللعنة على مسلمين، وإن لم يسمهم، لكن التاريخ قد تكفل بالأخبار عنهم، وحتى لو أمكن إخفاء أسمائهم فإن الصفات الموجودة تكفي من إيذاء الله ورسوله، ومن الفساد في الأرض وقطع الأرحام، ومن النفاق والإرجاف في المجتمع المسلم، ومن الصد عن سبيل الله ومن كتمان الحق عن طالبيه، والكذب فتعال عزيزي القارئ، واتلُ ما في القرآن الكريم وتدبر آياته البينة:
{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً}347.
وقد جاءت هذه الآية المباركة بعد آية الصلاة على النبي﵌: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}348.
وكأنها تريد أن تنقل صورتين متقابلتين من الاحترام للنبي﵌ ومن الإيذاء له وإغضابه.
وتقوم آيات أخرى بالتهديد للمنافقين من المسلمين، والمرجفين من (الطابور الخامس)349 الذي يثبط المسلمين عن الجهاد ويحبط عزائمهم، وتصفهم بأن اللعنة تلاحقهم أينما ثقفوا، وكيفما تصرفوا.
{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}350.
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}351.
{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}352.
{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ *الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ}353
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ}354.
فهذا القرآن الكريم لم يوّفر أحداً من المجرمين والمنافقين بل صبّ عليه اللعنة صبًّا لتتلى ليل نهار، قول هؤلاء: ونحن نتبعه في لعن من تتوفر فيه صفات الملعونين بل وجدنا القرآن يلعن أسرة بكاملها، وشجرة بتمامها حتى لقد صارت (الشجرة الملعونة) كأنها اسم من الأعلام:
{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَاناً كَبِيراً}355.
وفي موضوع الملاعنة بين الزوجين نجد أن طلب اللعنة الإلهية لتحل بالكاذب والفاسق هي خاتمة مطاف الملاعنة:
{وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}356.
يقول هؤلاء إنهم: يتبعون حديث رسول الله﵌ الذي لعن طوائف مختلفة فقد لعن من يرتبط بالخمر تسعة أصناف فقد روي أنه قال﵌: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها».
وروي أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي».
وروي عنه: «لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهده وهم يعلمون».
وروي عنه: «ستة لعنتهم، لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله تعالى، والمتسلط بالجبروت فيعز بذلك من أذل الله ويذل من أعز الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي».
وروي عنه: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله عز وجل، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً».
وروي أيضاً أنه قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق (سبع) سماواته وردد اللعنة على واحد منهم ثلاثا ولعن كل واحد منهم لعنة تكفيه فقال ملعون من عمل عمل قوم لوط ملعون من عمل عمل قوم لوط ملعون من عمل عمل قوم لوط ملعون من ذبح لغير الله ملعون من أتى شيئا من البهائم ملعون من عق والديه ملعون من جمع بين المرأة وبين ابنتها ملعون من غير حدود الأرض ملعون من ادعى إلى غير مواليه»357.
وقد ذكر أن الإمام الحسن المجتبى﵇ قد استشهد بلعن رسول الله﵌ لعدد من (صحابته!!) كما في المناظرة التي نقلها الطبراني في المعجم الكبير حيث قال: «ثم صعد المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه ثم وقع في علي رضي الله عنه ثم قيل للحسن بن علي اصعد فقال لا أصعد ولا أتكلم حتى تعطوني إن قلت حقًّا أن تصدقوني، وإن قلت باطلاً أن تكذبوني فأعطوه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه.
فقال: بالله يا عمرو وأنت يا مغيرة تعلمان أن رسول الله﵌ قال: «لعن الله السائق والراكب» أحدهما فلان؟358 قالا: اللهم بلى.
قال أنشدك الله يا معاوية ويا مغيرة أتعلمان أن رسول الله﵌ لعن عَمْراً بكل قافية قالها لعنة؟ قالا اللهم: بلى
قال: أنشدك الله يا عمرو وأنت يا معاوية بن أبي سفيان أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن قوم هذا؟ قالا: بلى. قال الحسن: فإني أحمد الله الذي وقعتم فيمن تبرأ من هذا»359.
ولعن أمير المؤمنين﵇ أشخاصاً وقنت عليهم في الصلاة، وقد نقل الشريف الرضي رضي الله عنه في نهج البلاغة عنه، لعنه للأشعث بن قيس بينما كان الإمام على منبر الكوفة يخطب، فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه عليك لا لك، فخفض﵇ إليه بصره، ثم قال: ما يدريك ما علي مما لي، عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين!
وقد نقل360 عن بعض علماء السنة جواز اللعن فقد استدل الإمام أحمد بن حنبل على لعن يزيد بآية {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}361 كما حكاه أبو الفرج بن الجوزي362 في الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد، عن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء، إذ روى في كتابه المعتمد بإسناده عن صالح بن أحمد، قال: قلت لأبي: إن قوما ينسبوننا إلى توالي يزيد. فقال: يا بني! وهل يتوالى يزيد أحد يؤمن بالله؟!
فقلت: لِمَ لا تلعنه؟
فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئاً؟! لِمَ لا يُلعن من لعنه الله في كتابه؟!
فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقرأ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} الآية، فهل يكون فساد أعظم من القتل؟
وفي رواية: يا بني! ما أقول في رجل لعنه الله في كتابه؟
وقال الآلوسي: لو سلم أن الخبيث كان مسلماً فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان. قال: وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين. انتهى.
وقال القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي ـ وقد صنف كتاباً فيه بيان من يستحق اللعن وذكر فيهم يزيد ـ : «الممتنع من لعن يزيد إما أن يكون غير عالم بجواز ذلك، أو منافقاً يريد أن يُوهم بذلك، وربما استفز الجهال بقوله﵌: «المؤمن لا يكون لَعَّاناً»، وهذا محمول على من لا يستحق اللعن»363.
كما أن أبا الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن بن على البغدادي الحنبلي المتوفى سنة (597هـ) ألف كتاب (الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد) قال فيه: «سألني سائل عن لعن يزيد، فقلت قد أجازه العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فبلغ كلامي إلى شيخ قد قرأ أحاديث مروية ولم يخرج عن العصبية العامية. فأنكر ذلك»، إلى آخر كلامه.. مشيراً إلى كتاب ألفه عبد المغيث بن زهير الحنبلي في منع لعن يزيد.
لماذا يُلعن الظالمون؟
1. إن من أهم مكونات الوعي والفكر لدى الإنسان، معرفته التاريخية، وما يحمله من قصص سابقة، وأحاديث عن حياة الماضين من أمم ورجال ومتى كانت تلك المعرفة وافية وصحيحة، فإن البناء الفكري لذلك الإنسان يكون صحيحاً وسليماً.
ولذلك وجدنا حرص القرآن الكريم على استعراض جملة كبيرة من قصص السابقين من الأمم والأنبياء والطواغيت، مع توجيه الأحداث بما يناسب الحالة الوعظية، واستفادة العبرة.
فهناك فرق بين إبراز صورة شخص على أنه قوي وصلب وأنه مسيطر على الأمور، وبين إبراز صورته باعتباره طاغوتا ظالما.
ومع الأسف فإن الصورة المتوارثة في كتب التاريخ الإسلامي عن الأمويين والعباسيين ـ على سبيل المثال ـ هي صورة خلفاء الرسول، وأمراء المؤمنين الحريصين على الإسلام وهي صورة كاذبة بلا ريب.
ويصر هؤلاء الكتاب متعمدين في ذلك على نسبة تقدم المسلمين في المجالات المختلفة إلى الحاكم والسلطان، فإذا فتح المسلمون بلادا، فإنما هي (فتوحات الخليفة) وإذا ازدهرت الحالة العلمية في بلاد المسلمين بجهود العلماء والمفكرين فإنما ذلك من (إنجازاته، ومميزات عصره). ويتطرف البعض حين ينسب إليه فضائل لا تنسجم معه، ويفصلون له ثوبا ليس على مقاسه!!
وقد أدى هذا الأمر إلى نشوء أجيال من المسلمين على ثقافة سلطوية تخديرية، تدين الثائرين والمطالبين بحقوق أمتهم. وكان من الطبيعي مع ثقافة التقديس للحاكم الأموي والعباسي أن يُدان كل فعل معارض له، وأن يعادى كل ثائر عليه!!
بتحديد الموقف من قضايا التاريخ وما جرى فيه، والانتصاف للمظلومين والاحتكام على الظالمين والجائرين، يمكن أن تُنشأ معرفة صحيحة، ويُربى جيل جديد واع يستند إلى حقائق التاريخ، ويكتسب منه حكمة، ويتعلم {سُنَّة اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}364..
2. رسالة للحاضر: لا يظن الظالمون أنهم يستطيعون أن يعبثوا بدين الله، ويظلموا عباد الله، ويعيثوا في بلاده فساداً، ثم يرحلون بمخازيهم، وتنتهي القضية عند هذا الحد.
وإنما سوف ينتظرهم منذ بدء حلولهم تحت التراب عذاب البرزخ، وتلاحقهم فوق التراب اللعنات، والبراءة منهم ومن أعمالهم.
وهذا وإن كان عملاً بالنسبة للظالمين في الزمن الماضي، إلا أنه رسالة لظلمة الحاضر. وفي الواقع فإن الشيعة ـ بل عموم المسلمين ـ عندما يلعنون رمزا من رموز الظلم في تاريخ المسلمين فهم يتخذون موقفا، ويمارسون (إسقاط) هذا الموقف من الرمز التاريخي على الواقع المعاصر. فهم لا يعيشون في الماضي إلا بمقدار ما يجعلهم {شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} الذين عاشوا في تلك الفترات، وارتكبوا ما ارتكبوا من الفظائع.
�س: لماذا يلبس الشيعة السواد في محرم؟ خصوصاً أن هناك روايات تنهى عن لبس السواد؟
الجواب: بحث علماؤنا المسألة في موارد متعددة منها: في الصلاة حيث ذكروا أنه يكره الصلاة في السواد واستثنوا العمامة والكساء والخف. وفي أبواب الحج في موضوع الإحرام في اللباس الأسود وأنه يكره فيه.
وتعرض الأكثر منهم بالمناسبة إلى الحديث عن لبس السواد في أيام مصيبة الإمام الحسين﵇. والمشهور على أنه لا يكره ذلك، بل مع كونه شعارا للحزن والتفجّع عليه﵇ يكون راجحاً ومستحباً.
ونقوم هنا بإلقاء نظرة سريعة على ما ورد من الروايات في المسألة:
ما ورد من النهي عن لبس الأسود:
1. كان رسول الله﵌ يكره السواد إلا في ثلاث: الخف والعمامة والكساء365.
2. وقال أمير المؤمنين﵇ فيما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون».
3. كنت عند أبي عبد الله﵇ بالحيرة فأتاه رسول أبي جعفر الخليفة يدعوه فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله﵇: «أما إني ألبسه وأنا أعلم أنه لباس أهل النار»366.
4. وسئل الصادق﵇ عن الصلاة في القلنسوة السوداء؟ فقال: «لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار».
ودلالة الرواية الأولى على الكراهة أوضح367 من الحرمة، لكن الروايات التالية واضحة الدلالة في النهي الإلزامي، وخصوصاً مع تعليل بعضها بأنه لباس أهل النار وأنه لباس فرعون، مع ما ورد من النهي عن لبس ملابس أعداء الله368. وإن كان في إحداها التخصيص بالصلاة وأنه لا ينبغي لبسه فيها.
الروايات المجوزة
وهناك طائفة أخرى من الروايات التي يستفاد منها خلاف ما سبق، وأن لا مانع من لبس الأسود في نفسه بغض النظر عن العناوين الطارئة عليه.
فمن ذلك:
1. ما رواه سليمان بن راشد، عن أبيه، قال: رأيت علي بن الحسين﵉ وعليه دراعة سوداء وطيلسان أزرق369.
2. وعن أبي جعفر﵇ قال: «قتل الحسين بن علي﵇ وعليه جبة خز دكناء370 فوجدوا فيها ثلاثة وستين من بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح أو رمية بالسهم»371.
3. عن داود الرقي قال: «كانت الشيعة تسأل أبا عبد الله﵇ عن لبس السواد؟ قال: فوجدناه قاعدا عليه جبة سوداء وقلنسوة سوداء، وخف أسود مبطن بسواد، ثم فتق ناحية منه وقال: أما أن قطنه أسود وأخرج منه قطنا أسود، ثم قال: بيض قلبك والبس ما شئت»372.
كما أن هناك طائفة أخرى هي أخص من السابقة وهي تلك التي تستثني بعض الملابس السوداء من النهي كالعمامة والكساء والخف، فقد مر أن رسول الله﵌ كان يكره السواد إلا في ثلاث: الخف والعمامة والكساء.
وفي حديث معاوية بن عمار عن الصادق﵇ قال: «سمعته وهو يقول: دخل رسول الله﵌ الحرم يوم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وعليه السلاح».
ويبقى التعارض قائماً بين الطائفة الأولى الناهية عن لبس السواد وبين الثانية ـ فيما عدا المستثنيات ـ ، فكيف يمكن حل هذه المعارضة؟
سلك علماؤنا في ذلك طرقا متعددة:
منها حمل ما دل على الجواز على التقية حيث إن الدولة الغالبة هي دولة بني العباس وكان شعارها السواد حتى سُموا بـ(المسودة) في التاريخ ولما أظهر المأمون أنه يريد تولية الإمام الرضا﵇ لعهده فقد قام بتغيير ما كان موجودا من شعار العباسيين (السواد)373 إلى الخضرة التي يفترض أنها شعار العلويين ـ على تأمل في ذلك ـ. ولهذه الجهة فقد رأى بعض علمائنا حمل روايات الجواز على التقية حيث أنها توافق الوضع السياسي القائم ولابد للأئمة من موافقته كما يشير إليه ما رواه الكليني عن حذيفة بن منصور قال: كنت عند أبي عبد الله﵇ بالحيرة فأتاه رسول أبي جعفر الخليفة يدعوه فدعا بممطر374 أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله﵇: أما إني ألبسه وأنا أعلم أنه لباس أهل النار375. (يعني الحكام من بني العباس) ولكنه في هذه الحالة مضطر إلى لبسه.
بينما ذهب البعض إلى أن الروايات الناهية عن لبس الأسود ظاهرة في الحرمة، والروايات المجوزة نص في الجواز، فترفع اليد عن ظهور الأولى في الحرمة ـ وتحمل على الكراهة ـ بصراحة الثانية في الجواز والحل. ويكون لبس الأئمة لتلك الثياب السود لأجل بيان الجواز.
وقسم آخر حمل الروايات الناهية على كونها بدافع التشبه بأعداء الله، أو الفراعنة وبني العباس، وإظهارا لشعارهم، وتقوية لأمرهم، فلو لبسها بهذا الداعي، وكانت تؤدي إلى هذه النتيجة فهو حرام وإلا فلا ! بل حتى لا كراهة مع لبسها لا بذلك الداعي، «فالتأمل في الأخبار وفي مساقها وما اشتمل عليه من تعليل المنع فيها مرة بأنه لباس فرعون وتارة بأنه لباس أهل النار كما في أكثرها وأخرى بما يقرب منه من أنه زي بني العباس ومن منع التلبس بلباس الأعداء بقول مطلق كالأخير منها الذي هو عند التحقيق كالمتضمن لهبوط جبرئيل﵇ على النبي﵌ متلبسا بزي عجيب أخبر بأنه زي بني العباس بمنزلة المبين لعنوان الحكم الكراهي وموضوعه المعلق عليه أن كراهة لبس السواد ليست من حيث كونه لبس سواد تعبدا. وإلا لما استثنى منه من نحو الخف والعمامة والكساء بل إنما هي من حيث كونه زي أعداء الله سبحانه الذين اتخذوه من بين سائر الألوان ملابس لهم فيكون الممنوع عنه حينئذ التزي بزيهم والتشبه بهم الذي منه التلبس بما اتخذوه ملبسا لأنفسهم ومعلوم أن عنوان التشبه بهم ونحوه من التزي بزبهم لا يتأتى مع كون القصد من ذلك غيره»376.
ولعل رواية دواد الرقي: «بيّض قلبك والبس ما شئت» شاهد على ما سبق حيث أن التشبه لما كان لا يتم إلا مع القصد، كان بياض القلب وسواده (ونية التشبه وعدمها) هو المؤثر لا مجرد اللبس.
وبالتالي يكون لبس الثياب السوداء من حيث الحكم الأولي لا مانع منه، وإنما بالحكم الثانوي يكون مكروها أو حراما، بناء على حرمة التشبه بأعداء الله. وقد يكون مستحبا وراجحا إذا انطبق عليه عنوان ثانوي كالتأسف والحزن لما أصاب أهل البيت﵈.
وعلى كل حال فحتى على القول بالكراهة، فقد استثني من كراهة لبس السواد، لبسه بداعي الحزن على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين﵇، فقد قال المحدث البحراني قدس سره: لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين﵇ من هذه الأخبار لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان، ويؤيده ما رواه شيخنا المجلسي قدس سره عن البرقي في كتاب المحاسن أنه روى عن عمر بن زين العابدين﵇ أنه قال: «لما قتل جدي الحسين المظلوم الشهيد لبس نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد ولم يغيرنها في حر أو برد وكان الإمام زين العابدين﵇ يصنع لهن الطعام في المأتم»377 انتهى.
ولا شك أنه لو كان مرجوحاً ومكروهاً للفت أنظارهن إليه، وخصوصاً مع وجود العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين العالمة غير المعلمة.
وبناء على هذا فلو قام الإنسان بلبس السواد بعنوان الحزن على أبي عبد الله﵇ فإنه يشمله ما دل على الترغيب في إحياء أمرهم، وإظهار شعائرهم. ولهذا أفتى بعض علمائنا بالاستحباب في ذلك.
�س: ما مدى صحة الرواية القائلة بأن هنداً زوجة يزيد كانت خادمة في بيت أمير المؤمنين﵇ وأنها قد التقت بها زينب فيما بعد في مجلس يزيد حيث صارت زوجته، فأظهرت تألمها لما أصابهم وخرجت على يزيد في مجلسه حاسرة الرأس؟
الجواب: ما رأيته من النصوص حول هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز هو التالي:
ما ذكره الطبري في تاريخه378: «لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق وقال لهم مروان بن الحكم كيف صنعتم قالوا ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلا فأتينا والله على آخرهم وهذه الرؤوس والسبايا فوثب مروان فانصرف. وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال: ما صنعتم فأعادوا عليه الكلام ! فقال: حُجبتم عن محمد يوم القيامة لن أجامعكم على أمر أبدا !ثم قام وانصرف.
ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه الحديث قال فسمعت الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز وكانت تحت يزيد بن معاوية فتقنعت بثوبها وخرجت وقالت يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟
قال: نعم فأعولي عليه وحِدّي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله ! قال ثم أذن للناس فدخلوا عليه والرأس بين يديه ومع يزيد قضيب وهو ينكث به في ثغره ثم قال إن هذا وأنا كما قال الحصين بن الحمام المري:
يفلقن هاما من رجال أحبة
إلينا وهم كانوا أعق وأظلما
.. إلى آخر الخبر.
وفي هذا الخبر إشارة إلى احتجاجها على قتل الحسين﵇ وتبرير يزيد لها بأن الذي قتله هو عبيد الله بن زياد وأنه قد تعجل عليه، وإن لم ينسَ الشماتة ونكت379 ثناياه بقضيب. لكن في النص المذكور أنها تقنعت بثوبها وخرجت.
والثاني ما نقله العلامة المجلسي قدس سره في البحار380 فقال:
«قال صاحب المناقب: وذكر أبو مخنف وغيره أن يزيد لعنه الله أمر بأن يصلب الرأس على باب داره، وأمر بأهل بيت الحسين﵇ أن يدخلوا داره فلما دخلت النسوة دار يزيد، لم يبق من آل معاوية ولا أبي سفيان أحد إلا استقبلهن بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسين﵇ وألقين ما عليهن من الثياب والحلي وأقمن المأتم عليه ثلاثة أيام، وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز امرأة يزيد وكانت قبل ذلك تحت الحسين﵇ حتى شقت الستر وهي حاسرة فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام، فقالت: يا يزيد أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب على فناء بابي؟ فوثب إليها يزيد فغطاها، وقال: نعم فأعولي عليه يا هند وأبكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش عجل عليه ابن زياد لعنه الله فقتله، قتله الله».. إلى آخر الخبر.
وفي هذا النص يلاحظ زيادة:
أن نساء الأمويين قد شاركن في الحزن والبكاء وفي إقامة المأتم.
أن هنداً كانت زوجة الحسين﵇ قبل ذلك فطلقها.
وأنها شقت الستر وهي حاسرة ووثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام. وأنه غطاها.
والثالث: ما جاء في كتاب (نفس المهموم)381 للمحدث القمي قدس سره نقلا عن كامل الشيخ البهائي382 (ت 1031هـ)، ونصه: «فلما دخلت النسوة استقبلتهن نساء آل أبي سفيان وقبلن أيدي بنات رسول الله وأرجلهن ونحن وبكين وأقمن المآتم ثلاثة أيام، وحسرت هند زوجة يزيد رأسها وشقت الثياب وهتكت الستر وخرجت حافية إلى يزيد وهو في مجلس خاص وقالت: يا يزيد أنت أمرت برأس الحسين أن يشال على الرمح عند باب الدار وكان يزيد في ذلك الوقت جالساً وعلى رأسه تاج مكلل بالدر والياقوت والجواهر النفيسة فلما رأى زوجته على تلك الحالة وثب إليها فغطاها، وقال: يا هند فأعولي وابكي على ابن بنت رسول الله».
ثم نقل المحدث القمي عن جلاء العيون للسيد عبد الله الشبر قدس سره: رواية أخرى فيها: إن هند بنت عبد الله بن عامر كانت تحت الحسين﵇ فطلقها وتزوجت يزيد.. إلى آخر ما نقله من دخولها عليه في مجلس عام. فقام وغطاها..
وفي الخبر الأول: أضيف فيه صور من التعاطف من قبل نساء الأمويين مع نساء أهل البيت إلى حد أنهن (قبلن أيديهن وأرجلهن)، وفي الخبر الثاني تأكيد أن هنداً كانت زوجة الحسين﵇ وأنه طلقها وتزوجت يزيد.
وباقي الأخبار تدور حول المحاور المذكورة بزيادة أو نقيصة، والذي يظهر لي ـ والله العالم ـ :
1. أن ما يذكره البعض من كونها خادمة في بيت أمير المؤمنين﵇ لا دليل عليه، بل ربما كان الاعتبار يساعد على خلافه، فإن الخدمة عند نساء العرب كانت أشبه بالعار383، ولاسيما في العوائل المهمة اجتماعيا. ومن المعلوم أن عائلة هند كانت من العوائل الكبيرة في قريش.
ويضاف إلى ذلك أن والد هند، عبد الله بن عامر بن كريز، كان مبايناً لخط أهل البيت﵈ وكان محسوبا على الخط المخالف له، فلم يؤثر عنه غير مواقف المخالفة لأمير المؤمنين﵇ فقد حمل ما في بيت المال في البصرة التي ولاه عليها الخليفة عثمان، وجاء بذلك المال بعد مقتله إلى مكة حيث وافى فيها الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة وهم يريدون الشام فثنى رأيهم لكي يذهبوا للبصرة وكان من ذلك حرب الجمل، ومع نهايتها انسل إلى الشام ولازم معاوية384.
كما أنه كان على طليعة الجيش الذي بعثه معاوية لقتال الإمام الحسن﵇ فأخذ عين التمر، ونزل الأنبار يريد المدائن385، ثم ولاه معاوية البصرة بعدما سيطر على الأمور، كما كان محل افتخار ومباهاة كما قال حين وفاته قبل معاوية بسنة.
وبالتالي فلا الظرف الاجتماعي يساعد على كون هند خادمة في بيت أمير المؤمنين﵇ الذي كانت فيه فضة خادمة وبقيت إلى ما بعد شهادة أمير المؤمنين ولا الموقف العام والديني لعائلتها كان يساعد على ذلك. هذا على أنه لم ينقل ذلك في مصدر معتبر.
2. كذلك الحال في أنها كانت زوجة للحسين﵇ فهو أيضاً مما لا يقبل، فالمنقول في تاريخ الطبري أنها كانت تحت يزيد، ولم يذكر أنها كانت زوجة الحسين. والظاهر أن هناك اشتباها قد حصل.
ذلك أن نساء الحسين﵇ معروفات بأسمائهن386، ولم تذكر بينهن هند بنت عبد الله.
ثم إن التاريخ يذكر أن هند (أم كلثوم) بنت عبد الله هذه كان بصحبة يزيد عندما (أغزاه) أبوه الصائفة لتبييض صورته من أجل أن يصلح لولاية العهد، وكان ذلك في حوالي سنة 50 هجرية، وقبل ذلك كانت في ظل أبيها الذي كان مخالفا لأهل البيت كما تقدم. فقد ذكر المؤرخون أنه قد أرسله على رأس جيش لغزو الروم، فأقام بدير مران (وهو دير مرتفع مشرف على واد جميل فيه مزارع الزعفران)، فقدم الجيش أمامه للغزو وأقام مع زوجته أم كلثوم عند ذلك الدير، ولما وصله الخبر أن الجيش قد أصيب ببلاء شديد، وبحمى، وجدري، تمثل قائلا:
أهون علي بما لاقت جموعهم
بالفرقدونة من حمى ومن موم
إذا اتكأت على الأنماط مرتفعاً
بدير مران عندي أم كلثوم387
ونحن نلفت النظر إلى قضية وقع فيها بعض المؤرخين ـ بقصد أو غير قصد ـ وهي محاولة تصوير المسألة بين الحسين﵇ وبين يزيد على أن الصراع بينهما كان قبَليا ـ فقط ـ بين بني هاشم وبني أمية، وتجريده من المبدئية. أو أن الصراع بينهما هو صراع شخصي، على زوجات كما زعموا في قضية أرينب و غيرها.. ولعل هذا المورد من تلك الموارد أيضا. فما ذكره العلامة المجلسي نقلا عن صاحب المناقب مما لا دليل عليه.
3. نحن لا نستبعد ـ حتى مع عدم وجود النص التاريخي ـ أن تحزن هذه المرأة وأن تنوح على الحسين﵇، كيف وقد عظمت مصيبته حتى بكى عليه من لم يكن مسلما!! فإن قضية الحسين وطريقة مقتله كانت من التأثير بحيث لا يسمع بها إنسان سوي إلا وتأثر بها! فكيف ممن عرف منزلته ونسبه واتصاله برسول الله﵌؟
هذا إضافة إلى أن النصوص التاريخية المختلفة قد وردت بهذا المعنى كما يلاحظ المتأمل. وهذا هو مقتضى الحال، فإن النساء أكثر رقة، وأعظم عاطفة.
كما لا نستبعد أيضاً مشاركة نساء بني أمية في مأتم الحسين﵇ خصوصاً مع وجود أخبار تدل على ذلك.
وأما أمر دخولها حاسرة أم متقنعة، فإن النص المنقول عن الطبري يقول بأنها تقنعت بثوبها وخرجت عليه. بينما النص المنقول عن كامل البهائي يقول بأنها قد خرجت عليه حاسرة فقام إليها وغطاها.. والذي أظن ـ والله العالم ـ أن النص المنقول في الطبري قد تم تخفيفه من قبل الراوي أو الكاتب بحيث عاد خاليا من حرارة المصيبة وعنف الاحتجاج، وتم تبريده إلى أدنى الدرجات، مما يضعف الاعتماد عليه في مثل هذا.. فانظر إلى قولها: يا أمير المؤمنين!! وإلى قولها ـ بحسب النص ـ أرأس الحسين بن فاطمة؟ ثم ينتهي الحوار.. وهنا يأمرها يزيد بالحداد عليه والإعوال. وإلا فإنها قد اكتفت بمقدار تأكيد إمرته للمؤمنين والسؤال: عما إذا كان هذا رأس الحسين أو رأس رجل آخر!!
أعتقد والله العالم أنه تم تخفيف الخبر، وتبريده إلى أدنى الدرجات وسلبت منه الصور الساخنة والمؤثرة.. ولهذا يمكن الميل إلى ما ورد في الخبر الذي نقله العلامة المجلسي قدس سره من خروجها بتلك الصورة على يزيد.
�س: هناك بعض الكتاب من غير الشيعة يتكلمون عن أن ثورة الإمام الحسين﵇ لم تنتج سوى المشاكل وأنه كان من الأفضل لو لم يقم الحسين بها؟ ولماذا لم يسمع نصائح الصحابة في ذلك؟
الجواب: مشكلة الفكر التقليدي غير الشيعي مع قضية الإمام الحسين﵇ مشكلة كبيرة، يلحظ المتأمل فيها حجم المعاناة في التوفيق بين العقائد المتخالفة..
ففي هذه العملية لا يمكن المقايسة بين ابن بنت رسول الله الذي ورد في حقه من الأحاديث ما ورد388، وبين يزيد بن معاوية الذي لم يكن يعرف غير الشراب، والذي وصفه الإمام الحسين﵇ نفسه ـ وهو العارف به ـ : «يزيد رجل فاسق فاجر شارب خمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق»389 صاحب: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل..
وفي نفس الوقت يرى الفكر التقليدي السني أن الخروج على الحاكم المسلم غير جائز390 مهما بلغ ظلمه وأذاه للناس ما لم يظهر الكفر البواح البين للناس. مع ملاحظة أنهم يرون أن الحاكم يمكن أن يكون إماما ولو بالتغلب والقهر ولو لم يكن على حق.. فكيف يمكن لهم والحال هذه أن يلائموا بين هذه الأمور؟
إنهم إما أن ينتقدوا عمل الحسين﵇ ونهضته، والحسين نور من نور رسول الله، وعمله من عمله. و «حسين مني وأنا من حسين»، وإما أن يقبلوا عمل الحسين ويرونه صوابا وفي ذلك نقض للنظرية التي تبنوها وهي القائلة بلزوم طاعة الحاكم و (ولي الأمر).
أو أنهم يقبحون عمل يزيد في مواجهته للحسين وقتله إياه وفي ذلك إدانة للخط الأموي ولا يستطيع بعضهم ذلك.
فكان أن وقع الفكر السني التقليدي في (حيص بيص)391 من هذه المسألة.
1. فالبعض منهم كان صريحا في موقفه تجاه أهل البيت وتجاه الحسين﵇ بالذات فأبرزوا مكنوناته الأموية ولاء وفكراً، فقبحوا عمل الحسين ونهضته، وزعموا أنه قد قتل بسيف جده392 وأن نهضته جرت على الأمة بلاء لم يرفع!! حيث أنه خرج على (إمام زمانه).. نعم يزيد هو إمام زمان الحسين !، ولعله إمام زمان بعضهم393 إلى يومنا هذا!. فلا إمام لهم غيره.
2. والبعض الآخر: أنكر رأساً قتل الحسين﵇ من قبل يزيد بن معاوية، وألقى باللائمة تارة على شيعة العراق، وأهل الكوفة، وأخرى على عبيد الله بن زياد، وثالثة..
وإذا كان يزيد لم يقتل الحسين، وإنما أظهر التألم والأسى عندما قتل، ولم يكن يريد ذلك. فلا حاجة إلى إدانة يزيد، وإنما الترضّي عنه والترضّي عن الحسين معاً، وعلى عادة بعض البلاد تسجل القضية ضد مجهول، أو جماعة غير محددة، وتنتهي المشكلة.
وهذا ما يلحظه الناظر في كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير، فإنه بلغ جهده في محاولة تزكية يزيد، ونفي قتله للحسين حتى أنه استعان برؤيا بعض القضاة حتى يبرئه من قتل الحسين. وقسم آخر حاول تخفيف الجريمة بالذب ما أمكن عن يزيد، وتكذيب ما نسب إليه مثلما فعل ابن تيمية الحراني عندما كذب أن يكون نساء الحسين أو أهل البيت قد تم سبيهن أو أنه قد أمر يزيد بإرسال رأس الحسين إليه فقال: في الموضع الأول: «إن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد»، و«إن القصة التي يذكرون فيها حمل الرأس إلى يزيد ونكته بالقضيب قد كذبوا فيها»394، «ويزيد لم يسبِ للحسين حريماً بل أكرم أهل بيته»395 وفي موضع آخر قال: «لا سبى أهلَ البيت أحدٌ ولا سُبي منهن أحد»!!!396.
3. قسم ثالث: قبّح فعل يزيد ورآه منكرا عظيما، يدل على فسقه، وأن الحسين﵇ كان على حق وأنه لم يكن يجوز ليزيد ولا لأنصاره قتال الحسين «فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد بل هي من فعلاته المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد مثاب وهو على حق واجتهاد» كما قاله ابن خلدون في المقدمة، وإن كان قد أخطأ في نسبة الخطأ الدنيوي للحسين، وزعم ذلك كما أنه ظل (يعافس) في إيجاد مبرر للصحابة الذين كانوا مع يزيد حيث قال: «والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضاً واجتهاد» لكنه رفض أن يكون يزيد مجتهداً في قتال الحسين.
ولعل كثيراً من علماء السنة ذهبوا إلى رفض فعل يزيد، حتى أكثرهم محافظة على التوجه الأموي، نظرا لما كان عليه يزيد من الانحراف الواضح عن الجادة
والعجيب هو ذلك المزج الذي صنعه ابن خلدون397 بين ما لا يمتزج فهو يحافظ على أن الحاكم هو المسيطر الذي تخضع له البلاد وهذا يعطيه شرعية «ولذا كان عبد الملك إماماً شرعياً دون ابن الزبير مما يعني شرعية القوة والجبروت» وبين أن الحسين قد اجتهد في خروجه على يزيد ولم يكن مخطئا من الناحية الدينية، وإن أخطأ من الناحية الدنيوية!! وبين أن عددا من الصحابة في الشام كانوا مع يزيد ولم يكونوا أيضاً مخطئين في اجتهادهم، وبين أن يزيد كان فاسقاً وقتال البغاة إنما يكون مع الإمام العادل ولم يكن يزيد عادلا.. إلى آخر ما ذكره.
فمعنى صحة فعل الحسين من الناحية الدينية أن النظرية التي شيدت عند بعض هؤلاء من عدم جواز الخروج على الحاكم الظالم ولزوم الصبر على ما يفعل، لا بد أن تكون باطلة.. وإلا كيف يجمع بين حرمة الخروج على الحاكم الظالم وبين صحة عمل الخارج كالحسين؟
�س: أين دفن رأس الحسين﵇ بعدما أخذ من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام؟
الجواب: قد ذكر آية الله السيد محسن الأمين العاملي قدس سره في كتابه (لواعج الأشجان) مجموع ما قيل398 في موضع دفن الرأس الشريف، ونحن ننقله، ونذكر ما هو المختار، فقد ذكر من الأقوال والوجوه ما يلي:
الأول: إنه عند أبيه أمير المؤمنين﵇ بالنجف ذهب إليه بعض علماء الشيعة استناداً إلى أخبار وردت بذلك في الكافي والتهذيب وغيرهما من طرق الشيعة عن الأئمة﵈ وفي بعضها أن الصادق﵇ قال لولده إسماعيل: إنه لما حمل إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين﵇ وهذا القول مختص بالشيعة.
أقول: إشارة السيد الأمين إلى عدد من الروايات:
منها مرفوعة ابن أسباط عن الصادق﵇: «إنك إذا أتيت الغري رأيت قبرين قبراً كبيراً وقبراً صغيراً، فأما الكبير فقبر أمير المؤمنين﵇، وأما الصغير فرأس الحسين﵇ «، ولكن الخبر ضعيف بأكثر من جهة كما أنه يمكن توجيهه بأنه موضع الرأس الذي وضع فيه لا محل دفن الرأس، وهذا ما يشير إليه خبر المفضل بن عمر أنه «جاز الصادق﵇ بالقائم المائل في طريق الغري فصلى عنده ركعتين، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ فقال: هذا موضع رأس جدي الحسين﵇ وضعوه هنا». وربما يستشهد له بخبر يونس بن ظبيان «أن الصادق﵇ ركب وركبت معه حتى نزل عند الذكوات الحمر، وتوضأ ثم دنى إلى أكمة فصلى عندها وبكى، ثم مال إلى أكمة دونها ففعل مثل ذلك، ثم قال: الموضع الذي صليت عنده أولا موضع قبر أمير المؤمنين﵇ والآخر موضع رأس الحسين﵇ وأن ابن زياد لعنه الله لما بعث برأس الحسين بن علي﵉ إلى الشام رد إلى الكوفة، فقال: أخرجوه منها لا يفتتن به أهلها، فصيره الله تعالى عند أمير المؤمنين﵇ (فدفن)، فالرأس مع الجسد، والجسد مع الرأس». والإشكال عليه أنه مع ضعف سنده بيونس399، هو مضطرب المتن ظاهراً، فكيف يكون في موضع قبر أمير المؤمنين ويكون أيضاً الرأس مع الجسد والجسد مع الرأس، مع أنه من المسلم به أن جسد الحسين﵇ في كربلاء؟ واحتمال أن يقصد كون الرأس مع جسد أمير المؤمنين بعيد جداً، مع مخالفته لما سبق!
نعم حمله في الجواهر400 على أنه دفن هناك ثم نقل بعدها إلى كربلاء، والحديث لا يفي بهذا المعنى!
كما يمكن الاستشهاد له بخبر النهدي401 قال: «دخلت على أبي عبد الله﵇ فذكر حديثاً حدثناه، قال: مضينا معه يعني أبا عبد الله﵇ حتى انتهينا إلى الغري، قال: فأتى موضعا فصلى ثم قال لإسماعيل: قم فصل عند رأس أبيك الحسين﵇، قلت: أليس قد ذهب برأسه إلى الشام؟ قال: بلى ولكن فلان مولانا سرقه فجاء به فدفنه هاهنا.
والخبر ضعيف سنداً، وإن كان صريح الدلالة، لكن في التعليل أن (فلاناً سرقه فجاء به فدفنه هنا) في النفس منه شيء!
وعلى كل حال فإن باقي الأخبار تكون مبينة للمقصود منه كما في خبر مبارك الخباز قال: «قال لي أبو عبد الله﵇: أسرجوا البغل والحمار في وقت ما قدم وهو في الحيرة، قال: فركب وركبت حتى دخل الجرف، ثم نزل فصلى ركعتين ثم تقدم قليلا آخر فصلى ركعتين ثم تقدم قليلا آخر فنزل فصلى ركعتين ثم ركب ورجع، فقلت له: جعلت فداك ما الأولتين والثانيتين والثالثتين (هكذا)؟ قال: الركعتين الأولتين موضع قبر أمير المؤمنين﵇، والركعتين الثانيتين موضع رأس الحسين﵇، والركعتين الثالثتين موضع منبر القائم﵇ فإنه ظاهر في أنه موضع الرأس، لا محل دفنه، وخصوصا مع قرينة موضع منبر القائم. ومثله خبر أبان عن الموضعين والصلاة فيهما».
وقد ذكر السيد الأمين قولاً آخر يرجع إلى هذا القول، وهو ما ذكره في كتابه بعنوان: «الثالث: أنه مدفون بظهر الكوفة دون قبر أمير المؤمنين﵇ رواه في الكافي بسنده عن الصادق﵇ « والكلام فيه هو الكلام في الأول حيث مرجعه إليه.
الثاني: إنه دفن بالمدينة المنورة عند قبر أمه فاطمة﵍ وأن يزيد أرسله إلى عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة فدفن عند أمه الزهراء﵍ وأن مروان بن الحكم كان يومئذ بالمدينة فأخذه وتركه بين يديه وقال:
يا حبذا بردك في اليدين
ولونك الأحمر في الخدين
والله لكأني انظر إلى أيام عثمان. حكاه سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص عن ابن سعد في الطبقات.
أقول: لا يظهر لهذا القول أثر في روايات أهل البيت﵈ بحسب التتبع المحدود. هذا إضافة إلى أن موضع قبر الزهراء﵍ كان ولا زال مجهولاً، فلا يعلم على نحو الدقة أين قبرها الشريف؟ يضاف إلى ذلك مما يوهن الأمر أنه قد ذكر كون مروان بن الحكم بالمدينة وهو خلاف ما ذكره المؤرخون من كونه حينئذ في الشام وأنه دخل على يزيد، وسأل الجنود الذين أتوا بالرؤوس عن كيفية القتال402.. فكيف يكون في الشام ويكون في المدينة والظاهر من سياق الكلام المذكور أنه (كان..) بالمدينة لا أنه قدم إليها بعد تلك الحادثة مثلاً.
الثالث: أنه بدمشق قال سبط بن الجوزي حكى ابن أبي الدنيا قال وجد رأس الحسين﵇ في خزانة يزيد بدمشق فكفنوه ودفنوه بباب الفراديس وكذا ذكر البلاذري في تاريخه قال هو بدمشق في دار الأمارة وكذا ذكر الواقدي أيضاً انتهى. ويُروى أن سليمان بن عبد الملك قال وجدت رأس الحسين﵇ في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة أثواب من الديباج وصليت عليه في جماعة من أصحابي وقبرته. وفي رواية: أنه مكث في خزائن بني أمية حتى ولي سليمان بن عبد الملك فطلب فجيء به وهو عظم ابيض فجعله في سفط وطيبه وجعل عليه ثوباً ودفنه في مقابر المسلمين بعدما صلى عليه فلما ولي عمر بن عبد العزيز سأل عن موضعه فنبشه وأخذه والله أعلم ما صنع به.
وقال بعضهم: الظاهر من دينه أنه بعث به إلى كربلا فدفنه مع الجسد الشريف. وروى ابن نما عن منصور بن جمهور أنه دخل خزانة يزيد لما فتحت فوجد بها جونة حمراء فقال لغلامه سليم: احتفظ بهذه الجونة فإنها كنز من كنوز بني أمية فلما فتحها إذ فيها رأس الحسين﵇ وهو مخضوب بالسواد فلفّه في ثوب ودفنه عند باب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق انتهى.
أقول: وكأنه هو الموضع المعروف الآن بمسجد أو مقام أو مشهد رأس الحسين﵇ بجانب المسجد الأموي بدمشق وهو مشهد مشيد معظم.. انتهى كلام السيد الأمين.
وغاية ما يثبته هذا النقل ـ لو تم ـ هو أنه بقي في دمشق مدة من الزمان ثم أعيد إلى قبره أيام عمر بن عبد العزيز، أو غيره. على أنه لا يتم. نعم المعروف أنه وضع في الجامع الأموي في الشام أيام وصلت نساء الحسين هناك، وأنه صار على أثر ذلك مكان يقصد، وشيد فيه مشهد باعتبار أنه محل وضع الرأس. وأيضا يرد عليه ما على سابقه من أنه لا شاهد عليه من روايات أهل البيت﵈ الذين هم أعرف بموضع دفن الرأس، بل الشاهد على خلافه كما سيأتي.
ثم إنه قدس سره قد نقل قولا آخر عن ابن الجوزي، وهو أن الرأس الشريف قد دفن مدينة الرقة على الفرات، وهذا القول من البعد إلى درجة أنه لم يكن ينبغي ذكره، ويتلوه في الضعف القول بأنه كان في عسقلان وأنه قد نقل فيما بعد إلى مصر.
الرابع: أنه مدفون مع جسده الشريف، وفي البحار أنه المشهور بين علمائنا الإمامية رده علي بن الحسين﵉ انتهى. وفي اللهوف أنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف وكان عمل الطائفة على هذا المعني المشار إليه انتهى. واعتمده هو أيضاً في كتاب الإقبال «وقال ابن نما: الذي عليه المعول من الأقوال انه أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه» انتهى. وعن المرتضى في بعض مسائله أنه رد إلى بدنه بكربلاء من الشام وقال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين وقال سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص): اختلفوا في الرأس على أقوال أشهرها أنه ـ يعني يزيد ـ رده إلى المدينة مع السبايا ثم رد إلى الجسد بكربلا فدفن معه قاله هشام وغيره انتهى. فهذا القول مشترك بين الشيعة وأهل السنة. انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
أقول: هذا القول هو المتعين الذي لا مناص من القبول به ويمكن الاستدلال لذلك:
1. من الناحية التاريخية: فإن من المعروف أن يزيد بعدما تحقق له ما أراد من قتل الحسين﵇ وسبي نسائه إلى الشام، وانقلاب الأمر عليه، أراد أن ينهي القضية بحيث لا تتصاعد، فسمح للنساء بإقامة مأتم الحزن، ثم استدعى الإمام زين العابدين﵇ بعد أيام، وخيره بين البقاء معهم أو إن أرادوا الذهاب إلى المدينة بعث معهم من يوصلهم، وأظهر له أنه يريد قضاء حوائجه، فطلب الإمام أموراً كان منها رأس أبيه﵇. ومن الطبيعي ويزيد في هذه الحال يريد إنهاء القضية أن يستجيب لطلب الإمام رأس أبيه.
2. روايات أهل البيت﵈: ففي رواية نقلها الشيخ الصدوق قدس سره في الأمالي، تصريح برد رأس الحسين إلى كربلاء. فقد روى بطريق معتبر إلى لوط بن يحيى الأزدي عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت علي﵇ قالت: ثم إن يزيد ـ لعنه الله ـ أمر بنساء الحسين﵇، فحبسن مع علي بن الحسين﵉ في محبس لا يكنهم من حرّ ولا قرّ، حتى تقشرت وجوههم، ولم يرفع من بيت المقدس حجر على وجه الأرض إلا وجد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء، كأنها الملاحف المعصفرة إلى أن خرج علي بن الحسين﵉ بالنسوة ورد رأس الحسين﵇ إلى كربلاء.
والروايات التي تتحدث عن تربة قبر الحسين، مشعرة بذلك ففي بعضها، عن أبي عبد الله﵇ قال: «عند رأس الحسين﵇ لتربة حمراء فيها شفاء من كل داء إلا السام»403 (أي الموت).
كما تشير إليه الروايات القائلة باستحباب الصلاة عند رأس الحسين﵇ كما في ورواية ابن ناجية: «صل عند رأس قبر الحسين﵇ «. و رواية الثمالي: «ثم تدور من خلفه إلى عند رأس الحسين﵇ وصل عند رأسه ركعتين تقرأ في الأولى ـ إلى أن قال ـ : وإن شئت صليت خلف القبر وعند رأسه أفضل». وفي رواية صفوان: «ثم قم فصل ركعتين عند الرأس».
وروايات الاستخارة عند رأس الحسين﵇ كما في الوسائل، إلا أن تحمل كل هذه الروايات والأفعال على موضع الرأس وجهته وإن لم يكن موجوداً. وهو خلاف الظاهر.
كما أن خبر يونس بن ظبيان، لو أغضينا عن السند، فيه ما يدل على أنه (رد من الشام إلى الكوفة) وفيه أيضاً أن (الرأس مع الجسد والجسد مع الرأس)، وأظن والله العالم أن هناك سقطاً بين هاتين الجملتين، وهذا هو الذي يجعلهما متهافتتين، وإلاّ لو تصورنا وجود جملة ساقطة فيها معنى أنه ذهب به إلى كربلاء بعدها فإن جملة (فالرأس مع الجسد والجسد مع الرأس) التي هي بمثابة (أم الحديث، والنقطة الجوهرية فيه) تكون مستقيمة وواضحة. مع ملاحظة أنه لا يوجد في أصل الحديث في كامل الزيارة كلمة (فدفن).
3. أقوال علمائنا: اتفقت كلمة علماء أهل البيت﵈ على أن رأس الحسين قد ألحق بالجسد أخيراً.
فقد قال الشريف المرتضى علم الهدى قدس سره في رسائله: أن جميع الرواة والمصنفين قد رووا أن رأس الحسين﵇ قد حمل إلى الشام، كما أنهم رووا أنه أعيد بعد حمله إلى هناك ودفن مع الجسد بالطف404.
ونقل عن ابن شهرآشوب في المناقب أنه المشهور بين الشيعة.
فقد قال ابن نما405 والذي عليه المعول من الأقوال أنه أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه.
وقال السيد (أي بن طاووس)406: «فأما رأس الحسين فروي أنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف﵇ وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، ورويت آثار مختلفة كثيرة غير ما ذكرناه تركنا وضعها لئلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب.
وقال العلامة المجلسي بعد أن تعرض إلى بعض الأقوال: «أقول: هذه أقوال المخالفين في ذلك، والمشهور بين علمائنا الإمامية أنه دفن رأسه مع جسده، رده علي بن الحسين﵉».
هذا مع ملاحظة أنه جعل هذا القول هو المشهور بين العلماء.
ورأى المحدث الحر العاملي قدس سره407 أنه لا منافاة بين القول باستحباب زيارة موضع الرأس والصلاة ركعتين عند قبر أمير المؤمنين وبين القول بأن الرأس قد دفن في كربلاء، قال: قد روى السيد رضي الدين علي بن طاووس في كتاب (الملهوف) وغيره أن رأس الحسين﵇ أعيد فدفن مع بدنه بكربلاء، وذكر أن عمل العصابة على ذلك، ولا منافاة بينهما408.
ونفس الأمر صار إليه في الجواهر، الجواهري قدس سره في جمعه بين الروايات المشيرة إلى أن بالنجف موضع الرأس وأنه في كربلاء، قال كما تقدم ذكره بأنه يحتمل بقاؤه فترة هناك ثم دفنه في كربلاء..
وهذا وإن كان يختلف في التفصيل مع القول المختار من حيث أن مفاد ما هو مختار هو رجوع السجاد برأس أبيه ودفنه معه، بينما هذا التوجيه لصاحب الجواهر يقول بأنه قد دفن هنا مدة من الزمان، إلا أنه من حيث النتيجة وحاصلها أنه مدفون مع الجسد متوافق معه.
�س: سؤال: ماذا كان مرض زين العابدين﵇ يوم عاشوراء؟ ولماذا عرف بالعليل؟
الجواب: في البداية لا بد أن نلفت النظر إلى نقطة أساسية ترتبط بمرض الإمام السجاد﵇ ولعل جانباً منها قد تقدم في سابق الأجوبة، وهي أن مرضه كان في فترة مؤقتة هي يوم عاشوراء وما أعقبه من الأيام التي لا نعلم مقدارها، نظراً لاستمرار حالة المعاناة على أثر السفر والسهر، والإيذاء الذي تعرض له خلال رحلة سبي النساء من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام ثم العودة وإن كانت العودة أهون.
ولا تمتد قطعاً إلى السنوات المتأخرة، خلافاً للشائع في بعض الأذهان التي ما أن يذكر الإمام﵇ حتى تتبادر صورة المريض الذي لا يستطيع فعل شيء.
كما نعتقد أن مرض الإمام﵇ في تلك الفترة كان ضمن الحكمة الإلهية لجهة أن يستمر النسل الحسيني، والامتداد العلوي، والإمامة المحمدية بحيث يكون في الأمة من هو قادر على حمل مواريث النبوة والإمامة، ويكون فاعلاً في تغيير مسيرتها، والحفاظ فيها على شريعة الرسول﵌.
وإلاّ لو كان صحيح البدن إلى مقتل الحسين﵇ لما وسعه التأخر عن نصرته والمبادرة إلى فدائه بنفسه، لما ثبت من لزوم دفع الموت عن النبي والإمام، فإنه «لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلاّ أكبه الله على منخريه في نار جهنم»409. إضافة إلى أنه مقتضى بر الولد بأبيه حتى في حالة عدم العصمة والإمامة.
أما ما هي كيفية مرض الإمام السجاد﵇، فما وجدته من النصوص هو التالي:
أقدم نص رأيته هو ما ذكر في كتاب للزبير الأسدي410 (تسمية من قتل مع الحسين﵇) فقد قال:.. «وكان علي بن الحسين﵇ عليلا، وارتث411 يومئذ، وقد حضر بعض القتال فدفع الله عنه، واخذ مع النساء هو، ومحمد بن عمرو بن الحسن، والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب﵇.
ما ذكره الشيخ الطبرسي412 في كتابه (إعلام الورى بأعلام الهدى)413 في حديثه عن رحيل الركب الحسيني إلى الكوفة فقال:.. «ثم نادى في الناس بالرحيل، وتوجه نحو الكوفة ومعه بنات الحسين﵇ وأخواته ومن كان معه من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين﵇ فيهم وهو مريض بالذرب414 وقد أشفى».
ـ نقل العلامة المجلسي في البحار415 عن كتاب نوادر ابن أسباط عن بعض أصحابه رواه قال: «إن أبا جعفر (الباقر)﵇ قال: كان أبي مبطوناً416 يوم قتل أبوه صلوات الله عليهما وكان في الخيمة وكنت أرى موالينا كيف يختلفون معه، يتبعونه بالماء».
والنص الأول الذي ذكر في كتاب الفضيل بن الزبير يفيد بظاهره أمرين:
أن الإمام السجاد قد شارك في بعض القتال.
وأنه كان قد اُرتث أي جُرح.
وقد أصر السيد الجلالي في كتابه (جهاد الإمام السجاد﵇) على هذا واستفاد من النص المذكور ما ينفعه في الاستدلال على جهاد الإمام وشجاعته وأنه قد شارك في المعركة أو مقدماتها، وقد أصيب بجراح على أثر ذلك.
بينما النصان التاليان لذلك لا يتعرضان لأمر القتال ولا الجراح، وإنما يثبتان كونه عليلاً إلى درجة أنه قد أشفى على الموت، وأنه كان بحسب النص مريضاً بالذرب (وهو الذي لا يبرأ من الأمراض كما عن بعض أهل اللغة وكما في الحاشية مرض يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام ولا تمسكه) وهو ما يسبب الإعياء وعدم القدرة على ممارسة النشاطات الاعتيادية للمصاب به. وهو شبيه لما يسمى اليوم بالإسهال الشديد، الذي قد ينتهي في بعض الحالات إلى التجفاف والوفاة سواء في الصغار أو الكبار.
وأمر مشاركة الإمام السجاد في القتال، لا شاهد عليه في روايات أهل البيت أو نقل أهل التاريخ، إلا أن يكون بمعنى محاولة النهوض والخروج للقتال على أثر استغاثة والده الحسين واستنصاره.
بل ربما كان ما جرى على الإمام السجاد﵇، مما ذكره المؤرخون حين الهجوم على المخيم بعد شهادة الإمام الحسين، وأنه كان منبسطا417 على فراش له وهو مريض يشير إلى أنه حتى في تلك الحال لم يكن قادرا على النهوض والدفاع عن نفسه، مما يبعّد أمر مشاركته في القتال. والله العالم.
ولم يكد الإمام السجاد﵇ يقوم من علته تلك حتى تعرض لآلام السفر العنيف418 والإيذاء البدني والنفسي مما أثر كثيرا على صحته، فقد نقل من رآه في الكوفة أنه كان عليلا419، وكان يتكلم بصوت ضئيل.
�س: ما هو الحد الذي نستطيع المسير فيه مع ما يذكر من قضايا غيبية في كربلاء وما بعدها، مثل تكلم رأس الحسين وهو على الرمح! أو أن السماء قد أمطرت دما حزنا على الإمام الحسين! وغيرها؟ وما هو الموقف منها؟
الجواب: حيث أن هذا الموضوع بما يمثله من رؤية له جانب سيال، ولا يقتصر على الموضوع الغيبي في كربلاء، وإنما يشمل ما حصل في غيرها أيضا، فسوف نتعرض إليه بنحو من التفصيل ضمن النقاط التالية:
الأولى: أن الكون من حولنا يسير ضمن خريطة الطاعة الإلهية، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} ولذا فمن الطبيعي أن يتناغم ما في الكون من أشياء مع هذا الإنسان المؤمن، في تلك الحركة العبادية المؤمنة، وإن كان الإنسان لا يفقه تسبيح وعبادة ما حوله. قد لا نعرف كيفية التسبيح، وبكاء الأرض والسماء، وترحيبهما وغير ذلك، وقد أخبر الباري سبحانه فقال: {وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، وعدم المعرفة والفقه شيء وعدم وجود التسبيح وتلك الأفعال شيء آخر.
ومعرفة هذا الجانب يفسر لنا الكثير مما ورد في أن الكائنات تستغفر لطالب العلم420 وأن المؤمن إذا مات بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كان عمله يصعد إليها421، وأن الأرض تستقبل الميت المؤمن استقبالا حسنا422، بينما تعنف بالكافر وتؤذيه.. وكذلك ما ورد في تفسير الآية المباركة {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}423 مع ملاحظة النقطة المتقدمة لن تكون حاجة ماسة للحمل على المجاز والكناية. ومجرد عدم معرفة الإنسان بكيفية صدور تلك الأمور منها، أو عدم تعقله لها، لا ينفي وجودها، فكم من الأشياء حولنا أصبحت اليوم حقائق تلمس وكانت قبل هذا أمورا لا تصدق ولا تُتعقل!
وإن حمل كل هذه الآيات والروايات ـ وغيرها كثير جداً ـ على المجاز والكناية وإرادة غير المعنى الحقيقي، لا لشيء إلا لأننا لا نتعقل ولا نعرف كيفية تلك الأفعال، هو خلاف الإنصاف واحتكام إلى الاعتساف.
الثانية: أن هناك حدين متطرفين424 في هذه القضايا ينبغي أن ينفصل الإنسان من تأثير كل منهما عليه، يميل الأول منهما إلى جعل قضايا الأنبياء والأوصياء سلسلة مترابطة من القضايا الغيبية اللامفهومة، ويتصور بذلك أنه يعظم قدرهم ويعلي من شأنهم!! وتجد عند هؤلاء الناس، إغراقا في الجانب الغيبي، وإذا أراد بعضهم أن يشرح لك معظما قدر الأنبياء والأوصياء اكتفى بأنه لا يعرف ولا أحد يعرف ولا يستطيع أحد أن يعرف.. الخ. وبالتالي يجعلون حياة النبي والوصي في الغيب هي الأصل، وفي الحضور هي الاستثناء والنادر!! وهذا توجه غير صحيح.
ويميل قسم في مقابلهم إلى نفي أي علاقة للأنبياء والأوصياء بعالم الغيب ويصورونهم بصورة عادية في كل شؤونهم وقضاياهم، فهم لا يختلفون عنا في شيء ويردون أي نقل أو حادثة تتحدث عن جلالة شأنهم، أو ارتباطهم بالعالم الأعلى، بحيث يتمكنون ـ بتمكين الله سبحانه لهم ـ من فعل الخوارق مع الحاجة الدينية لذلك، وتجري على أيديهم الكرامات.. فيرون كل ذلك غير صحيح.. وهذا كسابقه في عدم الصحة.
والذي يجمع بين الأمرين هو ما ذكرته الآيات البينات في تشخيص أمر الرسول {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} وهذان الجانبان: البشري أفقياً مع المجتمع، والإلهي عموديا في الارتباط بالخالق، وما تحدث عنه القرآن {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}425 وبهذا يمكن تفسير صدور المعجزات من الأنبياء والكرامات من الأولياء، فإنه من الثابت بحيث لا ينكره غير المكابر صدور المعجزات التكوينية من الأنبياء والكرامات من الأولياء وقد تحدث عنها القرآن.
الثالثة: إن إثبات حصول الأمور الغيبية لا يختلف عن إثبات الأمور العادية، وليس له طريقة خاصة يفرضها موضوع (الغيبية). فإذا كان إثبات الوقائع العادية يكفي فيه خبر الثقة ـ على القول به في الموضوعات وإن لم يفد الاطمئنان ـ أو البينة، فإنه أيضاً يأتي في الوقائع التي ترتبط بالمسألة الغيبية كنقل المعاجز والكرامات وإن مجرد تعجب الناس أو استغرابهم من حدوث مثل هذه الأمور أو إنكار بعضهم لها لا يؤدي إلى اصطناع طريقة خاصة في الإثبات. نعم لو كانت المسألة من الأمور الاعتقادية التي يطلب فيها اليقين، فإنها تحتاج إلى مثل التواتر مما يفيد اليقين ولا يكتفى فيها بخبر الثقة أو البينة.
ومع ذلك فإن أخبار المعاجز والكرامات ـ لا سيما بعضها ـ تدخل فيما هو مفيد للاطمئنان، وذلك لكثرة الناقلين لها، وكثرة الاهتمام بها لما تحتوي عليه من معان دينية وعقيدية. وعلى هذا الأساس تم تناقل أخبار الكرامات والمعاجز، بل هي لغرابتها كانت محلا للاهتمام المركز بها، فتكاد تصل في بعضها إلى التواتر أو الاستفاضة.
الرابعة: ما يرتبط بقضية الإمام الحسين﵇ في كربلاء، فقد نقل المؤرخون وأهل السير، عددا من القضايا التي تصنف على الجهة الغيبية، وتخرج عن المألوف عند الناس مثلما ذكر في السؤال، وسنتحدث عن هاتين القضيتين كنموذج:
أ. يوم بكت السماء دما في روايات أهل البيت﵈:
1. نقل ابن قولويه في كامل الزيارات روايات متعددة تشير إلى هذا الموضوع، عن غير واحد من الأئمة﵈ منها ما عن إبراهيم النخعي426 عن أمير المؤمنين علي﵇، قال: خرج أمير المؤمنين﵇ فجلس في المسجد واجتمع أصحابه حوله، وجاء الحسين﵇ حتى قام بين يديه، فوضع يده على رأسه فقال: «يا بني إن الله عيّر أقواماً بالقران، فقال: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}، وأيم الله ليقتلنك بعدي ثم تبكيك السماء والأرض».
2. نقل الشيخ الصدوق رحمه الله رواية في الأمالي، سوف يأتي تحقيق سندها عند الحديث عن عدد الجيش الذي واجه الحسين﵇، وقد ذكر فيها عن الإمام الحسن المجتبى﵇ وهو على فراش مرضه الذي توفي فيه مسموما، أنه قال لأخيه الحسين:.. لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنهم من أمة جدنا محمد﵌، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار427.
3. وذكر أبو الفضل بن طيفور في كتابه بلاغات النساء، ناقلا خطبة (أم كلثوم) بسنده إلى الإمام الصادق عن آبائه﵈، وقد ذكرت فيها ما يشير إلى أن السماء قد مطرت دماً فقد قال في كتابه:
واخبر هارون بن مسلم بن سعدان قال اخبرنا يحيى بن حماد البصري عن يحيى بن الحجاج عن جعفر بن محمد عن آبائه قال لما ادخل بالنسوة من كربلاء إلى الكوفة كان علي بن الحسين﵇ ضئيلاً قد نهكته العلة ورأيت نساء أهل الكوفة مشققات الجيوب على الحسين بن علي﵇. إلى قال ناقلا الخطبة: أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم وأي كريمة له أبرزتم وأي دم له سفكتم لقد جئتم بها شوهاء خرقاء شرها طلاع الأرض والسماء أفعجبتم أن قطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينظرون428.
4. ونقل ابن قولويه429 في كامل الزيارات عن الإمام الباقر﵇ كامل الزيارات انه قال: «ما بكت السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلا على الحسين بن علي فإنها بكت عليه أربعين يوماً».
5. وكذلك ما نقله في كامل الزيارات430 عن الإمام الصادق﵇، قال: لم تبك السماء إلا على الحسين بن علي ويحيى بن زكريا﵉.
وكذلك في تفسير قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}، قال: لم تبك السماء على احد منذ قتل يحيى بن زكريا حتى قتل الحسين﵇، فبكت عليه.
6. وفي رواية الريان بن شبيب431 عن الإمام الرضا﵇: «يا بن شبيب لقد حدثني أبي عن أبيه عن جده﵈ أنه لما قتل جدي الحسين صلوات الله عليه أمطرت السماء دما وترابا احمر»432.
هذه الروايات عن أهل البيت﵈ وغيرها كثير، يستطيع المتتبع أن يرجع إلى كامل الزيارات، وغيره من الكتب الحديثية المصنفة في ما جرى بعد شهادة الحسين﵇، وقسم منها أسانيدها صحيحة سواء على القول بتوثيق ابن قولويه لكل من ورد اسمه في كتابه أو على القول الآخر، ولها أسانيد متعددة.. تفيد الباحث اطمئنانا قويا بحصول هذا الأمر.. وإن كان تصوره أو معرفة كيفيته فيه صعوبة لا سيما بالنسبة لمن هو مستغرق في الحسيات والمشاهدات العادية.
ب. القضية في نصوص المؤرخين ورواة السنة:
لم يقتصر نقل القضية المذكورة على محدثي الشيعة عن أئمتهم وإنما نقلها مؤرخو ومحدثو السنة في كتبهم المختلفة، بطرق متعددة واليك بعض ما وجدناه في هذا الموضوع:
فقد نقل الحافظ محمد بن حبان السجستاني (توفي سنة 354هـ) في كتابه (الثقات)433 الخبر المذكور في ذكره للنساء الراويات قال:
نضرة الأزدية من أهل البصرة تروي عن الحسين بن علي روى عنها البصريون حدثنا بن قتيبة بعسقلان قال حدثنا العباس بن إسماعيل مولى بنى هاشم قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثتنا أم شوق العبدية قالت حدثتني نضرة الأزدية قالت لما قتل الحسين بن علي مطرت السماء دماً فأصبح جرارنا وكل شيء لنا ملأى دماً.
ونقل نفس الخبر أيضاً عنها ابن عساكر (توفي سنة 571هـ) في كتابه تاريخ مدينة دمشق.
وفي تفسير القرطبي (ت671هـ) عن قرة بن خالد: ما بكت السماء على احد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي وحمرتها بكاؤها434 وفي موضع آخر من التفسير عن سليمان القاضي قال: مطرنا دما يوم قتل الحسين435.
كما أن الحافظ الهيثمي (توفي سنة 807هـ) قد نقل في كتابه مجمع الزوائد حديث محمد بن شهاب الزهري المشير إلى نفس الموضوع فقال:
«قال: قال لي عبدالملك أي واحد أنت أن أعلمتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين فقال قلت لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط !
فقال لي عبدالملك: إني وإياك في هذا الحديث لقرينان. رواه الطبراني ورجاله ثقات. وعن الزهري قال ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن على إلا عن دم. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وعن أم حكيم قالت قتل الحسين وأنا يومئذ جويرية فمكثت السماء أياما مثل العلقة. رواه الطبراني ورجاله إلى أم حكيم رجال الصحيح».
وعن جميل بن زيد قال: «لما قتل الحسين احمرت السماء قلت أي شيء تقول؟ قال: إن الكذاب منافق.. إن السماء احمرت حين قتل. رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه»436.
ولذا تعتري المتأملَ الحيرةُ من صفاقة ابن كثير عندما يذكر أن ذلك مما بالغ فيه الشيعة بكذب فاحش!! فقد روى هذه الآثار الطبراني ورجالها كما تقدم هم رجال الصحيح، ولكنها الحالة الأموية والطبع يغلب التطبع! و(شنشنة نعرفها من أخزم)، فالذي يستكثر على الحسين﵇ أن يبكي عليه من سماهم (جهلة الرافضة) ويقبح فعلهم ذاك. كيف يقبل أن يتفاعل الكون مع مصيبة الحسين؟
جـ. يتلو الكتاب على السنان:
القضية الأخرى التي ذكرت في السؤال:، تكلم رأس الحسين وهو على الرمح. وقد ذكرت هذه القضية في بعض الكتب والمصادر الشيعية، منها كتاب الإرشاد للشيخ المفيد قدس سره ففيه ورد ما يلي:
روي عن زيد بن أرقم أنه قال: مر به علي وهو على رمح وأنا في غرفة، فلما حاذاني سمعته يقرأ: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} فقف ـ والله ـ شعري وناديت: رأسك والله ـ يا بن رسول الله ـ أعجب وأعجب. ولما فرغ القوم من التطواف به بالكوفة، ردوه إلى باب القصر، فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس ودفع إليه رؤوس أصحابه، وسرحه إلى يزيد بن معاوية عليهم لعائن الله ولعنة اللاعنين في السماوات والأرضين، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة، حتى وردوا بها على يزيد بدمشق437.
ونقل الحادثة محمد بن سليمان الكوفي (كان حيًّا سنة 300) في كتابه (مناقب أمير المؤمنين﵇)438 عن شاهد عيان آخر وهو المنهال بن عمرو فقال: «حدثنا أبو أحمد قال: سمعت محمد بن مهدي يحدث عن عبد الله بن داهر الرازي عن أبيه عن الأعمش: عن المنهال بن عمرو قال: رأيت رأس الحسين بن علي على الرمح وهو يتلو هذه الآية: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} فقال رجل من عرض الناس: رأسك يا بن رسول الله أعجب؟!».
ونقله بعدهما أكثر الذين ترجموا للإمام الحسين﵇ كالأربلي في الفصول المهمة، والمجلسي في البحار وغيرهما.
كما ذكرت الحادثة في بعض المصادر غير الشيعية مثل: تاريخ بن عساكر439 حيث ذكرها بسنده إلى المنهال بن عمرو، بشيء من التغيير، وحاصله أن الذي كان يقرأ السورة هو شخص كان أمام الرأس فلما قرأ {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} قال: فأنطق الله الرأس بلسان ذرب فقال أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي.
وقد نقل الشيخ الأحمدي الميانجي في كتابه مواقف الشيعة440 كلاماً جيداً عن الشيخ الصدوق رحمه الله في ما يرتبط بالواقعة ننقله هنا، فقد ذكر تحت عنوان (مناظرة حول كلام رأس الحسين﵇):
«فلما ورد الصدوق عليه من الغد وأخذ الملك في مدحه وثنائه أظهر بعضهم بحضرته أن هذا الشيخ يرى أن رأس الحسين﵇ كان يقرأ على القناة سورة الكهف. فقال الملك: ما عرفنا منه ذلك حتى أن نسأله، فكتب إليه رقعة يذكر فيه هذه النسبة.
فكتب في جوابه: «نعم بلغنا أن رأسه الشريف قرأ آية من تلك السورة المباركة، ولكنه لم يصل إلينا من جانب الأئمة﵈، ولا ننكره أيضاً لأنه إذا كان من الأمر الجائز المحقق تكلم أيدي المجرمين وشهادة أرجلهم الخبيثة يوم القيامة بما كانوا يكسبون، كيف لا يجوز أن يتكلم رأس ابن رسول الله﵌ وخليفته في أرضه وإمام الأئمة وسيد شباب أهل الجنة بتلاوة القرآن المجيد والذكر الحميد، وتظهر منه هذه الكرامة العليا بإرادة إلهه القادر على ما يريد؟ فإنكاره في الحقيقة إنكار لقدرة الله أو جحود لفضيلة رسول الله، والعجب ممن يفعل ذلك وهو يقبل أنه بكته ملائكة السماء، وأمطرت على مصيبته من الأفلاك الدماء، وناحت عليه الجن بطريق الشيوع، وأقيمت مراسم عزائه في جميع الأصقاع والربوع، بل من أبى عن قبول أمثال ذلك مع تحقيقه وسلامة طريقه كيف لا يأبى عن صحة شرايع النبيين ومعجزاتهم المنقولة بأمثال هذه الطرق عاليا إلى أهل الدين؟ فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الفاسقين».
�س: لماذا لا نرى أثراً واضحاً للزوجات في كربلاء؟ وما هي أدوارهن لو كانت موجودة؟
الجواب: إننا نلاحظ أن المجتمع العربي بما فيه من سمات كان لا يُظهر شؤون المرأة عموماً، والزوجة خصوصاً، ويرى أن ما يناسب الاستتار والاحتجاب هو المطلوب، وبطبيعة الحال فإن الأخبار وكثرة الأخبار عن النساء لم يكن يتناسب وتلك الحالة.
بل ربما كان هذا وإلى يومنا الحاضر في بعض المجتمعات العربية موجودا، وهو إذا كان في أيام السلم ملحوظا، فإنه في أيام الحرب والمواجهة أكثر وضوحا خصوصاً أن الحرب وما فيها من خشونة ومعاناة كانت تدعو العرب لإبعاد النساء عنها وعن قضاياها.
وجاءت تعليمات الإسلام في لزوم استتار المرأة عن الأجانب، وأن لا تكون مصدر إغراء وشهوة محرمة، لتثبت بعض المعاني المذكورة آنفاً في المجتمع العربي، بل ربما تطرف في ذلك.
غير أن هذا لم يكن يعني أنه لم يكن للنساء دور ـ إيجابي أو سلبي ـ في القضايا التي وقعت في تاريخ المسلمين.
ففي كربلاء وقضية عاشوراء نستطيع أن نلحظ جانبا من تأثير الزوجات على أزواجهن وأبنائهن، وإن كان ما نقله المؤرخون لا يشكل إلا نسبة قليلة من الأصل، تبعا للملاحظة المذكورة في أول الجواب. ولكن هذا المنقول يعطي صورة تقريبية لذلك الدور:
ففي الجانب الايجابي:
نجد زوجة زهير بن القين441 التي شجعت زوجها على الاستجابة لرسول الحسين﵇.
و أم وهب (قمر بنت عبد) زوجة عبد الله بن عمير الكلبي، التي كانت مع زوجها، وهي التي خرجت بعده تشجعه على القتال442.
ويذكر الخطباء أيضاً تشجيع زوجة حبيب بن مظاهر الأسدي له للخروج إلى نصرة الحسين﵇ وينقلون في ذلك حوارا يشير إلى هذا المعنى فيه من الحماسة الشيء الكثير، ولكني لم أعثر فيما لدي من المصادر على الحادثة.
وبعد حادثة كربلاء، فقد اتخذت بعض الزوجات موقفا شديدا تجاه أزواجهن ممن شاركوا في المعركة ضد الحسين وأصحابه، ويذكر المؤرخون في ذلك زوجة كعب بن جابر التي عارضته، بعد رجوعه وقالت له: أعنت على ابن فاطمة وقتلت شيخ القراء، والله لا أكلمك من رأسي كلمة443.
ومنهن زوجة خولى بن يزيد الأصبحي، واسمها النوار بنت مالك بن عقرب فقد نقل بسنده عنها: «قالت أقبل خولى برأس الحسين فوضعه تحت أجانة في الدار ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر ما عندك؟ قال: جئتك بغنى الدهر هذا رأس الحسين معك في الدار! قالت: فقلت: ويلك جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا!قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار فدعا الأسدية (زوجته الثانية) فأدخلها إليه، وجلست أنظر قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الأجانة ورأيت طيرا بيضا ترفرف حولها قال فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله»444.
ومن أولئك أم عبد الله بنت الحر البدي، زوجة مالك بن النسر البدي التي رفضت أن يدخل زوجها البيت ومعه سلب الحسين﵇ 445.
وفي الجانب السلبي أيضاً وجدنا بعض تلك الآثار، فإن من المعلوم أن التي منعت مسلما أن يقتل ابن زياد في بيت هاني بن عروة هي زوجته، التي هي بنت الحجاج الزبيدي، وأخت عمرو بن الحجاج الزبيدي قائد إحدى الفرق العسكرية الأموية في كربلاء، ولم يكن على وفاق مع الخط العلوي والحسيني، ونحن وإن كنا نعتقد أن هناك أسبابا أخرى أيضاً جعلت مسلما يمتنع عن اغتيال ابن زياد446، إلا أن هذا الموقف أيضاً يبين الدور السلبي الذي يمكن للزوجة أن تمارسه حتى على خلاف رغبة زوجها، وخطه.
ونحن لا نعلم هل كان لبحرية بنت المنذر العبدي447 زوجة عبيد الله بن زياد، دور في وشاية عمرو برسول الحسين﵇ الذي جاء إلى البصرة؟ وهل أنها مثلا أشارت على أبيها أو أن هذا الأب هو قد تبرع بإيصال رسول الحسين خوفا على ابنته، أو لم يكن لها ارتباط.
والمنذر بن الجارود العبدي هو الذي جاء برسول الحسين، زاعما أنه خاف أن يكون دسيساً من ابن زياد فقدم الرسول وضرب عنقه.
�س: كيف يمكن التوفيق بين ما هو معلوم من منزلة مسلم بن عقيل الكبيرة عند الحسين وبين رسائله إلى الحسين، والتي يقول فيها مسلم أنهم الاستمرار، وجواب الحسين له الذي يشم منه الاتهام بالجبن لمسلم؟
الجواب: ذكر الطبري في تاريخه القضية هكذا:
«دعا (الحسين) مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي فأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجل إليه بذلك فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله﵌ وودع من أحب من أهله ثم استأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلاَّ الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان: هذا الطريق حتى ينتهي إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشاً.
فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلاَّ واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام فكتب إليه حسين أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك.
فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيء فنزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمي الصيد فنطر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبى عبيد»448. انتهى.
ولنا مع هذا النقل وقفات:
1. محل الحادثة: يظهر من النقل المذكور أن الحادثة قد وقعت بعدما استأجر مسلم دليلين من المدينة، ومات هذان الدليلان في مكان ما بمضيق الخبت ثم بعث مسلم رسالته إلى الحسين، ويفترض أن يكون ذلك بعد الخروج من المدينة باتجاه العراق، لكن أرباب المعاجم ذكروا أن منطقة الخبت بين المدينة ومكة، وليست بين المدينة والعراق.. وقد أشار إلى ذلك العلامة القرشي في كتابه حياة الإمام الحسين فقال: إن مضيق الخبت الذي بعث منه مسلم رسالته إلى الإمام يقع ما بين مكة والمدينة حسب ما نص عليه الحموي في حين أن الرواية تنص على أنه استأجر الدليلين من يثرب وخرجوا إلى العراق فضلوا عن الطريق ومات الدليلان ومن الطبيعي أن هذه الحادثة وقعت ما بين المدينة والعراق ولم تقع ما بين مكة والمدينة449.
وأنه لو كان هناك مكان يدعى بهذا الاسم يقع ما بين يثرب والعراق لم يذكره الحموي فان السفر منه إلى مكة ذهاباً وإياباً يستوعب زمانا يزيد على عشرة أيام في حين أن سفر مسلم من مكة إلى العراق قد حدده المؤرخون فقالوا: انه سافر من مكة في اليوم الخامس عشر من رمضان، وقدم إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال فيكون مجموع سفره عشرين يوماً، وهي أسرع مدة يقطعها المسافر من مكة إلى الكوفة فان المسافة بينهما تزيد على ألف وستمائة كيلومتر، وإذا استثنينا من هذه المدة سفر رسول مسلم من ذلك المكان ورجوعه إليه، فان مدة سفره من مكة إلى الكوفة تكون أقل من عشرة أيام ويستحيل عادة قطع تلك المسافة بهذه الفترة من الزمن450.
2. قول مسلم: بحسب النقل المذكور: «وقد تطيّرت من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري».
والتطير: من الطيرة، وهي ـ كما قالوا ـ ما يتشأم به من الفال الرديء وقد كانت سائدة عند العرب في الجاهلية فأبطلها الإسلام وألغى آثارها، وقيل: إن الأصل فيه أنهم كانوا إذا أرادوا غزو قوم عمدوا في طريقهم إلى ما يرون من أوكار الطيور فيزعجونها ويطيرونها عنها يتفاءلون بذلك لتفريق العدو والأبعاد من المنزل أو أنها إن أخذت يمينا تيمنوا وذهبوا يمينا في الحاجة وإن أخذت شمالا تشاءموا ورجعوا أو كانوا يطلقون الظباء فإن تيامنت استبشروا وإن تياسرت تراجعوا ثم استعمل هذا اللفظ في مطلق الفال سواء كان بإطارة الطيور عن أعشاشها أو بغير ذلك مما كانوا يتفألون به مثل نعب الغراب وإقعاء الذئب واعتراض الصيد وغيرها ثم خص بالفال الرديء..
ونجد أن الجاهليين المكذبين للأنبياء كانوا يجعلون التطير (حجة) كافية لتكذيبهم الأنبياء فالقرآن يتحدث عن قوم صالح {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ}451 وكما قال أصحاب القرية لأنبيائهم: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}452.
ولأنها تنمي الفكر الخرافي من جهة، وتضيع على المجتمع كثيراً من فرص الخير والعمل لأجل أن العصفور قد اتجه شمالا، لأنه مثلا وجده أقرب لنجاته! أو غير ذلك، فتتعطل الأمور العامة تبعاً لاختيار العصفور أو اتجاه الغراب!فقد نهى الإسلام عنها، وذكّر المعصومون أنها لا أثر له. ولك أن تتصور مجتمعا يعتمد في اختياراته وقراراته على نعيب الغراب، وما شابه.
بل إنها في بعض الحالات تصل إلى درجة من درجات الشرك، وذلك عندما يعتقد المتطير أن التوفيق قرين الطير المتيامن، وأن الشر سيحصل بسبب توجهه إلى الشمال.. وينسى أن الله سبحانه وتعالى هو المؤثر الوحيد في هذا الكون، وليس تيامن أو تياسر الطير من الأسباب التي جعلها الله في عالم التكوين لشيء.
ففي الحديث عن رسول الله﵌: «الطيرة شرك». وعنه أيضاً: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». وأنه: «من خرج يريد سفرا فرجع من طير فقد كفر بما أنزل على محمد». و: «ليس منا من تطير ولا من تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له»453.
ولعله لهذا السبب جعل «كفارة الطيرة التوكل» على الله والاعتقاد بأنه لا يصنع الخير ولا يدفع الشر إلا الله كما روي عن رسول الله «كان يأمر من رأى شيئا يكرهه ويتطير منه أن يقول: اللهم لا يؤتي الخير إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» ويأمره بالمضيّ على خلاف ما تُطير به. فقد جعل علاج التطير خلافه فقال كما في الحديث عن رسول الله «إذا تطيرت فامض».
هذا هو التطير: عادة جاهلية قد تجر في حالات إلى الشرك، وهي ليست في المؤمنين ولا سيما في أهل البيت: ما منا من يتطير ولا من يتطير به، وعلاجها أن يمضي الإنسان متوكلاً على الله في سبيله..
فهل يعقل بعد هذا أن يكون مسلم الذي هو (ثقة) الحسين، وفي بعض المرويات المفضل عنده من أهل بيته أن يتطير من ذلك الطريق الذي مضى فيه ويفكر في الرجوع عن تلك المهمة العظيمة التي أوكلت إليه؟
إن من يريد الرجوع عن مهمة لا بد أن يبدي سببا معقولا عند نفسه أولاً وعند من وجهه ثانياً، والتطير لم يكن معقولا لا عند مسلم ولا عند الحسين.
3. قول الحسين: بحسب المنقول «.. فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له..».
وهذا المقطع أعجب من سائر مقاطع الرسالة: فإذا كان الإمام يعتقد أن مسلما جبان وهو لم يصل إلى الكوفة، فكيف يكون بعد وصوله إليها وهي لا تزال في سيطرة الأمويين، وواليها لا يزال يمسك بزمام الأمور؟ وكيف سيواجه الجيش الموالي للأمويين هناك؟
إن رسول المرء ترجمان عقله، ودليل حكمته، فإذا كان الحسين﵇ يرسل من جبن قبل المواجهة454، فهل يكون حكيما؟
في الواقع هذا طعن في الحسين أولا وفي مسلم ثانياً..
ثم ما الذي كان يملكه الحسين من قوة ضغط لكي (يجبر) مسلماً على الذهاب بالرغم من تطيره كما يزعمون؟
إضافة إلى ذلك فإن مسلما معروف بشجاعته فإن معاركه مع المهاجمين له وهو مفرد في بيت طوعة في الكوفة لتشير إلى هذا المعنى، فقد رد المهاجمين أكثر من مرة، ولولا أنهم آمنوه لما استطاعوا أن يقبضوا عليه455. فاتهامه بالجبن في ذلك النص مخالف للواقع، ولمعرفة الحسين به، ولحكمة الحسين في اختياره لتلك المهمة، ولذلك يصعب أن يُقبل ذلك النص بهذه الكيفية.
�س: عن التربة الحسينية، فماذا يعني أن يكون فيها الشفاء؟ وهل تلك خصوصية لتربة الحسين أو لقبور المعصومين عموما؟ وهل تؤخذ من أي مكان سواء من القبر أو من نواحي كربلاء؟
الجواب: ورد موضوع التربة في كلمات فقهائنا في موارد متعددة؛ فقد ورد ذكره في تحنيك الطفل أول ولادته، وفي القبر يستحب أن يوضع مع الميت شيء من تربة الحسين، وفي باب حرمة أكل الطين إلا طين قبر الحسين لأجل الاستشفاء، وفي باب السجود في الصلاة وأنها خير ما يسجد عليه، وفي أنه يستحب أن يكون لدى المؤمن سبحة من طين قبر الحسين وفي استصحابها في السفر وأنها أمان من كل خوف.
أما خصوصية التربة الحسينية في الشفاء، فتارة يتم الحديث عنها ضمن الإطار الظاهري الذي ذكره البعض من العلماء الطبيعيين في شأن التيمم وأنه كيف يكون التراب والغبار (أحد الطهورين) وذكروا في حينه أن في التراب من العناصر الشيء الكثير الذي يعتبر من المضادات الحيوية لكثير من الأمراض.. ولا أعلم عن هذه الجهة الطبيعية، فنقلها يكون على عهدتهم.
وأخرى يتم عنها خارج هذا الإطار، وحاصله أنه لا شك في أن بين عناصر الطبيعة تفاعلا، وتكاملا، ويمكن الاستفادة من تلك العناصر نباتية كانت أو حيوانية أو جماداً في قضايا الاستشفاء، والعلاج. فترى الأطباء يكتشفون في كل يوم عقارا جديدا من الطبيعة.
وقد كان الطب القديم يعتمد اعتماداً كبيراً على مثل هذه الأمور. وعمدة العلاجات عندهم هي هذه العناصر الطبيعية. وبعضها كان يتم اكتشاف تأثيرها من خلال التجربة والعلم البشري، وبعضها الآخر كان يُعرف تأثيرها من خلال إرشادات الأنبياء والأولياء لها، فها نحن نجد في القرآن الكريم456 حديثه عن جملة أمور تبين تأثيرها في العلاج والدواء. بل في بعضها إن الصدقة تنفع في شفاء المرض مع أنه لا يوجد ارتباط ظاهري بين الأمرين. فإذا وصل الخبر الصحيح عن المعصومين في تأثير شيء في شيء ولم يكن هناك محذور عقلي يمنع من الالتزام به، فما المانع من الإيمان به؟ ولماذا لا يعتقد بأن الله سبحانه كما جعل في العسل قدرة شفائية وفي الثوم قدرة علاجية، وفي سائر الخضروات، والبقول، بل والأحجار457.
وقد روى الجمهور في كتبهم عن أن غبار المدينة يشفي من الجذام458 وفي جامع الأصول لابن الأثير عن سعد قال: لما رجع رسول الله﵌ من تبوك تلقَّاه رجال من المخلَّفين من المؤمنين، فأثاروا غباراً، فخمَّر ـ أو فغطّى ـ بعضُ مَنْ كان مع رسول الله﵌ أنفه فأزال رسول الله اللثام عن وجهه وقال: والذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء.
وقد صحت الأخبار الكثيرة عن أهل البيت﵈ في تأثير تربة قبر الحسين في شفاء الأمراض، وعضدها ما لا يحصى كثرة من التجارب العملية في مختلف الأعصار، مما يضعف احتمال أن يكون الشفاء حاصلاً لأجل الأثر النفسي والاستعداد الداخلي للتفوق على المرض فقط.
فمن تلك الأخبار:
1. ما رواه في الكافي وهو موثق ابن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد الله﵇: يأخذ الإنسان من طين قبر الحسين﵇ فينتفع به ويأخذ غيره ولا ينتفع به؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو ما يأخذه أحد وهو يرى أن الله ينفعه به إلا نفعه به»459.
2. وخبر يونس بن الربيع عن أبي عبد الله﵇ قال: «إن عند رأس الحسين﵇ لتربة حمراء فيها شفاء من كل داء إلا السام، قال: فأتينا القبر بعد ما سمعنا هذا الحديث فاحتفرنا عند رأس القبر فلما حفرنا قدر ذراع ابتدرت علينا من رأس القبر مثل السهلة حمراء قدر الدرهم فحملناها إلى الكوفة فمزجناه وأقبلنا نعطي الناس يتداوون بها»460.
3. وفي كامل الزيارات نقل رواية سليمان البصري عن أبي عبد الله﵇، قال: «في طين قبر الحسين﵇ الشفاء من كل داء، وهو الدواء الأكبر»461.
4. مرسلة محمد إسماعيل عن الصادق﵇ قال: «إن طين قبر الحسين﵇ شفاء من كل داء»462.
وأما عن اختصاص تربة الحسين﵇ أو اشتراك تراب قبور سائر الأئمة﵈ في تلك الميزة، فالذي يظهر أن هناك اتفاقا بين علمائنا على اختصاص تراب قبر الحسين بجواز الأكل للاستشفاء، بالرغم من أن هناك بعض الروايات يستفاد منها أن تراب سائر قبور المعصومين﵈ أيضاً يجوز الاستشفاء منها لكن أعرض عنها الأصحاب، خصوصا مع وجود روايات ناهية عن ذلك مثل «فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة الحسين» معللة في بعضها أن ذلك من مختصات تربة الحسين﵇.
ففي كتاب الأطعمة والأشربة يذكر العلماء أنه يحرم أكل الطين، ولكن قد استثني من ذلك طين قبر الحسين بمقدار يسير (بعضهم حده بمقدار الحمصة) لأجل الاستشفاء. وأنه لا يلحق بذلك قبور سائر المعصومين﵈ في جواز أكل طين قبورهم، بل في رواية عن الإمام الكاظم﵇ نهي عن اخذ شيء من تربة قبره (ولا تأخذوا من تربتي شيئا لتبركوا به، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي﵉ فإن الله عز وجل جعلها شفاء لشيعتنا وأوليائنا)463.
أما القرب والبعد عن القبر فلا شك أنه كلما كانت التربة مأخوذة من قرب القبر كان أفضل، وهناك روايات فيها أنه يؤخذ (من عند القبر على سبعين ذراعا) بل في بعضها (أربعة أميال) والجمع بينها كما ذكر العلماء هو بتفاوت درجات الفضيلة بحسب القرب والبعد عن القبر الشريف.
سؤال عن كنية الحسين بأبي عبد الله:
�س: لماذا كني الحسين﵇ بأبي عبد الله؟ مع أنه الولد الأصغر هل ذلك لعظم مصيبته؟
الجواب: الكنية وهي ما صُدّر بأب أو ابن أو أخ أو بنت.. هي اسلوب من أساليب التكريم والاحترام يوجد لدى المجتمعات العربية.. والأصل فيها أن يكنى الشخص باسم ابنه الأكبر، فإن لم يكن له ذكر كُني باسم ابنته.
وأصبح من المعروف في المجتمع العربي أن المناداة بالكنية تعني التوقير والاحترام بخلاف المناداة بالاسم المجرد، حتى أنه ورد أيضا في الحديث الشريف عن الإمام أبي عبد الله الصادق﵇ أنه قال: « من السنة والبر أن يكنى الرجل باسم ابنه (وفي نسخة أبيه) وبناء على الأول يكون من المستحب للناس والبر منهم أن يكنوا الرجل باسم ابنه، وبناء على الثاني يكون من المستحب له أن يكتني باسم أبيه، فتكون كنيته باسم والده فلو كان اسم والده عبد الله فليكتن بأبي عبد الله.
وليست الكنية مقصورة على من كان لديه ولد بالفعل، بل حتى لو كان صغيرا وليس من شأنه أن يكون له ولد يستحب تكنيته فـ «هذا عبد الله بن مسعود كناه رسول الله﵌ وسلم أبا عبد الرحمن قبل أن يولد له». كما في المستدرك 3 ص 313.وهذا محمد بن طلحة كناه﵌ وسلم أبا القاسم وهو رضيع. وهذا أخو أنس بن مالك بين عينيه كناه رسول الله﵌ وسلم بأبي عمير وكان صغيرا لم يبلغ الحلم، وهذا أنس كناه﵌ وسلم أبا حمزة ولا حمزة له464..وفي الحديث عن أبي جعفر الباقر﵇ أنه قال: إنّا لكنّي أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم.
وكان العرب يكنون أبناءهم منذ الصغر تفاؤلا بأن يعيشوا ويولد لهم أولاد، وتبقى كنيتهم كذلك.
ونحن نعتقد أن كنية الحسين كانت بهذا النحو وأن النبي المصطفى قد كناه بأبي عبد الله منذ صغره. ربما لبره صلوات الله عليه بأبيه عبد الله، وهذا الأمر الذي وجه به محمد بن طلحة الشافعي465 حديثا في صفة المهدي (واسم ابيه اسم أبي)466.
ولم أعثر فيما لدي من المصادر عن نص صريح يوثق قيام النبي﵌ بتكنية الحسين، إلا أن تولي النبي تكنية آخرين حتى وهم صغار السن كما ذكر آنفا في محمد بن طلحة وأخ أنس بن مالك، مما يشير لاستحباب ذلك من جهة، وتولي النبي المصطفى لأمور سبطه، حتى فيما يرتبط باسمه وأن عليا وفاطمة لم يسبقا النبي بتسميته، قد يشير إلى هذا المعنى، مع ملاحظة أن (أبا عبد الله) كنيته الوحيدة..نعم قد نقل أن النبي كان يقبله ويقول: عزيز علي أبا عبد الله 467.. فإذا تم هذا الكلام فإنه يكون أقدم حادثة تشير إلى هذه الكنية.
وبناء على ما تقدم فهناك اعتقاد بأن كنية الحسين﵇ بأبي عبد الله كانت منذ صغره، (للاستحباب الذي ذكرناه أو تفاؤلا ببقائه أو هما معا) فلما صارت هذه كنيته وفرضنا أنها من الرسول﵌، لم تتغير حتى بعد أن أنجب الإمام﵇، ولده الأكبر عليا، ثم السجاد..
الهوامش
- 323. وسيلة الدارين صفحة 53.
- 324. الخرائج والجرائح ـ قطب الدين الراوندي ج 2 ص 751، وقبل ذلك ذكر الصدوق في عيون أخبار الرضا 1/ 135 في رواية أنها ماتت نفساء بابنها زين العابدين.
- 325. نشير في هذا المجال إلى أن زهير بن القين كان خارج الكوفة، وكان معه زوجته دلهم (ديلم) بنت عمرو، وكان لها دور في تشجيعه على الالتحاق بالحسين، وعندما علم بأنه ذاهب للشهادة، وكل بها من يردها إلى أهلها.
- 326. يراجع سؤال: عدد الذين التحقوا بمعسكر الحسين من الجيش الأموي، في هذا الكتاب.
- 327. في خبر عن الإمام الصادق﵇: «إن الله عوّض الحسين من قتله أنّ الإمامة من ذريته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تعد أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره»، الحر العاملي، الوسائل، ج14، ص423.
- 328. من جميل الاتفاقات التي أتفاءل بها أن بداية القسم الأول كانت في مدينة الرسول﵌ ونهاية اللمسات الأخيرة على القسم الثالث أيضاً في رحابه المباركة في يوم الجمعة 26/ 4/1424هـ..
- 329. سورة يوسف آية: 88.
- 330. سورة يوسف آية: 108.
- 331. سورة الأعراف آية: 62.
- 332. سورة الأعراف آية: 68.
- 333. سورة الأحقاف آية: 23.
- 334. سورة هود آية: 57.
- 335. سورة النحل آية: 35.
- 336. عيون أخبار الرضا﵇، الصدوق، الشيخ محمد بن علي، ج 2، ص275: «حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه قال: حدثنا على بن محمد بن قتيبه النيسابوري عن حمدان بن سليمان عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن على بن موسى الرضا﵇ يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا».
- 337. في كتاب (أضواء على الصحيحين) للشيخ محمد صادق النجمي، ص 146، نقل عن عدد من الكتب، ما قاله الحافظ ابن العربي المالكي (ت 543هـ) عند شرحه حديثاً وقد كان الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني شيخ العلماء والزهاد رأى الباري في المنام، فقال له: رب أسألك التوبة ثلاثين سنة أو أربعين سنة ولم تستجب لي بعد! فقال له: يا أبا إسحاق، إنك سألت في عظيم، إنما سألت حبنا. ونقل الشعراني وابن الجوزي والشبلنجي عن أحمد بن حنبل أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب، ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ فقال: بكلامي يا أحمد، فقلت: بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم، وقال الآلوسي (1270هـ) صاحب (تفسير روح المعاني) فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربي مناما ثلاث مرات، وكانت المرة الثالثة في السنة 1246بعد الهجرة، رأيته جل شأنه وله من النور ماله، متوجها جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حتى استيقظت!!
- 338. سورة الصافات آية 102.
- 339. سورة يوسف آية 4.
- 340. سورة الأنفال آية 43.
- 341. سورة الفتح آية 27.
- 342. في صحيحة سعد بن أبي خلف عن أبي عبد الله﵇ قال: «الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام».
- 343. يمكن أن تكون هذه النسب بملاحظات مختلفة، فبالنظر إلى الجانب العملي والجانب العلمي، أو السلوكي والفكري، تكون التقية ومن معانيها (الحكمة في التعامل) نصف الدين، ولذا كان النبي﵌ {يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}.
- 344. يهرج بعض على التشيع أنه كيف تكون التقية دينا؟ وينسى هؤلاء أو يجهلون أن هذا تعبير عن الاهتمام الزائد بالموضوع المذكور وأنه يعبر عن السنة والمنهج، مثل أن (النكاح سنتي).
- 345. النمازي، الشيخ علي، مستدرك سفينة البحار، ج9 ص63.
- 346. نهج البلاغة رقم 206.
- 347. يراجع كتاب: بناء القادة في منهج أهل البيت﵈، فصل المواصفات العامة للتربية الرسالية، للمؤلف.
- 348. الأحاديث من ميزان الحكمة، ج1.
- 349. الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، ج1، ص23.
- 350. الأشتري، ورام بن أبي فراس: تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بـ(مجموعة وارم)، ج2، ص227.
- 351. النوري، الميرزا حسين: مستدرك الوسائل، ج12، ص302.
- 352. المصدر السابق، ص303.
- 353. الشيخ أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي أستاذ رشيد الدين محمد بن علي بن شهراشوب السروي الذي توفي سنة (588هـ) عن مائة سنة إلا عشرة أشهر، فهو من أهل المائة الخامسة الذين أدركوا أوائل السادسة أيضاً، له كتاب (الاحتجاج) فيه احتجاجات النبي﵌ والأئمة﵈ وبعض الصحابة وبعض العلماء وبعض الذرية الطاهرة وأكثر أحاديثه مرسل إلا ما رواه عن تفسير العسكري﵇ كما صرح به في أوله بعد الخطبة التي أولها: «الحمد لله المتعالي عن صفات المخلوقين المنزه عن نعوت الناعتين» إلى قوله: «ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو موافقته لما دلت العقول عليه أو لاشتهاره في السير والكتب من المخالف والمؤالف، إلا ما أوردته عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري﵉ فإنه ليس في الاشتهار على حد ما سواه» إلى آخر كلامه الصريح في أن كل ما أرسله فيه هو من المستفيض المشهور المجمع عليه بين المخالف والمؤالف، فهو من الكتب المعتبرة التي اعتمد عليها العلماء الأعلام كالعلامة المجلسي قدس سره والمحدث الحر قدس سره وأضرابهما.. عن الذريعة ـ آقا بزرگ الطهراني ج 1، ص 281، له غير الاحتجاج (تاريخ الأئمة)، و (فضل الزهراء﵍)، و (مفاخر الطالبية)، و (الكافي في الفقه).
- 354. الطبرسي، الشيخ أحمد بن علي، الاحتجاج، ج2، ص29.
- 355. النقدي ؛ الشيخ جعفر: زينب الكبرى / 43.
- 356. صحيحة رواها الشيخ الصدوق في الخصال عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: «حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، وإبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبدالحميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر﵇ قال: قال علي﵇: «علمني رسول الله﵌ ألف باب يفتح ألف باب».
- 357. نهج البلاغة، الكتاب رقم 31.
- 358. هذا بناء على غير الرأي القائل بأن هذه الخطبة وأمثالها هي من نحو التعليم للآخرين، واستنان طريقة لهم.
- 359. الكافي ج1، ص62: «صحيحة إسماعيل بن جابر عن الصادق﵇ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ونحن نعلمه»، وموثقة سماعة: «سألت أبا الحسن موسى﵇ أكلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه برأيكم؟ فقال: بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه﵌». وما عن بصائر الدرجات، ص363: «عن الصادق﵇ إن رسول الله أنال وأنال وأنال ـ يشير بيده كذا وكذا ـ وعندنا أهل البيت أصول العلم وعراه وضياؤه وأواخيه».
- 360. نقله المحقق النراقي (ت 1245هـ) في مستند الشيعة.
- 361. هناك بعض الآراء الجديدة في صورة إثارات ودراسات ترى أن التحريم والنهي بالنسبة إلى المجسم من تماثيل الحيوان والإنسان من حيث إنه كان يكرّس ثقافات باطلة سابقة على الإسلام، ويعيد للذاكرة الحالات الجاهلية في تقديس المجسمات والأصنام وأن النهي قد صدر لهذه الجهة، ويرون أن الموضوع في هذه الأزمنة قد تغيّر، وأن النحت وصناعة التماثيل هي فن من الفنون التي يقصد منها إظهار المهارة والصور الجمالية، وأنها الآن لا ترتبط بتكريس تلك الثقافات الباطلة، فلا ينبغي أن يكون الموضوع واحداً في الحالين، ويضمون إلى ذلك مقدمة أخرى وهي أن بعض الأحكام تبعاً لتغير موضوعاتها ـ بحسب تطور الزمان ـ يمكن أن تتغيّر مع الإذعان بأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ولكنهم يرون أن الأحكام تتبع العناوين والمواضيع فإذا تغيّر العنوان والموضوع لحقه حكم الحلية بينما كان مثلاً في السابق حكمه الحرمة، فإنه وإن كان الزمان لا دخل له في تغيّر الأحكام إلا أن له دخلاً في تغير جهات الموضوع فيتغيّر الحكم تبعاً لها، مثلما ذكروا في بيع الدم فقد كان الرأي المشهور في السابق هو الحرمة لكونه نجساً ولعدم وجود منفعة عقلائية محللة له، بينما اليوم حلية بيع الدم هي المشهور بعدما صار الدم له منافع عقلائية واضحة. ولكن تبقى هذه الآراء في حدود الإثارات والدراسات، ولا يعتقد أن أحداً من المعروفين يفتي بها.
- 362. اعتماداً على روايات كصحيحة البقباق عن أبي عبد الله﵇ «في قول الله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ}؟ فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه».
- 363. للتفصيل يراجع كتاب: نساء حول أهل البيت﵈، للمؤلف.
- 364. قال السيد اليزدي رحمه الله في العروة الوثقى: «يجوز سلام الأجنبي على الأجنبية وبالعكس على الأقوى إذا لم يكن هناك ريبة أو خوف فتنة، حيث إن صوت المرأة من حيث هو ليس عورة». انتهى.. ولم يعلق على المتن أحد من العلماء مما يعني موافقتهم له (بالطبع السلام هنا لا يعني المصافحة حتى لا يشتبه الأمر على البعض!).
- 365. نعم قد ورد في كلمات بعض الفقهاء المتقدمين كـ(المحقق الحلي في الشرائع) عند الاستدلال على أنه لا يجوز للأعمى سماع صوت المرأة لأنه عورة، وعورض هذا الاستدلال عند المتأخرين بأنه لم يقم دليل على التعليل، وأنه حمل على ما لو كان بتغنج ومسبباً للإثارة الشهوانية. والعلامة الحلي في مختلف الشيعة في مسألة أذان المرأة للرجال معلقاً على قول شيخ الطائفة في المبسوط أنه لو أذّنت المرأة للرجال اعتدوا به وأقاموا، قال: الوجه المنع؛ لأن صوتها عورة. لكنه قطع في التذكرة بأن التحريم مشروط بصورة التلذّذ أو خوف الفتنة. والمحقق الكركي في جامع المقاصد في مسألة الأذان أيضاً واستدل كالعلامة. لكنه قيده في ج12 بأنه عورة يحرم استماعه مع خوف الفتنة لا بدونه، واستشكل الشهيد الثاني في المسالك في إطلاق الحكم اوشموله لغير صورة التلذذ (لما في ذلك من الحرج والضرر المنفي، ولعدم دليل صالح عليه، وكون صوتها عورة لا يدل على التحريم مطلقاً) واستجود اشتراط تحريم الاستماع بالتلذّذ أو خوف الفتنة.
- 366. وقال المحقق البحراني في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب تحريم سماع صوت المرأة الأجنبية، مبصراً كان السامع أو أعمى، وإطلاق كلامهم شامل، لما أوجب السماع، التلذّذ والفتنة أم لا، ولا يخلو من إشكال، لما علم من الأخبار المتكاثرة، من كلام النساء مع الأئمة﵈، وسؤالهن عن الأحكام، بل غير ذلك أيضاً، وسيما كلام فاطمة﵍ مع الصحابة، كسلمان وأبي ذر والمقداد، وخروجها للمطالبة بميراثها في المسجد من أبي بكر، وحضور جملة من الصحابة يومئذٍ، وإتيانها بتلك الخطبة الطويلة المتفق على نقلها، بروايات الخاصة والعامة، أشهر من أن ينكر، مع أنها معصومة ومن المعلوم أن خروجها إنما يكون بإذن أمير المؤمنين﵇، وهذا كله، مما يدفع ما ذكروه. نعم لا بأس بتخصيص الحكم، بما إذا أوجب التلذّذ والفتنة، وعليه يحمل ما أوهم خلاف ما ذكرناه». وقال صاحب الجواهر بعد أن تعرض إلى ما ذكره المحقق في متن الشرائع، وغيره من العلماء في أن صوتها على الأعمى والمبصر عورة ولا يجوز لهما استماعه وما يمكن أن يكون دليلاً على ذلك، قال: «لكن ذلك كله مشكل بالسيرة المستمرة في الإعصار والأمصار من العلماء والمتدينين وغيرهم على خلاف ذلك، وبالمتواتر أو المعلوم مما ورد من كلام الزهراء وبناتها عليها وعليهن السلام، ومن مخاطبة النساء للنبي﵌ والأئمة﵈ على وجه لا يمكن إحصاؤه ولا تنزيله على الاضطرار لدِين أو دنيا، بل قوله تعالى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} دال على خلاف ذلك أيضاً، ولعله لذا وغيره صرح جماعة كـ(الكركي والفاضل) في المحكي عن تذكرته وغيرهما ممن تأخر عنه كـ(المجلسي) وغيره بالجواز، بل بملاحظة ذلك يحصل للفقيه القطع بالجواز فضلاً عن ملاحظة أحوالهم في ذلك الزمان، من كونهم أهل بادية، وتقام المآتم والأعراس وغيرها فيما بينهم، ولا زالت الرجال منهم مختلطة مع النساء في المعاملات والمخاطبات وغيرها. نعم ينبغي للمتدينة منهن اجتناب إسماع الصوت الذي فيه تهييج للسامع وتحسينه وترقيقه حسبما أومأ إليه الله تعالى شأنه بقوله: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} إلى آخره، كما أنه ينبغي للمتدينين ترك سماع صوت الشابة الذي هو مثار الفتنة حسبما أومأ إليه أمير المؤمنين﵇ في تعليم الناس فيما رواه عنه الصدوق قال: كان رسول الله﵌ يسلم على النساء ويرددن عليه، وكان أمير المؤمنين﵇ يسلم على النساء ويكره أن يسلم على الشابة منهن، ويقول: أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ من الإثم أكثر مما أطلب من الأجر».. إلى آخر ما ذكره. وورد أن: «النساء عي وعورة فاستروا عيهن بالسكوت واستروا عوراتهن بالبيوت».
- 367. وسائل الشيعة (آل البيت) ج20 ص 197: محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلي بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان عن أبي بصير قال:.. وليس في السند من يتوقف فيه غير المعلى بن محمد (البصري) فالقوم فيه على رأيين: التضعيف لكلام النجاشي فيه أنه «مضطرب الحديث والمذهب» وقبول روايته كما عليه بعض أساتذتنا حيث إن كلام النجاشي ليس سوى وصف لحديثه لا للراوي، وهو مثل ما نقل عن ابن الغضائري: «أنه يعرف حديثه وينكر» وقد فسرت تلك الكلمات بأن أحاديثه ليست على مستوى واحد من المتانة والقوة والانسجام. كما أنه قد ورد اسمه في رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي في القسم الأول على القول بتوثيقهم.
- 368. الكافي ج5، ص535: محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن ربعي
- 369. هناك روايات أخرى تفيد أنه «لا تبدؤوا النساء بالسلام» و «لا تسلّم على المرأة» وقد جُمِعَ بينها وبين السابقات في صراحتها بالحمل على الجواز على كراهة، أو أنه لا يُسلِّم عند خوف الفتنة أو التلذّذ.
- 370. ترجمه الزركلي في (الأعلام) فقال: الغزالي (450/505هـ) محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام: فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف. مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف. من كتبه (إحياء علوم الدين) أربع مجلدات، و(تهافت الفلاسفة) و(الاقتصاد في الاعتقاد) و(محك النظر) و(معارج القدس في أحوال النفس)، وغيرها من الكتب.
- 371. العجيب أن أبا حامد الغزالي قد جوز لعن (الروافض) كلعن اليهود!!
- 372. راجع ما ذكره المؤرخون عن أشعاره، وما قاله علماء المسلمين من الفريقين في حقه، وستأتي بعض كلماتهم.
- 373. تبين من خلال هذه الأجزاء أن من يزعم خلاف ذلك هو في غاية الحماقة. فراجع الجزء الثاني (سؤال: هل قتل الحسين بأمر يزيد) لتزداد بصيرة.
- 374. وقد تتبع العلامة محمد بن عقيل الحضرمي كلمات الغزالي، وناقشها نقاشاً هادئاً في كتابه: النصائح الكافية، ونقض غزلها ببراعة.
- 375. السعد التفتازاني (712/793هـ) مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني، سعد الدين: من أئمة العربية والبيان والمنطق ولد بتفتازان (من بلاد خراسان) وأقام بسرخس، وأبعده تيمورلنك إلى سمرقند، فتوفى فيها، ودفن في سرخس. كانت في لسانه لكنة. من كتبه (تهذيب المنطق) و(المطول) في البلاغة، و(المختصر) اختصر به شرح تلخيص المفتاح، و(مقاصد الطالبين) في الكلام، و(شرح مقاصد الطالبين) و(النعم السوابغ) في شرح الكلم النوابغ للزمخشري، و(إرشاد الهادي) نحو، و(شرح العقائد النسفية) و(حاشية على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب) في الأصول، و(التلويح إلى كشف غوامض التنقي) و(شرح التصريف العزي) في الصرف عن الأعلام للزركلي.
- 376. سورة المائدة آية 78.
- 377. سورة البقرة آية 88.
- 378. سورة الأحزاب آية57.
- 379. سورة الأحزاب آية56.
- 380. يشار به إلى العملاء السريين الذين يمارسون نشاطهم داخل صفوف أعدائهم لإضعاف موقفهم. وقد استعمل مصطلح الطابور الخامس لأول مرة في الحرب الأهلية الأسبانية حين صرح أحد القادة قائلاً: «لي أربعة طوابير تتحرك في اتجاه مدريد، وطابور خامس سينهض من داخل المدينة نفسها» عن الموسوعة العربية العالمية.
- 381. سورة الأحزاب آية60 ـ 61.
- 382. سورة محمد آية 22 ـ 23.
- 383. سورة آل عمران آية 86 ـ 87.
- 384. سورة الأعراف آية 44 ـ 45.
- 385. سورة البقرة آية 159.
- 386. سورة الإسراء آية60.
- 387. سورة النور آية 7.
- 388. الطبراني، المعجم الأوسط 8.
- 389. وفلان هنا معاوية حيث كان أبو سفيان راكباً الجمل ومعاوية يقوده، ولم يذكر الحديث الاسم هنا بينما ذكر في بقية المصادر!
- 390. الطبراني، المعجم الأوسط، ج3، ص71.
- 391. مجلة تراثنا عدد 50.
- 392. سورة محمد آية 22 ـ 23.
- 393. عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج (508/597هـ) علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف. مولده ووفاته ببغداد، له نحو ثلاث مئة مصنف، منها (تلقيح فهوم أهل الآثار، في مختصر السير والأخبار) قطعة منه، و(الأذكياء وأخبارهم) و(مناقب عمر بن عبد العزيز) و(روح الأرواح) و(شذور العقود في تاريخ العهود) و(المدهش) في المواعظ وغرائب الأخبار، و(المقيم المقعد) في دقائق العربية، و (صولة العقل على الهوى ـ خ) في الأخلاق، و(الناسخ والمنسوخ) حديث، و(تلبيس إبليس) و(فنون الأفنان في عيون علوم القرآن) و(لقط المنافع) في الطب والفراسة عند العرب، و(المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) ستة أجزاء منه، واختصره فسماه (مختصر المنتظم) وغيرها.. عن الأعلام للزركلي.
- 394. مجلة تراثنا عدد (50)، نقلاً عن كتاب الرد على المتعصب العنيد.
- 395. سورة الأحزاب آية 62.
- 396. الكافي للكليني: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه رفعه:
- 397. الكافي للكليني: أبو علي الأشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور.. إضافة إلى إرساله، فيه محمد بن سنان وقد ضعفه الرجاليون.
- 398. مع العلم بأن كلمة يكره في الروايات ليست مشيرة بالضرورة إلى الكراهة الاصطلاحية فقد وردت في بعض الموارد بمعنى الحرمة.
- 399. روى إسماعيل بن مسلم عن الصادق﵇ أنه قال: «أوحى الله (عز وجل) إلى نبي من أنبيائه قل للمؤمنين: لا يلبسوا لباس أعدائي، ولا يطعموا مطاعم أعدائي، ولا يسلكوا مسالك أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي».
- 400. الكافي: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن سليمان بن راشد: فيه سهل بن زياد وقد اختلف فيه والأكثر على تضعيفه لكن بعض أساتذتنا قرّب قبول روايته وليس ببعيد، ولكن سليمان بن راشد لم يوثق.
- 401. الأدكن كما في العين: لون يضرب إلى الغبرة والسواد.
- 402. الكافي: محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر: فيه محمد بن سالم وهو متعدد في الكتب ولكن الظاهر بقرائن أنه بن عبد الحميد، وهو فطحي ثقة، وفيه عمرو بن شمر وقد ضعفه الرجاليون.
- 403. علل الشرائع: محمد بن علي بن الحسين عن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن محمد بن المفضل عن داود: فيه علي بن إبراهيم الجعفري وهو لم يوثق، ومحمد بن المفضل: مشترك بين اثنين: ابن قيس الأشعري وهو ثقة، وابن عمر ولم يوثق، ويحتمل أن يكون الصحيح هو محمد بن الفضل الذي هو ابن بنت داود الرقي، وهو يروي عن جده لأمه، ولكنه أيضاً لا توثيق له.
- 404. تاريخ الطبري ج7، ص139: (ذكر) أن عيسى بن محمد بن أبى خالد بينما هو فيما هو فيه من عرض أصحابه بعد منصرفه من عسكره إلى بغداد إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل يعلمه أن أمير المؤمنين المأمون قد جعل على بن موسى بن جعفر بن محمد ولى عهده من بعده وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحداً هو أفضل ولا أورع ولا أعلم منه وأنه سماه الرضا من آل محمد وأمره بطرح لبس الثياب السود ولبس ثياب الخضرة وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 201 ويأمره أن يأمر من قبله من أصحابه والجند والقواد وبنى هاشم بالبيعة له وأن يأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم ويأخذ أهل بغداد جميعا بذلك فلما أتى عيسى الخبر دعا أهل بغداد إلى ذلك على أن يعجل لهم رزق شهر والباقي إذا أدركت الغلة فقال بعضهم نبايع ونلبس الخضرة وقال بعضهم لا نبايع ولا نلبس الخضرة ولا نخرج هذا الأمر من ولد العباس وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل.. إلى آخر ما ذكر.
- 405. ثوب أو كساء يلبس عن المطر.
- 406. الكافي: محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور.
- 407. الحائري، السيد ميرزا جعفر الطباطبائي، إرشاد العباد إلى استحباب لبس السواد.
- 408. البحراني، الحدائق الناضرة، ج7، ص118.
- 409. تاريخ الطبري، ج4، ص355. وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج62، ص84.
- 410. النكت: ضرب الأرض بالقضيب حتى يؤثر فيها. والنكث ـ بالثاء ـ النقض.
- 411. ج45، ص142.
- 412. القمي، الشيخ عباس، نفس المهموم، ص416.
- 413. تقدمت ترجمته في القسم الثاني.
- 414. ذكر الزركلي في الأعلام، ج5: أنه كان سبب مقتل عمرو بن المنذر اللخمي ملك الحيرة، أنه قال: هل تعرفون احدا من العرب تأنف أمه أن تخدم أمي؟ فقالوا له: ليلى أم عمرو بن كلثوم، فاستزاره مع أمه، ونصب لهم خيمة ثم تنحى الخدم بعد الطعام، فقالت أم الملك لليلى أم عمرو: ناوليني الطبق ـ طبق الفاكهة ـ ! فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها! فألحت عليها، فقالت: واذلاه يا لتغلب! فقام ابنها عمرو ونظر إلى سيف معلق فقتل به الملك عمرو بن هند، وخرج بأمه واشتعلت الحرب بين القبيلتين.
- 415. ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 48.
- 416. الدينوري، الأخبار الطوال، ص 216.
- 417. راجع كتاب: الحياة الشخصية لأئمة أهل البيت، للمؤلف.
- 418. ابن عساكر، تاريخ دمشق 65/ 405.
- 419. في المعجم الكبير للطبراني: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أحبهما (الحسن والحسين) فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني. وفيه أيضاً قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وقال: من أحبني فليحب هذين (السبطين). وفي المستدرك للحاكم النيسابوري أن الرسول قال حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط».
- 420. الشريفي، موسوعة كلمات الإمام الحسين﵇.
- 421. في كتاب رياض الصالحين للنووي ذكر أحاديث نسبت إلى رسول الله، منها: ما عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها!» قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» متفق عليه. وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» وعن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» متفق عليه. وعن أبي بكرة قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «من أهان السلطان أهانه الله» رواه الترمذي وقال حديث حسن وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح.
- 422. وفي مقابل ذلك يروي الإمام الحسين﵇ عن جده قائلا: كما في الطبري بروايته عن أبي مخنف، وفي مصادر الشيعة أيضاً: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «من رأى سلطاناًَ جائرًا مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله إن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير». وكان ينبغي أن تكون هذه النهضة الحسينية المقدسة دليلا على ضعف تلك الأحاديث إضافة إلى مخالفة كثير من الأحاديث الأخرى لها ومخالفتها لمفاهيم الإسلام وروح القرآن.
- 423. أي في اختلاط من الأمر لا مخرج لهم منه. عن لسان العرب.
- 424. من أولئك القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم حيث ذكر ما معناه: أن الحسين قتل بشرع جده، كما نقل عنه ابن خلدون في المقدمة مغلطاً إياه ومنتقدا مقالته. ومن المعاصرين كما نقل عنه الشيخ القرشي في كتابه حياة الإمام الحسين، الشيخ محمد الخضري في كتابه تاريخ الأمة الإسلامية فقد قال ـ وبئس ما قال ـ : إن الحسين أخطأ خطئاً عظيماً في خروجه هذا الذي جر للأمة وبال الفرقة والاختلاف وزعزع عماد ألفتها إلى يومنا هذا!! وشتان بين هذا النعيب وبين قول رسول الله﵌: «فلم يغير عليه بفعل ولا بقول كان حقا على الله أن يدخله مدخله» ولكن «شنشنة أعرفها من أخزم».
- 425. تحاول بعض التيارات المخالفة لأهل البيت﵈ أن تعيد الاعتبار إلى كل من كان معادياً لهم، فقد صدرت عدة كتب عن (أمير المؤمنين يزيد بن معاوية)!!
- 426. ابن تيمية، رأس الحسين، ص206.
- 427. ابن تيمية، منهاج السنة ج2، ص226.
- 428. رأس الحسين، ص 208. وللإطلاع على تهافت كلمات ابن تيمية، يمكن مراجعة الكتاب القيم للأستاذ صائب عبد الحميد: ابن تيمية حياته وعقائده.
- 429. ابن خلدون، المقدمة، ج1 فصل ولاية العهد.
- 430. ذكرناها بغير الترتيب الذي ذُكر في الكتاب. ومع بعض الاختصار.
- 431. قال النجاشي عنه: إنه ضعيف جداً.
- 432. الجواهري، الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام، ج 20.
- 433. وعنه، عن محمد بن علي، عن عمه، عن أحمد بن أحمد بن حامد بن زهير، عن يزيد بن إسحاق شعر، عن إسحاق الأرحبي، عن عمر بن عبد الله بن طلحة النهدي، عن أبيه.
- 434. في تاريخ الطبري ج4، ص355. قال هشام عن أبى مخنف قال: حدثني أبو حمزة الثمالي عن عبد الله الثمالي عن القاسم بن بخيت قال: لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق فقال لهم مروان بن الحكم كيف صنعتم قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً فأتينا والله على آخرهم وهذه الرؤوس والسبايا فوثب مروان فانصرف.
- 435. الكافي: محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي (الفضال أو الوشاء وكلاهما ثقة) عن يونس بن الربيع: وهو لم يوثق.
- 436. رسائل الشريف المرتضى 3/130.
- 437. تقدمت ترجمته.
- 438. السيد علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني (589/664هـ) له العديد من الكتب منها (الأمان من أخطار الأسفار والأزمان) أربعة عشر بابا في آداب السفر، و(سعد السعود) و(زوائد الفوائد) و(فرج المهموم) و(الطرائف) و(جمال الأسبوع) و (الملهوف على قتلى الطفوف).
- 439. محمد بن الحسن بن علي العاملي (1033 ـ 1104هـ)، الملقب بالحر: فقيه إمامي، مؤرخ ولد في قرية مشغر (من جبل عامل بلبنان) وانتقل إلى (جبع) ومنها إلى العراق، وانتهى إلى طوس (بخراسان) فأقام وتوفي فيها، له تصانيف، منها (أمل الآمل) في ذكر علماء جبل عامل، القسم الأول منه، ولا يزال الثاني وسماه (تذكرة المتبحرين في ترجمة سائر العلماء المتأخرين) مخطوطا، و(الجواهر السنية في الأحاديث القدسية) و(تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) ويسمى (الوسائل) اختصاراً، و(هداية الأمة إلى أحكام الأئمة) ثلاثة أجزاء، و(الفصول المهمة في أصول الأئمة) و (رسائل) في أبحاث مختلفة. وكان كثير النظم، له (ديوان).
- 440. الوسائل 14/ 401.
- 441. قاله الإمام الحسين﵇ لعمرو بن قيس المشرقي داعياً إياه إلى نصرته كما في رجال الكشي في حديث إلى أن قال:... فقال الحسين: «جئتما لنصرتي فقلت له: أنا رجل كبير السن، كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس ولا أدري ما يكون، وأكره أن تضيع أمانتي، فقال له ابن عمي مثل ذلك، فقال لي: فانطلقا فلا تسمعا لي واعية، ولا تريا لي سوادا، فإنه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجب واعيتنا، كان حقا على الله أن يكبه على منخريه في نار جهنم».
- 442. الفضيل بن زبير بن عمرو بن درهم (الرسان) الأسدي من أصحاب الإمام الباقر والصادق﵉ ومن الذين اختصوا بزيد بن علي الشهيد، قيل إنه زيدي المذهب، وقد ورد اسمه في أسانيد كامل الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم القمي وهو يروي ما ذكر في الكتاب عن زيد بن علي بن الحسين، ويحيى بن أم الطويل وعبد الله بن شريك العامري. وقد طبع النص ضمن مجلة تراثنا التي تصدرها مؤسسة آل البيت، في عددها رقم 2 للسنة الأولى بتحقيق العلامة السيد محمد رضا الحسيني.
- 443. ارتث: حمل من المعركة جريحا وبه رمق.
- 444. تقدمت ترجمته.
- 445. 1/ 470.
- 446. الذرب: الداء الذي يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها ولا تمسكه. (لسان العرب). أشفى: قرب من الموت. (الصحاح).
- 447. بحار الأنوار 45/ 91.
- 448. المبطون هو الذي يشتكي من بطنه.
- 449. الطبري 4/ 347.
- 450. يمكن تقريب ذلك بما ذكروه في أحوال أبي ذر الغفاري (رضوان الله عليه) عندما أشخص من الشام إلى المدينة على بعير غير موطأ، فما وصل إلى المدينة حتى انتثر لحم فخذه!
- 451. جاء في بلاغات النساء لابن طيفور، ص 23 ورأيت علي بن الحسين﵇ وهو يقول بصوت ضئيل وقد نحل من المرض يا أهل الكوفة إنكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم ثم ذكر الحديث وهو على لفظ هارون بن مسلم واخبر هارون بن مسلم بن سعدان قال: أخبرنا يحيى ابن حماد البصري عن يحيى بن الحجاج عن جعفر بن محمد عن آبائه﵇ قال: لما ادخل بالنسوة من كربلاء إلى الكوفة كان علي بن الحسين﵇ ضئيلاً قد نهكته العلة.
- 452. في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق﵇: «طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحار والطير في جو السماء».
- 453. كما في صحيحة علي بن رئاب عن الإمام الكاظم﵇.
- 454. في الرواية التي رواها في الكافي: «إن المؤمن إذا اخرج من بيته شيعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض: مرحباً بك وأهلاً، أما والله لقد كنت أحب أن يمشي علي مثلك لترين ما أصنع بك فتوسع له مد بصره.. إلى أن قال: وإن كان كافراً خرجت الملائكة تشيعه إلى قبره يلعنونه حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحباً بك ولا أهلاً أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي عليَّ مثلك لا جرم لترين ما أصنع بك اليوم فتضيق عليه حتى تلتقي جوانحه».
- 455. سورة الدخان آية29. والمفسرون في تفسير الآية على ثلاثة أقوال: منهم من حمل الآية على ظاهرها وأن السماء والأرض تبكي على المؤمن ولا تبكي على الكافر، ومنهم من جعل التعبير في الآية كناية عن هوان أمرهم وأنهم لحقارتهم لا يُبكى عليهم، وبعضهم قدر مضافا محذوفا هو أهل السماوات والأرض.. ثم نقل أكثر المفسرين ما ورد في بكاء السماء والأرض على الحسين﵇، وفي ذلك رواية زرارة.
- 456. للتفصيل يراجع كتاب: الحياة الشخصية عند أهل البيت﵈، للمؤلف.
- 457. سورة الجن آية26/27: وقد ذكروا أن الجمع بين هذه الآية ونظائرها وبين ما دل من الآيات على أنه لا يعلم الغيب إلا الله، بأنحاء مختلفة منها أن علم الغيب بالذات وبالاستقلال هو من اختصاص الخالق، ولكن علم الغيب بالتعليم يحصل للأنبياء والمرتبطين بالوحي {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء}. أو أن هناك بعض المواضيع التي لا يعلمها غير الله سبحانه مثل الساعة وهناك مواضيع أخرى يمكن أن يظهر عليها بعض رسله وأوليائه.
- 458. جعفر بن محمد بن قولويه قال حدثني محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن داود بن عيسى الأنصاري، عن محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلي، عن إبراهيم النخعي، وهذه الرواية وما بعدها من روايات كامل الزيارات التي تأتي، تكون معتبرة بناء على أن من ورد اسمه في كتاب كامل الزيارات مشمول للتوثيق الذي ذكره المؤلف في مقدمة الكتاب حيث قال: «ولم اخرج فيه حديثا روي عن غيرهم إذا كان فيما روينا عنهم من حديثهم﵈ كفاية عن حديث غيرهم، وقد علمنا أنا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله)، ولا أخرجت فيه حديثا روي عن الشذاذ من الرجال، يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم». وقد اختلف علماؤنا على رأيين في فهم هذه الجملة، فالبعض رآها توثيقا لمشايخه المباشرين، والبعض رأى فيها توثيقاً لمن ورد اسمه فيه ما لم يعلم تضعيفه بخصوصه من جهة أخرى. وأما لو لم يقبل هذا التوثيق العام فتعامل الروايات كغيرها بالنظر إلى سندها، وفي السند المذكور بناء على هذا، الحكم بن مسكين ولم يوثق بخصوصه، لكنه ممن لم يستثنَ من رجال نوادر الحكمة، وممن روى عنهم المشايخ الثقات. وداود بن عيسى (النخعي) لا توثيق له.
- 459. الأمالي 177.
- 460. بلاغات النساء ص23: وأهمية هذا النص لكونه صادرا من معاصرة للحادث، وقد قررت﵍ حصول ذلك، ورتبت عليه التساؤل من تعجبهم مما يعني أنهم شهدوا ذلك وتعجبوا منه.
- 461. حدثني علي بن الحسين بن موسى، عن علي بن إبراهيم وسعد بن عبدالله جميعاً، عن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر﵇، وفي السند أبو جميلة (المفضل بن صالح) وهو ضعيف عندهم.
- 462. عن محمد بن جعفر الرزاز الكوفي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن كليب بن معاوية الأسدي، عن أبي عبدالله﵇، والسند معتبر.
- 463. الصدوق في عيون أخبار الرضا عن محمد بن على ماجيلويه رضي الله عنه قال: «حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الريان بن شبيب قال: والرواية صحيحة فليس فيها من يتوقف فيه، ومحمد بن علي ماجيلويه قد وثقه العلامة، وصحح طرقا عديدة هو فيها وكونه شيخ الصدوق وترضيه عنه أيضاً يعطي نفس المعنى».
- 464. وفي هذه الرواية خصوصية، وهي أن نسبة مضمون الرواية من قبل الإمام﵇ إلى آبائه، قد يكون لجهة أن الراوي السامع للرواية غير شيعي وهو يتعامل بالتالي مع الإمام كراو للحديث عن آبائه عن النبي﵌، وأما إذا كان الراوي شيعياً ومعترفاً بمقام الإمام وأنه لا يختلف تاليهم عن سابقهم، فإن نسبة الإمام مضمون الرواية لآبائه فيها معنى من الاهتمام الكبير بهذا المضمون بحيث يتوارثه المعصومون ويحدثون به ويركزون عليه. وهذا المضمون من القسم الثاني.
- 465. ج 5، ص 487.
- 466. 10/ 220.
- 467. 16/ 141.