وإذا كان يزيد لم يقتل الحسين، وإنما أظهر التألم والأسى عندما قتل، ولم يكن يريد ذلك. فلا حاجة إلى إدانة يزيد، وإنما الترضّي عنه والترضّي عن الحسين معاً، وعلى عادة بعض البلاد تسجل القضية ضد مجهول، أو جماعة غير محددة، وتنتهي المشكلة.
وهذا ما يلحظه الناظر في كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير، فإنه بلغ جهده في محاولة تزكية يزيد، ونفي قتله للحسين حتى أنه استعان برؤيا بعض القضاة حتى يبرئه من قتل الحسين. وقسم آخر حاول تخفيف الجريمة بالذب ما أمكن عن يزيد، وتكذيب ما نسب إليه مثلما فعل ابن تيمية الحراني عندما كذب أن يكون نساء الحسين أو أهل البيت قد تم سبيهن أو أنه قد أمر يزيد بإرسال رأس الحسين إليه فقال: في الموضع الأول: «إن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد»، و«إن القصة التي يذكرون فيها حمل الرأس إلى يزيد ونكته بالقضيب قد كذبوا فيها»394، «ويزيد لم يسبِ للحسين حريماً بل أكرم أهل بيته»395 وفي موضع آخر قال: «لا سبى أهلَ البيت أحدٌ ولا سُبي منهن أحد»!!!396.
3. قسم ثالث: قبّح فعل يزيد ورآه منكرا عظيما، يدل على فسقه، وأن الحسين﵇ كان على حق وأنه لم يكن يجوز ليزيد ولا لأنصاره قتال الحسين «فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد بل هي من فعلاته المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد مثاب وهو على حق واجتهاد» كما قاله ابن خلدون في المقدمة، وإن كان قد أخطأ في نسبة الخطأ الدنيوي للحسين، وزعم ذلك كما أنه ظل (يعافس) في إيجاد مبرر للصحابة الذين كانوا مع يزيد حيث قال: «والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضاً واجتهاد» لكنه رفض أن يكون يزيد مجتهداً في قتال الحسين.
ولعل كثيراً من علماء السنة ذهبوا إلى رفض فعل يزيد، حتى أكثرهم محافظة على التوجه الأموي، نظرا لما كان عليه يزيد من الانحراف الواضح عن الجادة
والعجيب هو ذلك المزج الذي صنعه ابن خلدون397 بين ما لا يمتزج فهو يحافظ على أن الحاكم هو المسيطر الذي تخضع له البلاد وهذا يعطيه شرعية «ولذا كان عبد الملك إماماً شرعياً دون ابن الزبير مما يعني شرعية القوة والجبروت» وبين أن الحسين قد اجتهد في خروجه على يزيد ولم يكن مخطئا من الناحية الدينية، وإن أخطأ من الناحية الدنيوية!! وبين أن عددا من الصحابة في الشام كانوا مع يزيد ولم يكونوا أيضاً مخطئين في اجتهادهم، وبين أن يزيد كان فاسقاً وقتال البغاة إنما يكون مع الإمام العادل ولم يكن يزيد عادلا.. إلى آخر ما ذكره.
فمعنى صحة فعل الحسين من الناحية الدينية أن النظرية التي شيدت عند بعض هؤلاء من عدم جواز الخروج على الحاكم الظالم ولزوم الصبر على ما يفعل، لا بد أن تكون باطلة.. وإلا كيف يجمع بين حرمة الخروج على الحاكم الظالم وبين صحة عمل الخارج كالحسين؟
�س: أين دفن رأس الحسين﵇ بعدما أخذ من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام؟
الجواب: قد ذكر آية الله السيد محسن الأمين العاملي قدس سره في كتابه (لواعج الأشجان) مجموع ما قيل398 في موضع دفن الرأس الشريف، ونحن ننقله، ونذكر ما هو المختار، فقد ذكر من الأقوال والوجوه ما يلي: