أما الاحتمال الأول، فلا مقتضي للالتزام به إلا ما يظهر من رواية بشارة المصطفى المتقدمة من خلال كلمات (ألمسنيه القبر وقوله: خذني إلى أبيات كوفان) وهذه لا صراحة فيها بل لا ظهور في العمى، فإن الرجل الكبير مثل جابر في ذلك السن المتقدم (حوالي 82 سنة أو 87 سنة)، (إذ أن عمره عندما توفي كان 95 سنة) يحتاج إلى مساعدة شخص يكون معه، وهكذا ألمسه القبر، ثم أخذه إلى طريق كوفان دليلا ومرافقا. وربما يكون ذلك من أثر حالة الحزن الشديد والبكاء المتواصل التي اعترت جابرا إلى حد أنه قد وقع مغشيا عليه على القبر، لما لمسه.
بل في نفس الخبر الذي نقله صاحب بشارة المصطفى قرائن أخرى تخالف هذه العبارات: مثل قول (عطية) عن جابر أنه دنا من الفرات ثم قوله دنا من القبر؟.. وهكذا قوله فيما بعد ثم جال ببصره حول القبر. فكيف يجول ببصره وهو كفيف؟
ولم يذكر في أي مصدر آخر من المصادر التي تعرضت لحياة جابر على نحو مستقل أو ضمنا، أي إشارة إلى كونه كفيف البصر في تلك المرحلة.
على أنه مخالف لما اتفق عليه الرجاليون والمؤرخون من أن جابر بن عبد الله إنما كف بصره في أواخر عمره (وبعضهم يقول آخر عمره)، ولا يقال لمن كف بصره قبل سبعة عشر سنة من وفاته أنه فقد بصره في أواخر عمره.
وهو يصطدم بما ذكر في أكثر المصادر الشيعية (وبعض المصادر السنية) من لقائه بالإمام الباقر﵇، في المدينة فيما بعد، ونظره إليه وتعرف شمائل النبي﵌ فيه181.
الاحتمال الثاني: يلحق سابقه في الضعف، ولا دليل عليه سوى رواية محمد وعبد الرحمن ابني جابر. وقد نقله في البداية والنهاية باثبات (خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره) بينما لم تكن هذه الجملة في رواية محمد بن جابر بنفس النص التي رواها في كتاب الآحاد والمثاني.. أي لم يكن في هذا الكتاب غير نص (من أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين ووضع يده على جبينيه).
إضافة إلى ما سبق ذكره في رد الاحتمال الأول.
الاحتمال الثالث: وهو الذي نرجحه أن جابر بن عبد الله بعدما بقي في الكوفة لمدة من الزمن، عاد إلى المدينة كما ينص عليه المؤرخون وبقي فيها وفي هذه الأثناء حدثت واقعة كربلاء، ولا نعرف شيئا عن الاسباب التي منعت جابر عن الخروج من المدينة مع الحسين (وهي ليست بالضرورة العمى وفقدان البصر) فإن الحسين﵇ لم يدعُ كل من كان في المدينة للخروج معه بعد موت معاوية، وإنما خرج مع أهل بيته من المدينة المنورة متجها إلى مكة، والذين التحقوا به من غير أهل بيته إنما التحقوا به من مكة المكرمة أو من الطريق أو ممن راسلهم في الكوفة أو البصرة.
وبعد الواقعة قدم جابر بن عبد الله إلى كربلاء زائراً، فوافى هناك الركب الحسيني بما ذكرناه في الحديث عن اللقاء بين ركب السبايا وجابر (فراجعه في موضعه في القسم الأول).
ثم بعد أن عاد الى الكوفة كر راجعا إلى المدينة وبقي فيها، وتعرض للأذى الشديد لا سيما في وقعة الحرة، وفي زمان عبد الملك تعرض لِعَنت الحجاج الثقفي الذي ولي على المدينة سنة 74هـ، فقام يتتبع أصحاب الرسول﵌ بالإهانة والإذلال حتى لقد ختم عنق سهل بن سعد الساعدي، وختم كف جابر بن عبد الله الأنصاري كما ذكر الطبري.