أسئلة في السيرة والثورة الحسينية
�س: هل الذهاب إلى العمل يوم العاشر حرام؟ وهل يجب التصدق بما كسبه ذلك اليوم؟
الجواب: ليس حراما، ولكن يستفاد من بعض الروايات استحباب ترك السعي في الأمور الدنيوية، وعدم الانشغال بها واستحباب التفرغ لإحياء الذكرى الحسينية، فقد روى الشيخ الصدوق في الأمالي161 عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا﵇، قال: من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبة وحزنه وبكائه جعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرت بنا في الجنان عينه.
كما روى شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله بسنده162 عن أبي جعفر﵇ في حديث زيارة الحسين﵇ يوم عاشوراء من قرب وبعد... إلى أن قال: قلت: وكيف يعزي بعضنا بعضا؟ قال: تقول: عظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين﵇، وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه الامام المهدي من آل محمد، وإن استطعت أن لا تنشر (لا تنتشر) يومك في حاجة فافعل، فإنه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة مؤمن، وإن قضيت لم يبارك له فيها، ولا يرى فيها رشدا..).
هذا لو كان عمل الإنسان مملوكا له، كما هو حال من يعملون في (الأعمال الحرة) والتجارة لأنفسهم فإنه يحسن بهم في مثل ذلك اليوم أن يتوجهوا لإحياء الذكرى، ما لم ينطبق على سعيهم للعمل ذاك عنوان ملزم.
وأما بالنسبة لغيرهم وهم الأكثر ابتلاء، كالعاملين في مؤسسات مملوكة لأشخاص أو تابعة للحكومات، فلا يستطيع الشخص الغياب في ذلك اليوم من غير أن يأذن له رب العمل، وإلا كان غير مالك لأجرة ذلك اليوم في المؤسسات والشركات الأهلية والشخصية، حيث أن مقتضى عقده معهم أن يعمل في الأيام المتعارفة، باستثناء التعطيلات الرسمية أو ما أذنوا له في التغيب، وليس العاشر منها بحسب الفرض وإخلاله بهذا العقد بمقدار ذلك اليوم، يجعله غير مستحق لأجرته ولا يملكها. فلا بد من استئذان رب العمل أو إخباره عن غيابه ذاك واسترضائه في أمر المال أو إرجاعه عليه.
وبالنسبة للمؤسسات الحكومية، فإن الحكومات غير الخاضعة للفقيه، وإن لم تملك كما هو المشهور بين المعاصرين من الفقهاء فلا ولاية لها مالكية ولا شرعية163، على التعاقد وإعطاء المال، واستحصال العمل، إلا أن ذلك لا يسوغ للعامل وهو طرف العقد أن يتملك أجرة في مقابل يوم عمل لم يذهب إليه، ولم يقم به. ولذا فإنه يشكل أمر تملكه من قبله، حيث أن الفقهاء قد صرحوا في فتاواهم بأنهم لا يأذنون في الاستلام إلا مع قيام العامل بواجباته بحسب ما ورد في العقد. ولذا لا بد في ذلك من التصدق بذلك المقدار من المال على الفقير المؤمن والأحوط أن يكون بإذن الحاكم الشرعي (المجتهد) الذي له ولاية على مجهول المالك.
�س: من الملاحظ أن الإمام الحسين﵇ قال في أثناء خروجه من المدينة كلاما، وأثناء خروجه من مكة كلاما آخر، وفي الطريق..غيره وهكذا في كربلاء؟ كيف تفسرون تعدد لحن هذه الكلمات؟ والمعاني المختلفة فيها؟
الجواب: مع التنبيه على دقة ملاحظة السائل، ونظرته الفاحصة نقول:
نعم يلاحظ المتأمل، أن هناك تعددا في طريقة إجابات الإمام الحسين﵇، ولعل في النقاط التالية ما يلقي بضوء على السبب:
1. من المعلوم أن مستويات السائلين للإمام الحسين﵇ تتفاوت وتختلف، فمن الحكمة أن تكون الأجوبة على (قدر عقولهم) فليس معقولا أن يجيب شخصا قد تربى على التخاذل، وآثر الحياة الدنيا، بأنه لا بد من الثورة على الظالمين، وأمر الإسلام أعز من أمر الشخص وحياته. ولو أجابه بذلك النحو لما وافق الحكمة. وإنما ينبغي أن يقرب له الهدف الذي ينشده بمقدار ما يستطيع ذلك الشخص تعقل وإدراك الكلام الحسيني.
2. إن النصوص التي تركها الإمام الحسين﵇ من خلال محاوراته أو تلك التي ابتدأ بها الناس، تنقسم إلى قسمين:
قسم يمكن اعتباره وثائق أساسية تمثل العناوين الرئيسة لكامل نهضته وحركته، وتلقي الضوء على كل تفاصيلها.وهي بمثابة (الروايات الحاكمة) في تعبيرات الفقهاء، التي تقوم بالشرح والتفسير لغيرها، ولو خالفتها غيرها فإن هذه الروايات الحاكمة، هي التي تتقدم، بغض النظر عن نسبة باقي الروايات إليها.
هنا أيضاً في النهضة الحسينية نحن نجد بعض الكلمات له صلوات الله عليه بمثابة هذه الروايات الحاكمة، وخطابات أو وصايا هي التي تفسر مجمل حركته.
وهناك قسم من كلماته، لا تعبر عن هذا المعنى المتقدم، وإنما ربما قيلت في جواب من لم يشأ الإمام﵇ أن يخبره بتفاصيل أهدافه. والخطأ الذي قد يقع فيه مؤرخون أو قراء للسيرة هو الخلط بين القسمين من الكلمات، فيقيسون نهضة الحسين بمقياس الكلمات من القسم الثاني مع أنها لا ينبغي أن تقاس إلا بالنحو الأول.
3. إن هناك عدة عوامل يمكن الحديث عنها في النهضة الحسينية، وكل واحد من هذه العوامل كان يتطلب نوعا من رد الفعل، والتوجيه الخطابي والثقافي، وكان الإمام﵇ بحسب تقديره للظرف يجيب بالنحو المناسب.
فقد كان من عوامل النهضة الحسينية164: رفض البيعة ليزيد، واستجابته لدعوة أهل الكوفة بأن يقدم إليهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه العوامل بينها ترتيب في الأهمية، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان أهم العوامل، جميعا وقد حدد الإمام﵇ في بداية خروجه هدفه بأنه يريد هذا الأمر، وبقي هذا العامل على قوته ودفعه إلى الأخير، بعدما تعطلت العوامل الأخرى، فإنه بعدما ظهر للجميع أن دعوة أهل الكوفة ليست بتلك الصورة، وإن كان الحسين﵇ ليس بعيدا عنها، ولكنه لم يكن ليستطيع أن يغفل آلاف الرسائل الواردة إليه من قبلهم، بما كان يقوله آخرون أنهم لن يفوا ولن يستمروا ولن يصمدوا وبالتالي فإن عليه أن لا يعطيهم غير الأذن الصماء. هذا لم يكن صحيحا، وإنما استجاب الإمام﵇ إلى بيعة أهل الكوفة وطلبهم منه أن يقدم عليهم.
ولكن هذا العامل لم يكن العامل الأساس، فقد أشار عليه الكثيرون ومنهم ناصحون له بأن لا يذهب إليهم، ولم يكن أيضاً بالذي يعزب عنه الرأي.
كما أن عامل رفض البيعة لم يكن العامل الأساسي وإن كان أهم من عامل بيعة أهل الكوفة، إلا أنه كان يمكن له أن يتخلص من البيعة باللجوء إلى اليمن أو الاحتماء بالحرم أو غير ذلك مما أشار عليه به عدد من الصحابة.
والخطأ هو عندما تختلط هذه الأمور فيظن البعض أن الحسين إنما خرج استجابة لكلام أهل الكوفة، فخُدع بهم !! بينما هو يقول أنه إنما خرج لطلب الإصلاح وللأمر بالمعروف.
وقد تحدث الإمام﵇ عن كل واحد من العوامل على حدة، وفي بعض الحالات كان يجمع عاملين في الحديث. كما سيأتي.
من الأمثلة على العناوين العامة وهي بمثابة الأصول الأصيلة للثورة الحسينية ما يلي من الكلمات:
1. ما قاله الحسين﵇ في جواب الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عندما دعاه إلى مبايعة يزيد أراد الإمام﵇ أن ينهي اللقاء بنحو (دبلوماسي) فقال له كلاما قبله الوليد وهو (ان مثلي لا يعطي بيعته سرا، وانما احب ان تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس الى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا)165. وكان يمكن أن ينتهي اللقاء بهذا النحو.. ولكن دخول مروان بن الحكم على الخط اضطر الإمام الحسين﵇ أن يكشف آخر سطر في صفحة موقفه: (أيها الامير ! أنا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة وبنا فتح الله وبنا ختم، و يزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون وننتظر وتنتظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة).
وهذه الكلمات التي قالها في التالي تختلف اختلافا كبيرا عن ما قاله في البداية، ففي البداية كان يريد انهاء الأمر ودياً من دون، إعلان موقف صريح وكان الوليد بن عتبة راغبا في حل الأمور بذلك النحو. فلم يكن يريد الاصطدام مع الحسين﵇، لكن فيما بعد جرت الأمور بنحو جعل الحسين﵇ يضع الأمر في إطاره العقيدي، والسياسي الصريح، وقال موقفه بأن (مثلي لا يبايع مثله) معللا ذلك بأنه (أهل بيت النبوة بنا فتح الله وبنا يختم.. بينما يزيد رجل فاسق شارب خمر..).
2. وصية الإمام الحسين﵇ لأخيه محمد بن الحنفية تعتبر من الأصول التي تكشف عن أغراض وأهداف الحسين من ثورته المقدسة، فقد كتب (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن على بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية: أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، جاء، بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشراً، ولابطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي، اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي على بن أبي طالب﵉، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد على هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي اليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
وهذه الوثيقة التاريخية، التي يحصر فيها﵇ هدف ثورته بـأنه إنما خرج لطلب الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسير بسيرة جده وأبيه.. من أهم الوثائق التاريخية التي حفظت للثورة سطوعها وصفاءها.
3. من المواضع التي جمع فيها الحسين﵇ بين أكثر من عامل للحديث عن دعوة أهل الكوفة، وبين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمسؤولية ما نقله المؤرخون من ان الحسين﵇ خطب أصحابه و أصحاب الحر بالبيضة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس، ان رسول الله﵌ وسلم قال: (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخل مدخله). ألا وان هولاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، واظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفئ، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلال الله، وأنا أحق من غير. قد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فان تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله﵌، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم في اسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ! والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فانما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
وأما القسم الثاني من كلماته﵇، والتي كانت أشبه بدفع الجواب، والحديث مع الطرف المقابل بما يقنع به، فهي كثيرة: منها.
ما قاله الإمام الحسين﵇ للمسور بن مخرمة الذي (نصح) الحسين بأنه: اياك ان تغتر بكتب اهل العراق أويقول لك ابن الزبير: الحق بهم فانهم ناصروك. اياك ان تبرح الحرم فانهم ان كانت لهم بك حاجة فسيضربون اليك آباط الابل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة. فجزاه الحسين﵇ خيرا وقال: استخير الله في ذلك.
فإن طريقة الحسين﵇ في نهضته لم تكن قائمة على الاستخارة، هذا بناء على أن مقصود الإمام هو الاستخارة المعروفة.
ومثله كلامه﵇ مع أبي بكر(عمر) ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، الذي قال له: يا ابن عم ان الترحم نظارتي عليك وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك؟
قال: يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولا ُيتهم فقل. قال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك و يخذلك من انت احب إليه ممن ينصره فاذكرك الله في نفسك.
فقال له الحسين﵇: جزاك الله يابن عم خيرا فقد اجتهدت رأيك ومهما يقضِ الله من أمر يكن.
فقال أبو بكر: انا لله عند الله نحتسب أبا عبد الله.
وهكذا قوله لعبد الله بن مطيع العدوي، الذي استقبله في طريق مكة فقال أين تريد أبا عبد الله جعلني الله فداك؟ ! قال: (أما في وقتي هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله تعالى في أمري بعد ذلك). فقال له عبد الله بن مطيع: خار الله لك يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه، غير أني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني. فقال له الحسين﵇: (وما هي يا ابن مطيع؟) قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة، فيها قتل أبوك، وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فوالله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك والسلام. وروى الدينوري: أن الإمام﵇ قال لابن مطيع: (يقضي الله ما احب).
ويمكن أن نصنف أيضاً إجاباته القائلة بأنه رأى رسول الله﵌، وأنه أمره بأمر، لا بد أن يمضي إليه لما أخبره الرسول.في هذا الجانب.وليس معنى ذلك أنه لم يكن الخبر حقيقيا، ولكنه بهذه الطريقة يقطع النزاع مع أشخاص مثل ابن عباس أو ابن الحنفية بحيث لا مجال مع ذلك للحديث عن الأفضل والأحسن..
إننا نلاحظ التركيز في بعض الأماكن كان على كلمات بعينها، باعتبار أن السامعين أقرب إلى فهم تلك المفردات والمعاني، فمثلا هو﵇ في المواجهة العسكرية مع الجيش القادم من الكوفة يركز على أنهم هم الذين دعوه، وطلبوه، وهذا أبلغ في الاحتجاج166. انظر مثلا إلى خطبته في الجيش المعادي يوم عاشوراء: قال﵇: فتبا لكم أيتها الجماعة وترحا أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم..
ولعل هذه الخطبة كانت نهاية نقطة التحول الذي حدث عند الحر الرياحي، وهو نفسه عندما خطب في جيش الكوفة بعد انتقاله إلى معسكر الحسين﵇ ركز على هذه النقاط أيضاً فقال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمداً في ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه167.
�س: كيف توفقون بين كون جابر بن عبد الله كفيف البصر في كربلاء حيث كان يقوده خادمه أو غلامه عطية، وبين كونه قد رأى الإمام الباقر﵇ في المدينة وهو صغير فقال شمائل كشمائل رسول الله﵌ ثم بلغه سلام النبي؟ فإن كان كفيفا كيف رأى الباقر وإن كان مبصرا حينئذ فكيف كان كفيفا في الأربعين (العشرين من صفر)؟
الجواب: في البداية نحب أن نوضح جانبا من حياة الراوي الثقة عطية العوفي، فإنه يغمط حقه عادة مع أهمية دوره وربما لا يذكر اسمه في المحافل إلا في مرة واحدة هي كونه غلاما أو خادما لجابر، ولم يكن غلاما، وإنما هو تلميذ نجيب لجابر وراو واع لأحاديثه وصاحب مواقف وإليك بعض الكلمات عنه، ثم نجيب على السؤال الأصلي:
عطية بن سعد بن جنادة العوفي توفي سنة 111هـ
كان أبوه سعد بن جنادة وهو من بني جديل أول من أسلم من أهل الطائف168، وصحب النبي﵌، وروى عنه عددا من الأحاديث169، وبعد وفاة رسول الله﵌ كان ممن عرف أمير المؤمنين﵇، ووالاه وشارك معه في حروبه، وروى عنه بعض الأحاديث170.
وربما كان في أواخر خلافة أمير المؤمنين﵇ عندما ولد له ابن، جاء به إلى الإمام﵇ لكي يسميه، فقال هذه عطية الله، وسماه عطية.
ونشأ عطية في الكوفة، ولذا لقبه بعضهم بالكوفي (إضافة إلى العوفي).وتشرب التشيع من أجوائها، وممن صحبهم فيها، ولعل أكثرهم تأثيرا فيه جابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري (أو الكلبي).
ولعل الناظر إلى نوعية الأحاديث التي رواها، وأكثر منها يعرف سر تضعيف رجاليي الجمهور لعطية، فإنه قد روى حديث الثقلين171، وأن الأئمة اثنا عشر172، وحديث سفينة نوح173، وتفسير آية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) في أهل البيت174، وحديث الغدير، والمنزلة وسد الأبواب غير باب علي﵇، وحديث إعطاء النبي﵌ فدكاً، وروى خطبة الزهراء الفدكية175 وروى عن رسول الله﵌ في المهدي أنه (رجل من أهل بيتي)176.. وغيرها.
لم يكتف عطية فيما يظهر من حياته بمجرد الولاء النفسي والموقف الفكري، بل كان لديه رؤية واضحة في المجال السياسي، تجلت في موقفه المضاد للحكم الأموي معتمدا على ما رواه من أصحاب رسول الله، عنه﵌: (إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلاً اتخذوا دين الله دغلاً وعباد الله خولاً ومال الله دولاً..)177
وهو وإن لم يلحظ له ذكر في أيام الحسنين﵉، إلا ما يروى عن ذهابه مع شيخه جابر بن عبد الله إلى كربلاء يوم العشرين من صفر وافتراقه عنه بعد ذلك كما يظهر من ذيل الرواية التي نقلها عماد الدين الطبري في كتابه بشارة المصطفى، إلا أننا نلاحظ له دوراً فيما بعد كربلاء، فقد شارك بدور فاعل في ثورة المختار الثقفي، وكان على رأس الجماعة الطليعيين والأقوياء الذين ارسلهم المختار إلى مكة المكرمة، لانقاذ الهاشميين الذين سجنهم عبد الله بن الزبير بعد أن رفضوا مبايعته، وعزم على إحراقهم (!!) في خندق إن لم يستجيبوا لبيعته.
(...فقطع المختار بعثاً إلى مكة فانتدب منهم أربعة آلاف فعقد لابي عبد الله الجدلي عليهم وقال له سر فإن وجدت بني هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضداً وانفذ لما أمروك به وإن وجدت بن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتى تصل إلى ابن الزبير ثم لا تدع من آل الزبير شفراً ولا ظفراً...
فسار القوم ومعهم السلاح حتى أشرفوا على مكة فجاء المستغيث اعجلوا فما أراكم تدركونهم فقال الناس لو أن أهل القوة عجلوا فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي حتى دخلوا مكة فكبروا تكبيرة سمعها بن الزبير فانطلق هارباً حتى دخل دار الندوة ويقال بل تعلق بأستار الكعبة وقال أنا عائذ الله !!
قال عطية ثم ملنا إلى بن عباس وابن الحنفية وأصحابهما في دور قد جمع لهم الحطب فأحيط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر لو أن نارا تقع فيه ما رئي منهم أحد حتى تقوم الساعة وعجل علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ رجل فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه. وأقبل أصحاب بن الزبير فكنا صفين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلا إلى صلاة حتى أصبحنا وقدم أبو عبد الله الجدلي في الناس فقلنا لابن عباس وابن الحنفية ذرونا نريح الناس من بن الزبير فقالا هذا بلد حرمه الله ما أحله لاحد إلا للنبي﵇ ساعة ما أحله لاحد قبله ولا يحله لاحد بعده...)178.
ولما عادت الأمور إلى سيطرة بني أمية، وعاث الحجاج في الأرض فسادا يتطلع إلى الرؤوس اليانعة، ويسكر بمنظر الدماء ترقرق بين العمائم واللحى !! وضج الناس من عموم الظلم، وشموله، حتى الذين كانوا محسوبين تاريخيا على بني أمية كبني الأشعث لم يتحملوا ذلك المقدار فكان أن أعلن عبد الرحمن بن الأشعث تمرده على الحجاج، بعدما جمّرهم في البعوث، لا يهمه غير الانتصار على عدوه لجلب الغنائم، ولا يخسر شيئا على التقديرين، فإن قُتل هؤلاء فقد استراح من (همّ القلب) وإن قتل أولئك جاءت غنائمهم وجواريهم!!
وكان عطية من جملة الثائرين.. قال بن سعد (..خرج عطية مع ابن الاشعث على الحجاج، فلما انهزم جيش ابن الاشعث هرب عطية إلى فارس، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم: أن ادع عطية فان لعن علي بن أبي طالب والا فاضربه اربع مئة سوط !! واحلق رأسه ولحيته، فدعاه فأقرأه كتاب الحجاج، فأبى عطية ان يفعل، فضربه اربع مئة سوط، وحلق رأسه ولحيته، فلما ولي قتيبة خراسان خرج عطية إليه، فلم يزل بخراسان حتى ولي عمر بن هبيرة العراق، فكتب إليه عطية يسأله الاذن له في القدوم، فأذن له، فقدم الكوفة، ولم يزل بها إلى ان توفي سنة إحدى عشرة ومئة..وكان ثقة وله احاديث صالحة..).
وأما الاجابة على السؤال السابق: فإنه من التتبع للروايات التاريخية، وفي كتب الحديث يظهر أن هناك عدة احتمالات في وقت فقدان جابر لبصره: ونحن نرجح أنه لم يكن كفيف البصر في يوم الأربعين.
الاحتمالات الموجودة:
1. أنه كان كفيف البصر في يوم الأربعين (العشرين من صفر) سنة 61هـ.. وقد يستفاد هذا من ظاهر رواية صاحب بشارة المصطفى كما في قوله: ألمسنيه (القبر).. وقوله فيما بعد خذني نحو ابيات كوفان.
2. أنه كان كفيف البصر يوم واقعة الحرة، كما يستفاد من رواية البداية والنهاية179 التي تنتهي إلى ابنيه.
3. أنه كان كفيف البصر في زمان عبد الملك بن مروان (من سنة 73هـ سنة 86هـ)، وبالتحديد في سنة خمس وسبعين عندما حج هذا وذهب إلى المدينة كما ذكره ابن سعد في الطبقات 180 فقد صرح فيه بأنه كان قد كف بصره. وبعدها توفي كما عليه أكثر المؤرخين في سنة 78هـ.
4. أن يكون قد كف بصره قبل سنة (74هـ) وبعد سنة (71هـ).
مناقشة الاحتمالات:
أما الاحتمال الأول، فلا مقتضي للالتزام به إلا ما يظهر من رواية بشارة المصطفى المتقدمة من خلال كلمات (ألمسنيه القبر وقوله: خذني إلى أبيات كوفان) وهذه لا صراحة فيها بل لا ظهور في العمى، فإن الرجل الكبير مثل جابر في ذلك السن المتقدم (حوالي 82 سنة أو 87 سنة)، (إذ أن عمره عندما توفي كان 95 سنة) يحتاج إلى مساعدة شخص يكون معه، وهكذا ألمسه القبر، ثم أخذه إلى طريق كوفان دليلا ومرافقا. وربما يكون ذلك من أثر حالة الحزن الشديد والبكاء المتواصل التي اعترت جابرا إلى حد أنه قد وقع مغشيا عليه على القبر، لما لمسه.
بل في نفس الخبر الذي نقله صاحب بشارة المصطفى قرائن أخرى تخالف هذه العبارات: مثل قول (عطية) عن جابر أنه دنا من الفرات ثم قوله دنا من القبر؟.. وهكذا قوله فيما بعد ثم جال ببصره حول القبر. فكيف يجول ببصره وهو كفيف؟
ولم يذكر في أي مصدر آخر من المصادر التي تعرضت لحياة جابر على نحو مستقل أو ضمنا، أي إشارة إلى كونه كفيف البصر في تلك المرحلة.
على أنه مخالف لما اتفق عليه الرجاليون والمؤرخون من أن جابر بن عبد الله إنما كف بصره في أواخر عمره (وبعضهم يقول آخر عمره)، ولا يقال لمن كف بصره قبل سبعة عشر سنة من وفاته أنه فقد بصره في أواخر عمره.
وهو يصطدم بما ذكر في أكثر المصادر الشيعية (وبعض المصادر السنية) من لقائه بالإمام الباقر﵇، في المدينة فيما بعد، ونظره إليه وتعرف شمائل النبي﵌ فيه181.
الاحتمال الثاني: يلحق سابقه في الضعف، ولا دليل عليه سوى رواية محمد وعبد الرحمن ابني جابر. وقد نقله في البداية والنهاية باثبات (خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره) بينما لم تكن هذه الجملة في رواية محمد بن جابر بنفس النص التي رواها في كتاب الآحاد والمثاني.. أي لم يكن في هذا الكتاب غير نص (من أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين ووضع يده على جبينيه).
إضافة إلى ما سبق ذكره في رد الاحتمال الأول.
الاحتمال الثالث: وهو الذي نرجحه أن جابر بن عبد الله بعدما بقي في الكوفة لمدة من الزمن، عاد إلى المدينة كما ينص عليه المؤرخون وبقي فيها وفي هذه الأثناء حدثت واقعة كربلاء، ولا نعرف شيئا عن الاسباب التي منعت جابر عن الخروج من المدينة مع الحسين (وهي ليست بالضرورة العمى وفقدان البصر) فإن الحسين﵇ لم يدعُ كل من كان في المدينة للخروج معه بعد موت معاوية، وإنما خرج مع أهل بيته من المدينة المنورة متجها إلى مكة، والذين التحقوا به من غير أهل بيته إنما التحقوا به من مكة المكرمة أو من الطريق أو ممن راسلهم في الكوفة أو البصرة.
وبعد الواقعة قدم جابر بن عبد الله إلى كربلاء زائراً، فوافى هناك الركب الحسيني بما ذكرناه في الحديث عن اللقاء بين ركب السبايا وجابر (فراجعه في موضعه في القسم الأول).
ثم بعد أن عاد الى الكوفة كر راجعا إلى المدينة وبقي فيها، وتعرض للأذى الشديد لا سيما في وقعة الحرة، وفي زمان عبد الملك تعرض لِعَنت الحجاج الثقفي الذي ولي على المدينة سنة 74هـ، فقام يتتبع أصحاب الرسول﵌ بالإهانة والإذلال حتى لقد ختم عنق سهل بن سعد الساعدي، وختم كف جابر بن عبد الله الأنصاري كما ذكر الطبري.
في هذه الفترة أي ما بين سنة (71هـ وبين سنة 74هـ) كُف بصر جابر، وكان قد التقى بالإمام الباقر﵇ قبيل هذه الفترة وقبل فقده البصر182.
تذييل في احتمالات كيفية اللقاء وصوره المختلفة:
يحتمل أن يكون الإمام﵇ قد جاء مع والده لزيارة جابر، كما في تاريخ دمشق، وأنه لم يبق جابر بعد ذلك اللقاء إلا بضعة عشر يوما حتى توفي.. يضعف هذا أن في الرواية أن الباقر كان صبيا صغيرا، مع أنه مع فرض ولادة الإمام الباقر في سنة 58هـ، ووفاة جابر سنة 78هـ يكون عمره حينئذ عشرين سنة ولا يمكن أن يقال لمثله (صبي صغير)، وحتى لو كانت وفاة جابر سنة 74هـ يكون عمر الباقر﵇ ستة عشر عاما، وكذلك لا يقال صبي صغير لمن كان في مثل تلك السن.
كما يحتمل أن يكون اللقاء بين الإمام الباقر وبين جابر قد حدث قبل سنة 74هـ (والتي هي سنة وفاته أيضاً على رأي جماعة من المؤرخين وإن كانت تضعف برواية أخرى تفيد أن لقاءه بعبد الملك بن مروان سنة 75هـ)، فاللقاء تم بينه وبين الإمام حينما كان جابر مبصرا، وربما يكون في حدود سنة (70هـ) أو ما بعدها بقليل، وفيها مثلا قد يكون جابر يجلس للحديث في مسجد رسول الله﵌ ويتشوق إلى أداء أمانة رسول الله، فيقول يا باقر ويا باقر..إلى آخر ما ذكر في الأحاديث المختلفة، حتى إذا التقاه وعرّفه رسالة جده وبلغه سلامه، كان جابر يأتي الإمام الباقر﵇، ويتدارسان العلم النبوي، فربما تصور الناس أن الباقر يتعلم منه وإنما كان يعلمه كما في رواية أبان بن تغلب.
وهذا الاحتمال يمكن أن توفق به سائر الروايات، سواء تلك التي قالت أنه رآه في طريق فيه كتّاب أو أنه قال له يا غلام حيث يكون عمره في ذلك الوقت حوالي (13) سنة. أو غيرها كالتي ورد فيها أن جابر كان ينظر في الصحيفة التي كان فيها أسماء المعصومين﵈ وكان الباقر يقرأ من حفظه، وجابر يتابعه بالنظر في الصحيفة فما خالف حرفا.
�س: حول موضوع الشعائر الحسينية العزائية، وبالذات حول التطبير فقد كثر الكلام حوله بين مؤيد بقوة، وبين محرم له وناهٍ عنه يشنع على من يقومون به؟ واخذ الأمر بعدا اجتماعيا مما يخشى معه أن يتحول إلى صراع. فما هو الموقف الشرعي من ذلك؟ وما هي حقيقة الاختلاف بين المجوزين والمانعين؟ وكلهم علماء أهل البيت وينتمون لمدرسة واحدة وفقه واحد؟
الجواب: يمكن أن نقسم الشعائر العزائية الحسينية إلى قسمين:
القسم الأول ما هو متسالم على مشروعيته (بل واستحبابه) عند علماء الشيعة، ومن ذلك البكاء، واللطم على الصدور، وما شاكل.
والقسم الثاني: ما وقع فيه الاختلاف (مشروعية أو استحبابا) سواء كان ذلك بالعنوان الأولي أو العناوين الثانوية الطارئة. ومن ذلك التطبير (جرح الرأس بالسيف) والضرب بالسلاسل وإدماء الظهر.
ولا يرتبط الأمر بوضع سياسي معاصر كما قد يتصور البعض خطأ أنه من يكون ضمن وضع سياسي معين ويؤيد تياراً خاصاً فإنه سيلتزم بالمنع، بينما من يعارض ذلك التيار السياسي يلتزم بالجواز أو الاستحباب. وذلك أن الخلاف في هذه القضية عمره عشرات من السنين. قبل وجود الأوضاع السياسية المشار إليها.
كما أنه لا يرتبط بالضرورة على الظاهر بالنهج الفكري، الذي رأى بعض تصنيف الفئات إليه، كما كتب فيه بهذا الاتجاه، وصنفوا على أساسه القائلين بالمنع من التطبير (والقسم الثاني عموماً) بأنهم بأنهم دعاة إصلاح، ورجال تغيير، وفكرهم ينتهي إلى إنهاض المجتمع الشيعي، بينما دعاة الاهتمام بهذا النوع من الشعائر، والقائلين باستحبابه هم رجعيون في الفكر، وتقليديون في الممارسة، وليس لهم من الفكر المتطور نصيب !
أقول: لا يرتبط بذلك بالضرورة فإننا وجدنا تداخلا كبيرا في هذه المسألة، فإن شخصا مثل المحقق النائيني أعلى الله مقامه، مع ما هو عليه من الوعي السياسي حتى عد من أوائل الذين كانت لهم نظرية سياسية واقعية ناظرة إلى الأوضاع الحاضرة تجلت في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) وله ممارسة سياسية متطورة، قال بالجواز والاستحباب.
ومثله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والذي كان يعد من المجددين في الفقه وغيره، (ولا مجال للحديث هنا عن التفاصيل) أيضاً مع ما هو عليه من الادارة الاجتماعية الحكيمة، وبعد النظر السياسي، فإنه ذهب أيضاً إلى جواز ذلك والحث عليه فيما نقل من تعليقته على فتوى المحقق النائيني.
وقد أوردنا هذين المثالين للتأكيد على أن الأمر ليس ضمن معادلة الخط السياسي، كما قد يتراءى بادئ النظر، وليس ضمن معادلة الواقع المعاش الحديث. هذا كله بالنظر إلى الحكم الأولي.
كما أنه ليس أمرا حادثا، ولا وليد اليوم، وإنما كان محور نقاش، وربما صراع في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، والناظر إلى كتاب شعراء الغري (النجفيات) للشيخ علي الخاقاني، و (هكذا عرفتهم) للاستاذ جعفر الخليلي، وغيرها من الكتب التي أرخت للفترة تلك من حياة الحوزة العلمية في النجف يجد بشكل واضح أثر ذلك الاختلاف في الموقف بين فئات الحوزويين.
ولعل تلك الفترة نشطت فيها حركة التأليف في هذا المجال، واستصدار الفتاوى الموافقة أو المخالفة لكل فريق.
ونحن نقول هذا لكي لا يتصور الجيل الجديد، أن المسألة حديثة الظهور: فيظن الشباب وهم من الطرفين غيورون على الدين أن عليهم أن يواجهوا بعضهم، لأن الدين في خطر، فهذا الطرف المجوز يحارب الطرف المانع بكل ما أوتي من قوة باعتباره ضد الشعائر أو أنه يريد هدم شعارات المذهب وتقويض أسس الطائفة. أو أن الطرف المانع يحارب الطرف المجوز باعتباره متآمرا مع الأجانب لتشويه صورة الدين، وأنه داخل في مخطط لالحاق الأذى بصورة المذهب النقية !!
لا ليس الأمر هكذا، وليست القضية وليدة اليوم. وإنما هي منبعثة من خلال اختلاف طريقة الاستدلال والمقدمات التي يمهدها كل فريق للنتيجة الخاصة به. ونحن سوف نتعرض إلى عرض إجمالي لأدلة الطرفين بما يتناسب مع وضع هذا الكتاب، وبما يتناسب مع الفئة التي يوجه لهم، وهي في الغالب الفئة الشابة بنين وبنات.
فمما استدل به المجوزون:
1. أصل الاباحة: فقد تقرر عندهم أن الأشياء على الاباحة، وأن (كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام)، وهذا الأصل وإن تعددت صيغه، إلا أن نتيجته: أن ما لم يأت دليل على المنع منه من الله سبحانه أو المبلغين عنه (كالنبي والأوصياء﵈) فإنه مباح. وممارسة العزاء بهذا النحو من الضرب والادماء يشك في تحريمها والأصل عدم التحريم.
قد يقال: أنه قد ورد النهي عن الإضرار بالنفس، وهذا من الإضرار بها، ومع وجود النهي لا مجال لتحكيم الأصل.
لكنهم أجابوا: أن مطلق الإضرار بالنفس ولو في مراتبه الدانية لا دليل على حرمته، وخصوصا لو كان فيه مصلحة عقلائية. نعم لو كان الضرر يعد جناية على النفس بإتلافها أو يعد ظلما لها، كما لو أدى إلى نقص عضو، فهنا يكون حراما. وهذا غير متحقق في مظاهر الشعائر فإنهم يقومون بعملهم صباحا وبعد الظهر يمارسون حياتهم العادية. بالاضافة إلى المصالح الدينية المترتبة عليه مما هو واضح.
وواضح أن هذا المقدار من الاستدلال لا ينتج أكثر من الجواز والمشروعية، لا الاستحباب. لكنهم يضيفون:
2. أن هذا العمل مثل التطبير والادماء من مراتب الجزع الممنوع إلا في مورد الإمام الحسين﵇ فإنه غير ممنوع بل مرغوب ومحبوب. وقد ورد في الخبر بسند معتبر هو حسنة معاوية بن وهب183: كل الجزع والبكاء مكروه إلا الجزع والبكاء على الحسين﵇.
3. أن هذه الشعائر بما فيها التطبير والإدماء، من مصاديق إحياء الأمر، وقد ورد في الروايات كثيرا التوجيه إلى إحياء أمرهم، ومن مصاديق تعظيم الشعائر (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب). والشاهد على ذلك جريانها منذ فترات طويلة من الزمان بمسمع ومرأى من علماء الطائفة وأكابر المذهب، ولم يردعوا عنها أو يمنعوا منها، مع توفر الدواعي للمنع، والقدرة عليه ولو في حدود الفتوى.
وبالتالي فإن هذا العمل وإن لم يأت على الفرض إمضاء خاص بشأنه، إلا أنه مشمول للعمومات المرغبة في تعظيم الشعائر، وإحياء الأمر.
4. ويستشهدون ولو على نحو التأييد بما ورد في بعض الروايات التي لم تكن نقية السند، إلا أنهم عملوا بها كالخبر الذي نقله العلامة المجلسي في البحار184 وفيه أن زينب نطحت جبينها بمقدم المحمل، وكذلك ما ورد عنهم﵈ أنه (على مثل الحسين فلتشق الجيوب، ولتخمش الوجوه، ولتلطم الخدود)185.فإن لطم الخدود وإن لم يلزم منه الإدماء إلا أن خمش الوجوه لا ينفك عن الإدماء. وما ورد في زيارة الناحية المنسوبة 186 للإمام الحجة عجل الله فرجه (..ولأبكين عليك بدل الدموع دما..) فإن ذلك من إدماء العين بالبكاء، ولو لم يكن كل ذلك راجحا ومستحبا لما فعلته العالمة غير المعلمة زينب ولما تعهد به الإمام المعصوم﵈.
يا امة السوء لا سقيا لربعكم
يا امة لم تراع جدنا فينا
لو أننا ورسول الله يجمعنا
يوم القيامة ما كنتم تقولونا
تسيرونا على الاقتاب عارية
كأننا لم نشيد فيكم دينا
بني امية ماهذا الوقوف على
تلك المصائب لاتلبون داعينا
تصفقون علينا كفكم فرحا
وأنتم في فجاج الارض تسبونا
أليس جدي رسول الله ويلكم
أهدى البرية من سبل المضلينا
يا وقعة الطف قد أورثتني حزنا
والله يهتك أستار المسيئينا
ياهلالا لما استتم كمالا
غاله خسفه فأبدا غروبا
ما توهمت يا شقيق فؤادي
كان هذا مقدرا مكتوبا
يا أخي فاطم الصغيرة كلمها
فقد كاد قلبها أن يذوبا
ومما استدل به المانعون:
1. التشكيك في كون التطبير والادماء من مصاديق الجزع، أو التألم لما جرى على أهل البيت﵈ وبخاصة على الحسين﵇.فالبكاء هو من مصاديق التألم عرفا، والضرب على الصدور كذلك وأما الإدماء للجسد فليس كذلك. وحينئذ فلا يشمله ما دل على الترغيب في الحزن لأحزانهم والتألم لأجلهم.
2. أنه لم يعهد من الأئمة﵈، ولا العصر القريب منهم إمضاء عام ولا خاص لهذا النوع من العزاء، والممارسات.
3. الالتزام بأن مطلق الإضرار بالنفس حرام حتى لو لم يؤدّ إلى التهلكة أو للجناية على النفس بنقص العضو ونحوه ويمثلون بأنه لو جئت بشفرة وجرحت نفسك ووضعت بعد ذلك دواء ليندمل الجرح، فحتى لو شفيت بعدئذ فهذا حرام، لأنه تعريض النفس للضرر، والإضرار بالنفس ظلم للنفس، وظلم النفس محرم {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}187.
والإدماء هو من الإضرار بالنفس فلا يكون جائزا.
وهنا يختلف المانعون: حيث أن بعضهم لا يلتزم بهذا المبنى، ولذا يجوزون مثلا الضرب بالسلاسل مع أن فيه إضرارا بالنفس في مرتبة من مراتب الضرر.
4. التوسل بالعنوان الثانوي: وهو الوهن الوارد على المذهب على أثر هذه الممارسات، فهم يقولون أن أعداء المذهب اليوم، يتربصون به حتى يظهروه على غير حقيقته، وبروز هذه المظاهر والصور من التطبير والإدماء تسبب وهن المذهب، وتشويه صورته، وذلك غير جائز.
فحتى لو فرضنا جوازه بالعنوان الأولي فإنه بالعنوان الثانوي لا يكون جائزا لما فيه من تشويه صورة المذهب، وتسبيب الوهن عليه.
تلك كانت خلاصة رأي الطرفين وما يمكن أن يستدل به لكل منهما بمقدار ما يحتمله وضع هذا الكتاب والفئة المخاطبة به.
نهاية المطاف:
قد عرفت مما سبق أن كل طائفة من العلماء تعتمد على توجيه معين وتقريب خاص تصل من خلاله إلى نتيجة الجواز بل الاستحباب، أو المنع وعدم الجواز، ولنا هنا عدة نقاط، ربما مرت الإشارة إلى بعضها:
أولها: أن التزام المؤمن بتقليد من يقول بالمنع والحرمة، ولو لأجل العنوان الثانوي الطارئ، يعني أن لا يقوم هو بتلك الأمور، لكن لا يعطيه حق أن يحارب من يقوم بها إذا كان له حجة شرعية بتقليده من يقول بجوازها أو استحبابها.
كما أن التزام المكلف بقول مرجعه القائل بالجواز أو الاستحباب لا يعني فرض ذلك عليه على نحو الوجوب، ولا يعني أيضاً أنه هو الذي يدافع عن الأئمة فقط، وهو وارث التشيع دون سواه، وأن الآخرين ليسوا في خط أهل البيت﵈. وأنه يجب بالتالي زيادة هذه الأمور نكاية بالفريق الأول !
ثانيا: أن شعائر الحسين﵇، على اختلاف طرقها وأساليبها، يوجد بينها قاسم مشترك. والقاسم المشترك بينها كما يفترض هو أن تساهم في إحياء أمر أهل البيت﵈ وإن اختلف البعض في أن هذا يساهم أو لا يساهم في إحياء أمرهم لكن غرضها الأقصى والقاسم المشترك بينها هو ذاك.. فلا يصح أن يحولها أتباع أهل البيت إلى ساحة معارك داخلية. تنتهي إلى إضعاف أمر أهل البيت﵈.
وما نراه من حالات الهجوم والهجوم المضاد من قبل كل فئة للأخرى لا يحقق سوى المزيد من الانتكاس لخط الأئمة﵈، ولذا فإن الأطراف المختلفة مدعوة لملاحظة هذا الأمر.
إن الفئات الاجتماعية فيها من دواعي التفرق والاختلاف ما يكفيها، فلا يصح أن نضيف سببا جديدا هو ما يرتبط بالحسين﵇، والذي هو نور وهداية، فنحوله بتخلفنا وجهلنا إلى مصدر للفتنة والتناحر.. كيف وقد ذكروا﵈ بأن (طاعتنا نظام للملة وإمامتنا أمان من الفرقة)؟.
ثالثا: إنه لا بد من التفريق بين الحكم الأولي والذي لا يخضع لرأي الغير، ولا يؤثر فيه الزمان ما دام الموضوع واحدا، وبين الحكم الثانوي الذي ينظر إلى الطوارئ والعناوين اللاحقة. والمجوزون القائلون بالاستحباب، أيضاً يقولون بأنه لا يجوز لشخص القيام بهذا العمل لو كان بالنسبة له يؤدي إلى ضرر لا يتحمل عادة. وهكذا لو كانت الظروف المحيطة بالمجتمع كما لو كان أقلية شيعية في محيط معاد تنتج مشاكل حياتية صعبة، كالاحتراب الداخلي، وغيره.. وكانت تلك الشعائر فرضاً تسبب في حدوث تلك المشاكل فإنه حتى القائلين بالاستحباب لا يلتزمون به بالنظر إلى هذا العنوان الثانوي الطارئ بالنسبة إلى ذلك المجتمع وفي تلك الفترة الزمنية.
وهكذا يفترض أن القائلين بالحرمة على أساس أن هذه الممارسات تؤدي إلى وهن المذهب والإزراء عليه، يربطون الحرمة من هذه الجهة بتحقق الوهن، فلو فرضنا في مكان أنه لا يحصل وهن بل تقوية، فإنه لا ينبغي أن يلتزموا بالتحريم من هذه الجهة، مع فرض عدم الاضرار.
والاختلاف في تشخيص الأمور الخارجية أمر شائع ولا يفسد لا للود ولا في الدين قضية.
وهذا يعني أن يفكر الشباب المؤمنون في مناطقنا زادهم الله وعيا وحماسا، بأن القضية ليست على نحو الاطلاق بين حدي التحريم والوجوب.
�س: هل كان الحسين ملاحقا من أعوان يزيد؟ واضطر اخيرا إلى خوض معركة أم كان ثائرا؟
الجواب: الناظر إلى مجمل حركة الامام الحسين﵇، يقطع بأنه لم تكن تلك إلا ما عبر عنه (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنازعا في سلطان ولا التماسا لشيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك، وتقام المعطلة من حدودك فيأمن المظلومون في بلادك).
وأنه لم يكن سلام الله عليه إلا ثائراً آثر العز والشهادة على الذل والحياة الذميمة فقال (فليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما). وأقسم أنه لا يعطي بيده إعطاء الذليل ولا يفر فرار العبيد.
رأى أن ظهر الذل أخشن مركبا
من الموت حيث الموت منه بمرصد
فآثر أن يسعى على جمرة الوغــــى
برجل ولا يعطي المقادة عن يد
وقال قفي يا نفس وقفـــة وارد
حياض الردى لا وقفة المتــردد
بل إنه رفض أن يتنكب الطريق الأعظم من المدينة المنورة إلى مكة، مع أن البعض نصحوه بأن يفعل ذلك كما فعل ابن الزبير، فلم يقبل منهم. وبعدها من مكة إلى كربلاء خرج جهاراً أمام الملأ، إلا حين كادت أن تحصل المواجهة بينه وبين الحر بن يزيد الرياحي، الذي اقترح عليه أن لا يدخل الكوفة، فسار على غير الجادة.
إن الملاحَق أو المنهزم لا يفوت على نفسه فرصة النجاة لو حصلت، بينما حصل للحسين، وعُرض عليه العديد من فرص (النجاة).. وكان الحسين﵇ لا يبحث عن فرصة لنجاته وإنما كان يريد إنقاذ الدين، وإحياء ما مات منه حتى لو أدى ذلك إلى أن يكون شهيدا في هذا الطريق.
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
إلا إذا دمه في كربلا سفكــا
وهذا هو ما لم يفهمه بعض من عاصره، ولذلك طفقوا يقترحون عليه مرة أن يعتصم بالبيت الحرام حتى ينجو فإنه أعز واحد في الحرم !!، وأخرى يشار عليه بأن يذهب إلى اليمن فإنهم شيعة أبيه، وثالثة يشاور في أمر الذهاب إلى جبال آجا وسلمى !! بل أشار عليه بعضهم بأن (أوَلا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يُروك إلا ما تحب!!).
وعرض عليه عمر بن سعد ذلك، ولكن الحسين﵇، ما كان يبحث عن نجاته هو وإنما كان يبحث عن نجاة الأمة وتحقيق هدفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
�س: ألا يخشى أن تؤدي كثرة التدقيق في مسائل السيرة ونفي بعضها إلى تقليل ولاء أتباع أهل البيت﵈، والتأثير سلباً على الاعتقادات الأخرى؟ فيكون فتح هذا الباب سيئاً لأجل هذه الأثر السيء؟
الجواب: نحن نعتقد خلاف ذلك للأمور التالية:
1. لأننا مأمورون بالمعرفة والوعي في كل قضايانا العقيدية، وقد رأينا أن الذين ساروا على غير بصيرة ومن دون معرفة كيف انتهى بهم الحال إلى مشاكل في الرؤية والعمل.
«ومن ذلك ما يقوله أمير المؤمنين﵇ في إحدى وصاياه لكميل بن زياد:
(يا كميل: ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة)، ويحذر المعصومون﵈ من السير دونما بصيرة، لأن ذلك إضافة إلى أنه تبديد للجهد والطاقة و لا يوصل المرء إلى الهدف إطلاقاً بل يبعده عنه. يقول الإمام الصادق﵇:
(العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق فلا تزده سرعة السير إلاّ بعداً)188 ويجعل الإمام الصادق مقياس التفاضل بين العاملين، المعرفة، والبصيرة التي تجعل أعمال المؤمن ضمن الإطار الصحيح، فليست كثرة الصلاة والعبادة الخالية عن الوعي دليلاً على أفضلية المؤمن، إنما البصيرة الرسالية التي تعطي كل عمل أبعاده الكاملة في شخصية المؤمن.. فعن الصادق﵇ أنه قال:
«بعضكم أكثر صلاة من بعض وبعضكم اكثر حجاً من بعض، وبعضكم أكثر صدقة وبعضكم أكثر صياماً من بعض. وأفضلكم أفضل معرفة».
2. نحن نعتقد أن هناك ارتباطا وثيقا بين المعرفة العلمية، وبين قوة الاعتقاد وديمومة الولاء لأنه يكون في هذه الحالة ثابتا لا يتأثر بعواصف التشكيك189، ولا بحملات الآخرين، وإنما لسان حال المؤمن {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}190، لهذا كان ايمان العلماء بالغيب وما يرتبط به أقوى من إيمان غيرهم، {كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}191.
3. بل هناك ارتباط بين مقدار الثواب والمنزلة الإلهية، وبين الوعي والمعرفة، فصلاة العالم العارف تختلف عن صلاة غيره192 وزيارة المعصومين﵈ مطلوبة لكن زيارة الزائر إذا كان (عارفا بحقهم) أفضل.
ثم إننا نعتقد أن الكثير مما هو في السيرة ثابت ومحقق، وينبغي الاعتناء به، ولكن هناك بعض القضايا مما لا تعد من الأساسيات، لا ثبوت لها، وهذه لا يؤثر قبولها وردها كثيرا في ميزان الولاء والاعتقاد. حيث أنها لا تتصل في الغالب بأمور عقيدية وإنما هي تفاصيل في السيرة.
ولو كان المذكور صحيحا، أن التحقيق والبحث والمعرفة تؤثر سلبا على الولاء والاعتقاد السليم لرأينا أئمتنا ينهون عن التعلم والتعرف والحال أنهم يأمرون به. ولرأينا علماءنا يجتنبونه والحال أنهم يحققون فيه.
بل بالعكس نعتقد أن الإنسان كلما ازداد بصيرة، ازداد بمقدارها اعتقادا وولاء.
4. إن ما ينقل في بعض الحالات من الكتب غير المعتبرة أو على ألسن بعض الخطباء من غير تحقق، ربما أنتج آثاراً سلبية معاكسة على قوة الولاء، وذلك أن جيل اليوم هو جيل ناقد وواعٍ، وقد توفرت بين يديه الكثير من وسائل المعرفة، فإذا لم يتم التدقيق في هذه الروايات، واستبعاد غير الصحيح منها، مع وضوح شناعتها في بعض الحالات يخشى أن يسري الأمر إلى الثابت المحقق من السيرة.. فيتم رفضه.
�س: هل كل الشيعة يحيون عاشوراء بنفس ترتيب الأيام المعروفة لدينا، مثل كون السابع خاصا بالعباس وهكذا؟ وكيف وضعت هذه الأيام ومن كان واضعها؟ وكيف كانوا يحيونها قبل هذا الترتيب؟
الجواب: لا يظهر في الروايات الواردة عن إحياء أهل البيت﵈ لهذه المناسبة توزيع أو ترتيب كالذي نراه اليوم، فإن الروايات تذكر أنهم﵈ كانت تظهر عليهم آثار الحزن من بداية اليوم الأول من محرم، حتى إذا كان يوم العاشر فهو يوم المصيبة الكبرى. خصوصا أن من يدخل عليهم من الشعراء كان ينعى الحسين﵇، وشهداء كربلاء، ويعطف أحيانا على ذكر نساء الحسين وقضية السبي، مع أنه لم يأت حتى ذلك الوقت يوم العاشر.
أما في العصور المتأخرة، فما درج عليه (هيكل المجلس الحسيني الأساسي في العشرة الأولى من شهر المحرم من تسلسل حيث يكون موضوع الخطيب في اليوم الأول كما هو عند الأغلب أو الكثير الحديث عن هلال محرم وما يصاحب ذلك من تداعي المعاني وما يصاحب ذلك من حكايات وما كان له من تأثير عند أئمّتنا الأطهار وشيعتهم وأسلوب استقبالهم له وما كانوا يمارسونه من أنماط الحزن لذلك، هكذا هو اليوم الأول في الجملة.
وفي اليوم الثاني يتناول الخطيب فضل البكاء على ما جرى من فواجع في واقعة الطف ومشروعية هذا البكاء والتماس الأدلة على ذلك وما يترتّب من الأجر والثواب للباكي التقليدي أو الوفاء للباكي الواعي الذي يبكي لمجرد الإنفعال لمأساة عظيم كالحسين ظلمته أمّته ، يستعمل الخطيب عادة بعض مقاطع باللغتين الدارجة والعربية والمشحونة والمكهربة عاطفياً لاستدرار الدمع.
أمّا اليوم الثالث فغالباً ما يتناول خروج الحسين﵇ من المدينة المنوّرة وما أحاط به من أجزاء تصوّر المشهد من وداع لقبر جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبر أمّه﵍ ووداع أهله وكيفيّة موكبه وما رافق ذلك من مناظر مفجعة للوداع193 .
ويتناول في اليوم الرابع مسير الحسين﵇ومروره بالمنازل والتقائه ببعض أهلها ولقاء الحرّ معه وما دار بينهما من مطارحات وما حدث من أعمال وينتهي غالباً إلى حدّ نزول الحسين﵇ بكربلاء .
ويتخصّص اليوم الخامس لسيرة مسلم بن عقيل﵇ ومكانته وسرّ اختيار الحسين له ليكون رسوله إلى الكوفة إلى مصرعه ومصرع ناصره هاني بن عروة والأحداث التي ارتبطت بذلك اليوم.
في اليوم السادس من محرم تتلى سير شهداء الطف من أنصار الحسين﵇ مثل حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وزهير بن القين وغيرهم ، ودراسة أحوالهم ومكانتهم وما أعدّ الله تعالى لهم .
واليوم السابع يخصّص للعباس بن علي وإخوته أبناء أم البنين وما له ولهم من صفات من حيث النسب والمكانة ومؤهّلاته البطولية والإيمانيّة الخ إلى مصارعهم .
واليوم الثامن للقاسم بن الحسن الشهيد الصبي الذي تمتزج ذكراه بما رافقها من آفاق عاطفية زوّجته وصنعت له عرساً نثاره من النبل وخضابه من الدم وحلّته من نسيج امتزج فيه غبار المعركة بلون الدم ولهيب الجرح لينزف بعد ذلك محمولاً على صدر الحسين إلى خيمة جمعته مع لداته بين دموع الأهل وحسرات الأمهات.
أمّا ليلة التاسع فهي ويومها لعليّ الأكبر بن الحسين﵇ أولّ قتيل من الهاشميين وحالات الحسين عند مصرعه وما يرتبط بذلك من شؤون الآباء مع الأبناء وتشير إلى المشاهد التي تلهبها الأجواء العاطفية ويعمقها الخيال حتى الشهادة .
أمّا ليلة العاشر فهي مخصصة للإعداد للمعركة وذكر ما جرى فيها من عبادة ووداع واستعداد للشهادة والحالة النفسية للعائلة وهي تتوقّع المجزرة صباحاً وفراق أهلها وأحبّتها . وختام ذلك كلّه أحداث صبيحة العاشر التي منها قراءة ما يسمّى بالمقتل حيث تستعرض كلّ ملابسات واقعة الطف والإعداد لها ابتداء من طلب البيعة من الحسين ليزيد والإمتناع والمسير إلى كربلاء مروراً بمكة المكرمة والمنازل ونزولاً بكربلاء واستعراضنا لكلّ الأحداث بما فيها القتال إلى أن ينتهي الأمر إلى مصرع الحسين﵇.
وسواء كان هذا الترتيب تعيّنياً194 وهو الأقرب أم تعيينياً ، فهو على الإجمال وصف للهيكل التقليدي للمجلس الحسيني عند الكثير)195.
وهذا الهيكل يظهر أنه هو القائم في العراق، ومحيطها الشيعي المتأثر بها مثل دول الخليج، وليس معلوما أنه نفس الترتيب الموجود في إيران، أو الهند وباكستان.
�س: ألا تعتقدون أن كثيراً من المواكب العزائية لا تنتج شيئاً، فما أن ينتهي موسم المحرم حتى يعود كل شيء إلى مكانه وتنسى الشعارات التي رفعت أيام المحرم بل إن بعض من يعزون لا يطبقون أهداف الحسين ولا ينسجمون معها؟
الجواب: مجرد أن الشعارات التي رفعت أيام محرم تنسى، أو أن بعض المعزين لا يطبقون أهداف الحسين﵇، لا يضر بموقع المواكب العزائية، ولا يدفع للاستغناء عنها، فإننا نجد أن القرآن الكريم وهو كتاب الله المنزل الذي لو أنزل {عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}196 ومع ذلك فإنه لا يؤثر في حياة كل المسلمين بمعنى أنك تجد الكثير من المسلمين غير متأثرين بثقافة القرآن وأخلاقه وتعاليمه، فهل يعني ذلك عدم فائدة القرآن؟ أو الاستغناء عنه؟
وأنت ترى أن الرسول الأعظم محمداً﵌ وسلم وهو من هو في الفصاحة والبلاغة، وقوة التأثير لكن بعض من عاصره واستمع إليه مباشرة لم يتأثر بأقواله !! فهل يعني ذلك عدم الفائدة من حديث النبي؟
إن من المهم أن يكون لدى المجتمع مؤسسات دينية، ومظاهر إسلامية، وشعائرية حتى تحافظ على الصورة الإسلامية العامة، وتكون مقصداً لمن يريد الاهتداء إلى التعاليم الإلهية، هذا ما يحتاجه كل جيل.
كما أنه ليس من الصحيح أن نطلب من الموكب العزائي أكثر من طاقته، فالموكب العزائي يقوم بدور الشحن العاطفي وتهيئة النفوس لتقبل التوجيه الفكري، ويصنع انتماء على مستوى العاطفة بين المعزي والمعزى به، أما أن نفترض أنه محلول كيماوي يدخله المعزي وهو مذنب أو غير واع، فيخرج من الطرف الآخر بعد ساعة وقد تغير كليا !! هذا مما لا يتوقع أصلاً، والبحث عنه بحث عن السراب.
إن علينا أن نشجع المواكب العزائية بكافة أشكالها، ونحاول أن نقوي فيها المضمون العاطفي والولائي لأهل البيت﵈، وأيضا أن يتم توجيهها توجيهاً سليماً من خلال إشراف الهادفين والواعين على تسييرها، واختيار الكلمات المناسبة فيها.
لقد رأينا أن بعض ما يقال من قصائد، و(رداديات) تصنع من الانتماء وتشجع الفرد على الالتزام بالقيم الدينية، أكثر مما تصنعه محاضرات متعددة، لا سيما في فئة الشباب.
وبناء عليه نحن نعتقد أن المواكب العزائية تصنع الكثير، الكثير، ووجود بعض المشاركين ممن لا يتأثرون بعد الموكب، أو ممن لم يكونوا على خط الانسجام مع الهدف الحسيني قبل الموكب لا يمنع من حصول الفوائد الكثيرة للمجتمع، ولا بد من تقوية هذه المواكب كماًّ ونوعاًّ.
�س: هل خرجت زينب﵍ بعد مصرع الحسين﵇ عصرا، أو أنها خرجت في الليل فقط كما يرى ذلك بعض خطباء المنبر؟ فإننا نجد من يقول بالأول ومنهم بالثاني؟
الجواب: سوف ننقل ما ذكره المؤرخون من خروج زينب بشكل عام، ومن خلاله سيتم الاجابة:
فقد ذكر المؤرخون أن زينب﵍ خرجت في المواضع التالية خارج197 المخيم:
1. خروج زينب عندما قتل علي الأكبر﵇، فقد ذكرالطبري في تأريخه نقلا عن أبي مخنف ينهيه إلى حميد بن مسلم قال سماع أذني يومئذ من الحسين يقول: قتل الله قوماً قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء قال وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادى يا أخياه ويا ابن أخاه قال فسألت عنها فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه 198.
2. خروج زينب عندما أرادت أن ترجع الغلام عن عمه: وهذه الحادثة قد رويت في كلمات المؤرخين بأكثر من نحو، فمن بعضها يستفاد أن الحسين﵇ كان يقاتل وخرج في هذه الاثناء عبد الله بن الحسن المجتبى﵇، بينما يستفاد من بعضها الآخر أن الحسين كان قد وقع صريعا على الأرض ولا يستطيع القتال، وقد أحاط به القوم لكنهم كانوا يتهيبون قتله فانفلت في هذا الحال عبد الله، منطلقا إلى عمه للدفاع عنه، فنادى الحسين﵇ اخته زينب أن تمسكه وتحبسه، فلم يقبل، وتخلص منها وجاء إلى عمه، فدفع عن عمه ضربة سيف قام بها بحر بن كعب، واتقاها الغلام بيده فإذا يده معلقة بجلدة !! فضمه الحسين إلى صدره.
3. خروجها﵇ ومخاطبتها لعمر بن سعد، ولعل هذا الخروج هو نفس السابق ولكن في مشهدين، نُقلا مقطعين.. فقد ذكر الطبري عمن حضر المعركة قوله: فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه ولا أجرأ مقدماً والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب قال فوالله إنه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته...وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الارض وقد دنا عمر بن سعد من حسين فقالت: يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ قال فكأني أنظر إلى دموع عمر وهى تسيل على خديه ولحيته قال وصرف بوجهه عنها199 !!. ثم نادى شمر ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل..الخ.
وهذه الموارد الثلاثة يظهر منها أن خروج العقيلة زينب﵍ كان قبل مقتله سلام الله عليه.
4. ما يستفاد من زيارة الناحية المقدسة (...حتى نكسوك عن جوادك، فهويت الى الأرض جريحا، تطؤوك الخيول بحوافرها، وتعلوك الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينك، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك، تدير طرفا خفيا الى رحلك وبيتك، وقد شغلت بنفسك عن ولدك واهلك، واسرع فرسك شاردا، والى خيامك قاصدا، محمحما باكيا. فلما رأين النساء جوادك مخزيا، ونظرن سرجك عليه ملويا، برزن من الخدور، ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك، مولع سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورفع على القنا رأسك..) فإن فيه تصريحا بخروج النساء ولا شك في كون زينب معهن..
لكن لا صراحة في هذه الكلمات بأن الخروج كان بعد المصرع، فقد يمكن فهم هذا النص200 على أنهن خرجن حالة كون الشمر جالسا على صدر الحسين﵇، وذبحه له واستمر ذلك إلى ما بعد الذبح.. فيكون الخروج مترافقا مع الذبح ومستمرا إلى ما بعده.
وقد يفهم على أن النص ينقل صورا مختلفة من الواقعة فيكون ذبح الشمر للحسين، وما ذكر في النص معطوفا على الصورة الأولى وهي صورة خروج النساء، كما أن الخروج بتلك الصورة لم يكن حالة ذبح الحسين﵇.. والشاهد عليه أنه بعد ذلك قال (.. وسبي أهلك كالعبيد، وصفدوا في الحديد، فوق أقتاب المطيات، تلفح وجوههم حر الهاجرات، يساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولة الى الأعناق، يطاف بهم في الأسواق..).
وعلى أي حال فإن فُهم من النص السابق أن خروج النساء كان في حالة ذبح الحسين واستمر لما بعده، فإنه شاهد على خروجهن بعيد المصرع وعدم انتظارهن إلى الليل.
5. ما ينقل عن كتاب الطراز المذهب (ولا يوجد عندي)، من أن زينب﵍ خرجت إلى حيث صرع أخوها الحسين فقالت: اللهم تقبل هذا القليل من القربان. وقد نقل تلك العبارة عنه الحجة الشيخ فرج العمران رحمه الله في كتابه وفاة السيدة زينب، قال: فمن عجيب صبرها وإخلاصها وثباتها ما نقله في الطراز المذهب أنها سلام الله عليها وعلى أبيها وأمها وأخويها لما وقفت على جسد أخيها الحسين﵇ قالت: اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان قال: فقارنت أمها في الكرامات والصبر في النوائب بحيث خرقت العادات ولحقت بالمعجزات. قال المؤلف النقدي201 أعلا الله مقامه: فهذه الكلمات من هذه الحرة الطاهرة، في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة، التي كانت فيها تكشف لنا قوة إيمانها ورسوخ عقيدتها وفنائها في جنب الله تعالى، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل.
ولا يُعلم بدقة هل كان هذا الوقوف عند الجسد بعد المقتل مباشرة أو أنه كان في الليل. بل ذهب بعضهم إلى أن هذا الكلام إنما تم في اليوم الحادي عشر كما يرى الشيخ الحائري في كتابه شجرة طوبى وكما يظهر من صاحب كتاب قصة كربلاء202.
فلم يظهر أن هناك دليلا وثيقا يعتمد عليه في تحديد وقت الخروج وأنه كان الليل أو النهار، لكن لو أريد التقريب ببعض الاعتبارات فإنه يستقرب أن الخروج كان ليلا. وذلك باعتبار أن الواقعة قد انتهت بحسب الأخبار في وقت العصر، ولما ذبح الحسين﵇، غارت الخيل على مخيم الحسين وبدأ السلب والنهب، ثم تم حرق المخيم، وانتشرت النساء والأطفال في الصحراء خوفا من النار، ومن هجمة الخيل، وبدأت زينب تجمع النساء والأطفال، وتدافع عنهن من السلب والتعدي، ويفترض أن هذه الحالة قد امتدت إلى زمن ليس بالقصير، فيبعد والحال هذه أن تترك زينب هذا الجمع من المذعورات والثكالى لكي تذهب إلى جسد الحسين مناجية له !!
وأكثر بعدا من ذلك أن تكون قد ذهبت بالنساء والأطفال إليه، مع كثرة العدد وتفرقهم وحالة الرعب والخوف الحادثة على أثر الهجوم العسكري.
نعم يمكن ذلك بعد استقرار الأمور، وإرخاء الليل سدوله الساترة، أن تخرج زينب وربما معها غيرها، إلى جسد الحسين﵇. خصوصا مع ملاحظة انستارها في ذهابها ومجيئها ليلا دون النهار الفاضح والكاشف !
لكن يبقى كل هذا في مستوى الاستقراب، ولا يرقى إلى كونه دليلا. خصوصا لو قرئ نص الزيارة بنحو يفهم منه أنهن خرجن في حال ذبح الحسين واستمرار ذلك إلى ما بعد المقتل. وأيضا مع فرض أن الزيارة نص صادر عن المعصوم.
�س: هل قتل الحسين بأمر يزيد أو أن ابن زياد تصرف من قبل نفسه؟ فإننا قد نقرأ في بعض الكتب أن يزيد لم يكن راضيا بقتله، وإنما كان ابن زياد هو الذي تعجل عليه !!
الجواب: في الواقع هو مأزق المؤرخ الرسمي الممالئ، والذي لا يستطيع أن أن يواجه الواقع بصراحته فيظل يدور حول القضية من غير هدى ولا بصيرة، ويتأول في غير مجال التأويل، فهو تارة يقول أن يزيد مجتهد ولكنه مخطئ في اجتهاده، وأخرى يحاول أن ينفي هذه المسألة، ويلقي بمسؤولية ما حدث على أهل الكوفة، وثالثة قد يكون أكثر (صفاقة ووقاحة) فيلقي بالمسؤولية على الحسين﵇، باعتبار أنه جاء (وأمر الأمة جميع) !! ففرقها؟؟ بينما كان يزيد داعي الوحدة والصلاح !! وبالتالي فقد قتل الحسين﵇ بسيف سله جده الرسول !! بل الأظرف من ذلك أنهم في بعض الأحيان يلقون بمسؤولية قتل الحسين وأصحاب الحسين على الله سبحانه !! فالله هو الذي قتل علي بن الحسين كما قال بن زياد عندما دخلوا عليه وسأل عن اسم زين العابدين فقيل له: هذا علي بن الحسين. قال: أليس الله قد قتل عليا بن الحسين؟.. فالمسألة إذن أن الله هو القاتل ! وهو المسؤول عن تلك الجريمة !!
ولعل أوضح من يترجم لنا عن هذا المنطق المعوج، كلمات ابن كثير الدمشقي في كتابه (البداية والنهاية) فإنه في ترجمة من سماه (أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنه !!) قال في تحليل مقتل الحسين﵇:
وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الامة كلها بكمالها ونتهم على نبيها صلى الله عليه وسلم، فليس الامر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الائمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة. فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم203.
فالقضية عند أن قوما تأولوا على الحسين، واجتهدوا في أنه أراد أن يفرق كلمة الأمة ويخلع من بايعوه، واجتمعوا عليه !! ثم إن الذين قتلوه هم شرذمة من أهل الكوفة ! فأما يزيد فلم يقتل ولم يكن راضيا أيضاً !
والحقيقة أن يزيد ككثير من السياسيين لهم نوعان من الكلام:
ما يعبر عن معتقداتهم الحقيقية، وخططهم الواقعية، وهذا قد يظهر أحيانا بشكل مختصر إذا كان يخالف الرأي العام ولكنه هو المعبر عن بواطن هؤلاء الأشخاص ويلاحظ أنه هو ينسجم تماما مع طريقة حياتهم، وتوجهاتهم العملية.
وهناك كلام للاستهلاك المحلي، والتسويق بحسب الظروف المحيطة، وهذا عادة ما يكون كثيرا وغير منسجم مع الأعمال الحقيقية التي يقومون بها.
والمؤرخون الرسميون يحاولون قدر الإمكان النظر إلى النوع الثاني، ويجعلونه هو الواجهة، وهو الكل في الكل، لكنهم سرعان ما يرتطمون بالوقائع المخالفة لتلك الكلمات، فيظلون يدورون ويلفون، ولا يستطيعون حتى إقناع أنفسهم فضلا عن غيرهم.
ومن ذلك ما نقل عن يزيد أنه ما أمر بقتل الحسين﵇، ولا رضي بذلك، وأنه لو كان بين ابن زياد وبين الحسين الرحم الذي بين يزيد وبين الحسين لما فعل به ما فعل !! أو أنه سمح بإقامة العزاء على الحسين في الشام بعد وصول النساء والسبايا !
وهذا الكلام كله علف للاستهلاك اليومي يلقى لمن يأكل !! وحقيقة الأمر هو أن يزيد الذي عبر عنه الحسين﵇ بأنه (وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد) كان منذ اليوم الأول قد عقد العزم على إنهاء وجود الامام الحسين لو لم يبايع.
وعبيد الله بن زياد وإن كان شخصا فاتكا لا يعرف للدين وأهله إلاّ ولا ذمة، ولذا اختاره يزيد لهذه المهمة وجمع له الكوفة إضافة إلى البصرة، إلا أنه لم يكن سوى آلة،وأداة تنفذ ما يطلب منها، بل إنه لو تأخر عن تلك المهمة لما حصل إلا على العقوبة204 وكان قد خُير من يزيد بين موته وموت الحسين﵇. ولما أنجز تلك المهمة استحق التكريم والثناء والشكر205. لا مجرد الرضا عما قام به.
وأما شذرات الكلام المتناثرة التي سجلها التاريخ من يزيد والتي كانت تنسجم تماما مع طريقة حياته وأعماله قوله وقد جلس على منظر مشرف من قصره، فجاء في تلك الفترة ركب السبايا فقال:
لما بدت تلك الحمول وأشرقــت
تلك الشموس على ربى جيرون
نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح
رفعت فجاوزت السماء وفوقه
فما لك إلا مرتقى الشمس مقعد
اسقني شربة تروي مشاشــي
ثم مل فاسق مثلها ابن زيــاد
صاحب السر والأمانة عنـدي
ولتسديد مغنمي وجهادي
فلقد قضيت من النبي ديوني206
وتمثله بأبيات بن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فـرحـا
ثم قالوا يا يزيد لا تشــل
لعبت هاشم بالملك فـلا
خبر جاء ولا وحي نزل207
لكنه لما تغير الرأي العام، واستعظم جريمة الأمويين في حق الحسين﵇ وأهل بيته، وبدأت بوادر النقمة تظهر للعلن، آنئذ بدأ يتنصل يزيد من المسؤولية ويلقي بها على ابن زياد وإلا فإنه كما يقول الطبري (لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين وأصحابه وأرسل برؤوسهم إلى يزيد سر بقتلهم وحسنت منزلة ابن زياد عنده.. ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أظهر الندم..). وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء (فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس وحق لهم أن يبغضوه).
�س: لماذا لم نجد عددا من الصحابة المخلصين مع الحسين مثل: جابر بن عبد الله و محمد بن الحنفية، عبد الله ابن جعفر، ابن عباس، وغيرهم؟
الجواب: إذا كان المقصود أن يستدل على عدم صوابية خروج الحسين﵇ وثورته بعدم خروج أولئك الصحابة معه، فهذا يذكرنا بحوار أبان بن تغلب مع بعضهم، فعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كنا في مجلس أبان بن تغلب فجاء شاب فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب﵇ من أصحاب النبي﵌ ! فقال له أبان: كأنك تريد أن تعرف فضل علي ﵇ بمن تبعه من أصحاب رسول الله صلى عليه وآله ! فقال الرجل: هو ذاك، فقال أبان: والله ما عرفنا فضلهم إلا باتباعهم إياه.208
وأما بالنسبة إلى الحادثة التاريخية:
فالذي يظهر أن الامام الحسين﵇ لم يدع إلى الخروج معه من أول الأمر في المدينة، وإنما دعى أهل بيته، وبعض بني هاشم، وكانوا خارجين في وجهة أمرهم تلك إلى المدينة، ولذا فإن عددا كبيرا من الناس لم يدعهم الحسين﵇ إلى نصرته، مع إلتقائه بهم ورؤيتهم له خارجا من المدينة. خصوصا أن خروج الامام﵇ من المدينة كان أمراً سريعاً، فبعد أن حصلت المواجهة الكلامية ليلا في قصر الامارة عند الوليد بن عتبة بين الامام الحسين وبين مروان بن الحكم، وأعلن الامام موقفه الصريح، لم يلبث إلا إلى نهار اليوم التالي حتى كان في طريق الخروج من المدينة إلى مكة، وهذا بلا شك لم يكن ليتيح له فرصة كافية للدعوة إلى النصرة بنحو عام209.
بل إننا نجد أنه حتى حين خروج الحسين﵇ من مكة وقد تلاحقت الأحداث بنحو أكثر مما كانت في المدينة، لم يدع الامام كل من لقيه لنصرته، وللالتحاق به.
وربما كان بعضهم لم يربطوا بين خروجه وبين ضرورة نصرتهم إياه، فقد مر عليه الفرزدق في التنعيم وسأله عن الناس هناك، وغادره الفرزدق ولا يظهر في الحوار بينهما أثر لدعوة الحسين إياه ولا في فهمه للزوم نصر الحسين. وهكذا بشر بن غالب الذي قيل إنه سأل الحسين عن قول الله (يوم ندعو كل أناس بإمامهم).. نعم في بعض الروايات نقل أنه دعا مثل عبد الله بن عمر فقال له في حواره إياه (فاتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي..). ومثل عبيد الله بن الحر الجعفي الذي قال له في جملة كلام (.. وأنت يا ابن الحر فاعلم أن الله عز وجل مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذنوب، وأدعوك إلى نصرتنا أهل البيت، فإن أعطينا حقنا حمدنا الله على ذلك وقبلناه، وإن منعنا حقنا وركبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحق).
وهكذا يظهر أن دعوة الامام الحسين﵇ العامة مقرونة بتوضيح أنه ليس ذاهبا لأجل الغنائم، وإنما للموت الذي (خط على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة..) فمن كان يتوسم فيه بحسب حكم الظاهر حرصه على السعادة والشهادة كان يدعوه. تلك الدعوة إنما كانت بعد أن عزم على الخروج من مكة. وتواصلت عند توقفه في منازل الطريق.
وبلغت ذروتها بالوصول إلى كربلاء. فكان يدعو الآخرين إلى نصرته، أو لا أقل الابتعاد عن الواقعة لو لم ينصروه، فإنهم لو تركوا نصرته، وهو يواجه القتل مع كونه الامام المفروض طاعته على الناس، من يترك ذلك (أكبه الله على منخريه في نار جهنم) كما قال﵇.
ثم إن بعض هؤلاء كانوا قد أبدوا صفحة عذرهم، فقد اعتذر مثلا صوحان بن صعصعة بن صوحان العبدي بزمانة (مرض مزمن مقعد) رجليه، وذلك عندما رجع الامام زين العابدين إلى المدينة مع عيال أبيه.
وقد قيل بالنسبة إلى محمد بن الحنفية أنه كان قد أبقاه الحسين﵇ ليكتب له ما يكون من أمر الحجاز، كما أنه قيل أنه أيضاً كان قد أصيب في بدنه بحيث لم يكن يستطيع القتال. وابن عباس كف بصره في أواخر عمره ولعله كان كذلك حين خرج الامام إلى العراق.
�س: عن حميد بن مسلم؟ من هو وما قيمة رواياته التاريخية فإننا نرى الكثير يعتمد عليه في سرد قضايا كربلاء. ألا يخل كونه في معسكر بني أمية بعدالته وبالتالي يفسد الاعتماد على رواياته؟
الجواب: حميد بن مسلم الأزدي
شهد معركة كربلاء مع جيش عمر بن سعد. وكان يقوم فيها بما يشبه دور المؤرخ أو المراسل الصحفي في هذه الأيام.
بعد معركة كربلاء كان مع التوابين وخرج معهم، ولم يؤثر عنه موقف قتالي مهم، ثم عاد مع العائدين بعد أن حل الظلام، واستشهد اكثر التوابين.
ظل مدة يتردد مع إبراهيم بن مالك الأشتر القائد العسكري للمختار على المختار ثم لم يلبث المختار أن أرسل إليه وإلى ثلاثة أشخاص آخرين لكي يؤتى بالأربعة في ضمن حملته على قتلة الحسين وأصحابه، فأتي بالثلاثة الآخرين بينما استطاع حميد بن مسلم الفرار210.
وبقي إلى أيام سيطرة عبد الملك بن مروان على الحكم بعدما قتل المختار على يد أتباع مصعب بن الزبير، وهُزم آل الزبير بيد أتباع الأمويين. حيث نلاحظ له قصيدة رثاء في حق عبد الرحمن بن مخنف (الأزدي) الذي قتل وهو من قادة الحجاج الثقفي في معركة مع الخوارج في حوالي سنة 75هـ. وبعد هذه الأحداث لم يعرف خبره.
تتبع رواياته بحسب تاريخ الطبري:
قبل أن ننقل رواياته، نسجل بعض النقاط العامة:
الأولى: يظهر من روايته خبر إرسال عبيد الله بن زياد شمر بن ذي الجوشن ومعه كتاب تصعيد الحصار على الحسين﵇، أن حميد بن مسلم لم يكن موجودا في كربلاء قبل يوم التاسع.211
وبناء عليه فيكون ما يروى عنه قبل هذا اليوم من أحداث كربلاء، سواء في مسير الحسين أو نزول كربلاء، غير تام لو كان يسنده إلى مشاهدته. أو أن يكون روايته لما جرى بين ابن زياد وشمر، مرسلاً بينما ظاهره أنه يعلم به مباشرة.
ويظهر بعد ذلك روايته مفصلة لأحداث كربلاء، مثل تحرك الجيش بعد وصول شمر بالرسالة، ويحتمل أن يكون حميد بن مسلم ممن ورد إلى كربلاء مع شمر بناء على هذا.
الثانية: إن عدد روايات حميد بن مسلم بالنسبة لمجموع روايات المقتل، وما يرتبط به، يعتبر قليلا نسبيا سواء من الناحية العددية أو الزمنية، فمثلا ما ذكره الطبري من روايات المقتل وأطرافه عن أبي مخنف، يقارب المائة رواية، نصيب حميد بن مسلم فيها هو العُشر فقط.
وهذا يلقي بضوء على ما تصوره بعضهم من أن المقتل مروي في أكثره كما قالوا عن طريق حميد بن مسلم، وقد كان في الطرف الآخر، فكيف له بأن يعرف ما يجري فيه هذا إضافة إلى كونه معاديا، ومحاربا لأهل البيت فكيف يعتمد عليه.
ونحن وإن أجبنا على سؤال بهذا المضمون في القسم الأول، وقد تسلمنا هناك فرضاً أنه من الرواة الأساسيين في الواقعة، إلا أننا هنا مع الملاحظة المذكورة نرى أن نصيبه من روايات المقتل هو بهذا المقدار المذكور أي عشرة في المائة فقط.
ومن الناحية الزمنية، فقد سبق أن ذكرنا أنه من المفروض أن حميداً لم يكن قبل التاسع من المحرم موجودا في كربلاء فلا يستطيع أن يروي مباشرة ما الذي حدث قبل ذلك اليوم، ودائرة (تغطيته الإعلامية المباشرة) تبدأ من اليوم التاسع وتمر بالعاشر إلى العصر، ثم إلى الكوفة لتنتهي ربما في اليوم الثالث عشر أو الرابع عشر. ولا تشمل ما بعد الكوفة، ولا الشام فضلا عن العودة منها إلى كربلاء والمدينة.
الثالثة: إن روايات كربلاء فيما يرتبط منها بالمخيم الحسيني، وما كان يدور فيه لا نجد فيها لحميد بن مسلم أثراً وهو واضح، بل لو نقل أحد رواية بهذا المعنى فلا بد من النظر إليها بعين الشك، إن كان ينقلها مباشرة، وذلك لأنه كان في المعسكر الآخر، وإنما كانت تلك الروايات كما يلحظ المتتبع لروايات أبي مخنف المنقولة في الطبري، مروية عن الامام زين العابدين﵇ بواسطة، أو عن الضحاك المشرقي، أو عقبة بن سمعان أو عن من نجى من الواقعة حياً.
تتبع روايات حميد:
1. ما سبق أن ذكر آنفا: روايته لخبر إرسال عبيد الله بن زياد رسالة بيد الشمر لعمر بن سعد، ووصول هذا يوم التاسع.
2. روايته خبر تحرك الجيش على أثر الرسالة المذكورة، قال: وزحف عمر بن سعد نحوهم ثم نادى يا زويد أدن رايتك قال فأدناها ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى فقال اشهدوا أني أول من رمى212.
3. روايته لمصرع علي الأكبر﵇ قال (أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال سماع أذني يومئذ من الحسين يقول قتل الله قوما قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء قال وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي يا أخياه ويا ابن أخاه قال فسألت عليها فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.
4. روايته مقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل وعون عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وجعفر ابن عقيل بن أبي طالب قتله.
5. روايته مقتل القاسم بن الحسن قال خرج الينا غلام كأن وجهه شقة قمر في يده السيف عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها اليسرى فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والله لأشدنّ عليه ! فقلت له: سبحان الله وما تريد إلى ذلك يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه ! قال فقال: والله لأشدنَّ عليه فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ! فوقع الغلام لوجهه فقال: يا عماه ! قال فجلى الحسين كما يجلي الصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب عمراً بالسيف فاتقاه بالساعد فأطنها من لدن المرفق فصاح ثم تنحى عنه. وحملت خيل لأهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من حسين فاستقبلت عمرا بصدورها فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه فتوطأته حتى مات.
وانجلت الغبرة فإذا أنا بالحسين قائم على رأس الغلام والغلام يفحص برجليه وحسين يقول: بُعداً لقوم قتلوك ! ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك. ثم قال: عزَّ والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك ! صوت والله كثر واتره وقل ناصره.
ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الارض وقد وضع حسين صدره على صدره قال فقلت في نفسي ما يصنع به فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي ابن الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهله بيته فسألت عن الغلام فقيل هو القاسم ابن الحسن بن علي بن أبي طالب.
6. روايته مصرع الحسين وسقوطه من ظهر فرسه، واللحظات الأخيرة من حياته: ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عليه قال وإن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير من بني بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه فامتلا البرنس دما فقال له الحسين لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين..
وبحسب قرب الرجل من المصرع، فقد استطاع أن ينقل تفاصيل اكثر عن الحسين﵇ في تلك اللحظات213.
7. رواية المآثر والمواقف (الجيدة) لنفسه: روى حميد بعض الحوادث، مما يحسب له كمآثر، ولذا يمكن التأمل قبل قبولها، فمن جهة يُقرّب احتمال قبولها باعتبار أن تلك المواقف تستدعي الحالة الإنسانية بغض النظر عن موقفه السياسي والديني، خصوصا مع ملاحظة أن بعض من جاء إلى المعركة في الطرف الأموي لم يكن مؤمنا بها. ولذا فإنه لو استطاع في بعض المواقف التي تملي عليه فطرته الإنسانية موقفا صحيحا، فليس ذلك بالغريب بل هو مقتضى الفطرة.
وقد يُوجَّه ردها بأن أحدا لم يروها غيره، وأن هذا من باب أنه (يجر النار إلى قرصه) خصوصا بعد أن تكشفت المعركة عن الفجائع والمأساة، وصار الجو العام معاديا للأمويين وللقتلة، ولا سيما حين بدأ دور الاقتصاص منهم أيام المختار، فكان من الطبيعي هنا أن ينكر البعض دوره السلبي، ويصطنع له دوراً إيجابياً، دفاعاً عن نفسه، واكتسابا لحظوة ضمن الوضع الجديد.
وعلي أي من التقديرين فقد نقل الطبري عنه، أنه لما حاول شمر بن ذي الجوشن أن يقوض مخيم الحسين باشعال الحريق فيه، قبل المصرع جاء إليه حميد بن مسلم وتكلم معه في ذلك:
قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال قلت: لشمر ابن ذي الجوشن سبحان الله إن هذا لا يصلح لك أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك !
فقال: من أنت قال قلت لا أخبرك من أنا قال وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرني عند السلطان !
قال فجاءه رجل كان أطوع له مني شبث بن ربعي فقال ما رأيت مقالا أسوأ من قولك ولا موقفا أقبح من موقفك أمرعبا للنساء صرت؟ قال فأشهد أنه استحيا فذهب لينصرف.
ويروي هو بنفسه أيضاً عن محاولته لثني عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي (وحميد كان أزديا أيضاً) عن الهجوم على القاسم بن الحسن وقتله فيقول خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر في يده السيف عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها اليسرى فقال لى عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والله لأشدنَّ عليه فقلت له سبحان الله وما تريد إلى ذلك يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم214 قال فقال والله لأشدنَّ عليه فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه 215..
وهناك رواية أخرى يأتي بها في سياق مآثره، وهي بالتالي خاضعة لما تقدم ذكره، وهي دوره كما نقل في التأثير على شمر بن ذي الجوشن، لإقناعه بترك قتل الامام السجاد بعد مصرع الحسين﵇، فعنه قال: انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي (الاصغر) وهو منبسط على فراش له وهو مريض وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون ألا نقتل هذا قال فقلت سبحان الله أنقتل الصبيان إنما هذا صبي قال فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن سعد فقال: ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده عليهم قال فوالله ما رد أحد شيئاً قال فقال علي بن الحسين جزيت من رجل خيرا فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شراً216.
8. روايته للحدث في اليوم الحادي عشر من الكوفة، حينما نقل ما جرى بين زيد بن أرقم وبين عبيد الله بن زياد، ووضعه الرأس بين يديه.وذلك أن عمر بن سعد قد أرسل حميد بن مسلم لإخبار أهله بسلامة بن سعد، قال: دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم217 بفتح الله عليه وبعافيته فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس فدخلت فيمن دخل فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له:اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضخ الشيخ يبكي فقال له ابن زياد أبكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك218!
9. ثم أخيراً روايته لخبر دخول السبايا على ابن زياد وحواره مع زين العابدين﵇. قال: إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين فقال له: ما اسمك قال أنا علي بن الحسين ! قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين فسكت ! فقال له ابن زياد: مالك لا تتكلم؟
قال: قد كان لي أخ يقال له أيضاً علي فقتله الناس !
قال:إن الله قد قتله قال فسكت علي !
فقال له: مالك لا تتكلم؟ قال: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}219، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ}220.
محاولة رسم لشخصية حميد بن مسلم:
1. يظهر من التتبع العام لشخصية حميد بن مسلم أنه ليس رجل موقف بحيث يلتزم به فيحامي عنه، ويضحي من أجله، فهو مثلا يشهد كربلاء ولا يقاتل في أي من الصفين ولا يؤثر عنه فعل، لا في هذا الجانب ولا في ذاك، ثم يكون مع التوابين الذين ثاروا ضد بني أمية وحاولوا التكفير عن خذلانهم.. مع أن هؤلاء لم تتح لهم فرصة القتال مع الحسين﵇، لكون عدد منهم مسجونين، أو ممن لم يستطيعوا الخروج من الكوفة221 بينما كان هذا الرجل موجودا في المعركة، وشهد تحول عدد من أنصار بني أمية إلى المعسكر الحسيني فلم يكن هناك شيء ليمنعه لو كان صاحب موقف.
ثم إنه حتى وهو يعد نفسه من الشيعة، الذين خرجوا مع التوابين، لم يعرف عنه أي موقف، حتى برواية نفسه فضلا عن غيره. فهاهو يتحدث عن تحرك التوابين في أيامه الأولى222:
قال: والله إنى لشاهد بهذا اليوم يوم ولوا سليمان بن صرد وإنّا يومئذ لأكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره، فتكلم سليمان بن صرد فشدد وما زال يردد ذلك القول في كل جمعة حتى حفظته. بدأ فقال أثني على الله خيراً وأحمد آلاءه وبلاءه وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله أما بعد فإني والله لخائف ألاّ يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذى نكدت فيه المعيشة وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير!
إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا ونمنيهم النصر ونحثهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنّا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطاه اتخذه الفاسقون غرضاّ للنبل ودرية للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ! ألا انهضوا فقد سخط ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والابناء ! حتى يرضى الله والله ما أظنه رضياً دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا الموت...
ولم يكن له في تلك الموقعة أثر أو ذكر غير أنه كان يسعى بين المختار الثقفي وجماعة التوابين بالشحناء والفساد، وهذا أمر كان في ذلك الوقت له نتائج مدمرة سواء كان يشعر به فاعله أو لم يكن.
فها هو يقول223: قلت لسليمان بن صرد إن المختار والله يثبط الناس عنك إني كنت عنده أول ثلاث فسمعت نفرا من أصحابه يقولون قد كملنا ألفي رجل ! فقال: وهب أن ذلك كان.. فأقام عنا عشرة آلاف !! أما هؤلاء بمؤمنين أما يخافون الله أما يذكرون الله وما أعطونا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن !!
2. وبناء على ما سبق فصداقاته لو صح ما نقل ونُقل عنه غير خاضعة لموقف، إذ أنه تارة يتصور بصورة الشخص غير المعروف، بل المجهول حتى اسماً، كما في حواره المذكور مع شمر بن ذي الجوشن الذي سأله عن اسمه فقال له: لا أخبرك. وبين كونه صديقاً شخصياً لعمر بن سعد، فقد روي عنه أنه قال: كان عمر بن سعد لي صديقاً، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين، فسألته عن حاله، فقال: لا تسأل عن حالي، فإنه ما رجع غائب إلى منزله بشر مما رجعت به، قطعت القرابة القريبة، وارتكبت الأمر العظيم224.
وفي نفس الوقت هو يحشر نفسه مع التوابين، ويعد نفسه (من فرسان الشيعة) ويصادق إبراهيم بن مالك الأشتر القائد العسكري للمختار، والذي كان يكثر من الدخول به (بحميد على المختار) وإن كان ذلك لم ينفع في تبرئته من إثم المشاركة في كربلاء، ولذا طلبه المختار فيمن طلب.
3. عاش حياته بطريقة الصحفي أو الاعلامي الذي يبحث عن الحوادث المتميزة، ويرويها لغيره، لم يكن صانع خبر، وإنما متتبعا للأخبار، وبالذات الأخبار شديدة الاثارة، فهو في المقتل يفصل ما استطاع اللحظات الأخيرة، بما فيها من إثارة للمستمع، و(يستعرض) (سماع أذني من الحسين يوم قتل علي الأكبر..)، وهو يأتي ببعض الكرامات الحسينية سواء في المعركة أو بعدها، لكن هل تؤثر فيه هذه لتعديل موقفه؟ كلا إنما يكتفي منها بجانب الاثارة والنقل، ففي الطبري ينقل عنه:.. ونازله عبد الله ابن أبي حصين الازدي وعداده في بجيلة فقال يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً !
فقال حسين: اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً!
قال حميد بن مسلم: والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر225 ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعنى نفسه226.
هذا ما تيسر لي البحث عنه حول شخصية الراوي المذكور وحياته العامة، وأما هل أن ذلك يؤثر على رواياته التاريخية حول المقتل وما يرتبط به، فقد تمت الاجابة عليه في القسم الأول من هذا الكتاب.
�س: كم كان عدد الذين انتقلوا إلى معسكر الامام الحسين﵇ من الجيش الأموي؟
الجواب: لا توجد إحصائية دقيقة227 عن العدد وإن كانت هناك رواية ذكرها السيد بن طاووس (ت 664هـ) في كتابه اللهوف، تفيد أن عدد الذين انتقلوا إلى صف الحسين يبلغ اثنين وثلاثين، بينما ذكر ابن نما الحلي (ت 645هـ) في كتابه مثير الأحزان أنه جماعة من عسكر عمر بن سعد قد جاؤوا إليهم من دون تحديد عدد هذه الجماعة. والتتبع لروايات المقتل يفيد أن التالية أسماؤهم قد انتقلوا إلى المعسكر الحسيني:
1. الحر بن يزيد الرياحي (التميمي اليربوعي): قائد الفرقة التي بعثها عبيد الله بن زياد لمحاصرة الحسين ومنعه من الوصول إلى الكوفة، وقد انتقل إلى المعسكر الحسيني صباح اليوم العاشر قبل بدء المعركة وعلى أثر خطبة الامام الحسين﵇.
2. علي ابن الحر الرياحي السابق ذكره.
3. غلام الحر وهو تركي وقد ذكره في مقتل الخوارزمي.
4. من الذين انتقلوا إلى الحسين﵇ رجل من خزيمة جاء رسولا من عمر بن سعد إلى الحسين ليبلغه رسالته، فلم يرجع إلى عمر بن سعد وقال من الذي يختار النار على الجنة؟228
5. جوين بن مالك بن قيس الضبعي، ذكر أنه كان في جيش عمر بن سعد ثم انتقل إلى صفوف الامام الحسين﵇، وقتل في الحملة الأولى، وقد ورد ذكره في زيارة الناحية المقدسة.229
6. الحارث بن امرئ القيس الكندي: لما رأى الحسين﵇ قد أحاط به جيش الكوفة التحق بركبه230.
7. الحلاس بن عمر الراسبي231: سار هو وأخوه النعمان مع عمر بن سعد ثم تحولا إلى معسكر الحسين.
8. النعمان بن عمر الراسبي أخ الحلاس..
9. زهير بن سليم الأزدي لما رأى إصرار جيش الكوفة على مقاتلة الحسين﵇ اعتزل جيش عمر بن سعد ومال إلى معسكر الحسين واستشهد بين يديه232.
10. عبد الله بن بشير233 (قيل فيه أنه يعد من مشاهير دعاة الحق وحماته، كان في البداية ضمن جيش عمر بن سعد وقبل بدء القتال التحق بالامام الحسين واستشهد في الحملة الأولى قبل ظهر عاشوراء) وبالنظر إلى ما تقدم يمكن التأمل في كونه من جيش عمر بن سعد، بل يمكن الاحتمال أنه كان قد خرج مع الجيش لكي يتسلل من خلاله إلى معسكر الحسين خصوصا أن من كان يريد الخروج إلى الحسين لنصرته كان يمنع ويقاتل كما حصل لعامر الدلاني حيث قاتله زجر بن قيس على بوابة الكوفة عندما أراد الخروج لنصر الحسين.
11. مسعود بن الحجاج وابنه عبد الرحمن، ورد ذكرهما في الزيارة، وجاء في الأخبار أنهما خرجا مع جيش عمر بن سعد، ولما وصلا كربلاء التحقا بالامام الحسين234
12. عبد الرحمن بن مسعود بن الحجاج المتقدم ذكره.
13. عمرو بن ضبيعة التميمي: قيل فيه كان فارسا شجاعا فلما رأى رد الشروط على الحسين وعدم تمكينهم إياه من الرجوع من حيث أتى انتقل إلى الحسين﵇ وورد ذكره في الزيارة235.
14. القاسم بن حبيب الأزدي: خرج مع جيش عمر بن سعد، فلما بلغ كربلاء انفصل عنهم وانضم إلى جيش الحسين﵇ ونحتمل فيه ما احتملنا في عبد الله بن بشير من أن خروجه مع الجيش الأموي كان وسيلة للخروج من الكوفة والالتحاق بالحسين236.
15. يزيد أبو الشعثاء الكندي وكان شجاعا راميا وقد خرج مع الجيش الأموي فلما رآهم ردوا الشروط على الحسين عدل إليه فقاتل بين يديه237.
وهناك بعض الشهداء لم يتسن لهم أن يصلوا إلى معسكر الحسين﵇ وإنما كانوا في وسط الجيش الأموي، فحصل لهم ذلك التغير النفسي، وطفقوا يضربون في جنود عمر بن سعد بأسيافهم، فأقبل هؤلاء عليهم، وحيث أنهم كانوا في وسط الجيش استطاعوا أن يقتلوهم بسرعة حيث لم يكن مجال للمناورة عند أولئك السعداء. وعدد هؤلاء لا نعرفه لكن توجد إشارات تاريخية إلى حصول مثل هذه الحادثة.مثل:
16. سعد بن الحرث و:
17. أخوه أبو الحتوف، كانا في الجيش الأموي فلما رأيا وحدة الحسين﵇، ورأيا ما حل بأصحابه، مالا على الجيش بسيفيهما، يضربان فيهم حتى قتلا. وقد ذكرهما الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب فقال:
ابو الحتوف بن الحارث بن سلمة الأنصاري العجلاني نسبة إلى بني عجلان بطن من الخزرج. عن الحدائق الوردية في أئمة الزيدية: انه كان مع اخيه سعد في الكوفة، ورأيهما رأي الخوارج، فخرجا مع عمر بن سعد لحرب الحسين﵇ فلما كان اليوم العاشر وقتل أصحاب الحسين وجعل الحسين ينادي: ألا ناصر فينصرنا، فسمعته النساء والاطفال فتصارخن، وسمع سعد واخوه أبو الحتوف النداء من الحسين والصراخ من عياله، قالا: إنا نقول لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصاه، وهذا الحسين بن بنت نبينا محمد ونحن نرجو شفاعة جده يوم القيامة فكيف نقاتله وهو بهذا الحال لا ناصر له ولا معين، فمالا بسيفيهما مع الحسين على اعدائه وجعلا يقاتلان قريبا منه حتى قتلا جمعا وجرحا آخر ثم قتلا معا في مكان واحد، وختم لهما بالسعادة الابدية238.
�س: من الذي أجهز على الامام الحسين﵇ ومن احتز رأسه؟هل هو سنان أو شمر الضبابي؟
الجواب: في البداية لا بد أن نشير إلى نقطة، وهي أن بعض الأفعال لا يصح نسبتها إلا لفاعلها المباشر، بينما يصح نسبة أفعال أخرى إلى متعددين: المباشر وغير المباشر.
مثال الأول: جلس، وأكل، ونام وغيرها، فإنه لا يصح نسبة هذه الأفعال إلا لمن قام بها مباشرة. ومثال الثاني: بنى: فإنه يصح نسبة الفعل إلى دافع المال، فيقال فلان بنى بيتا، وبنى مسجدا، ويصح نسبته إلى المقاول الذي قاد فريق العمال فيقال: إنه هو الذي بنى المسجد، ويصح نسبته إلى العامل المباشر.
وفعل القتل هو من هذا القبيل: فإنه يصح إطلاقه على الآمر بالقتل، ولذا يُتحدث في الروايات عن يزيد باعتبار أنه قاتل239 الحسين﵇ مع أنه لم يكن الفاعل المباشر للقتل، ويُعرف عبيد الله بن زياد بأنه قاتل240 الحسين، وأيضا يطلق على عمر بن سعد بن أبي وقاص أنه قاتل الحسين241.. وكل هذه الاطلاقات صحيحة. لما ذكرنا.
ولكن الكلام هو في من أجهز عليه (صلوات الله عليه)، وباشر ذبحه لينال بذلك اللعنة المستمرة والعذاب المقيم. وهل أن الذي أجهز عليه هو الذي احتز رأسه فيما بعد أو يختلفان؟ فمن المعلوم أن الامام سلام الله عليه لما وقع صريعا من ظهر فرسه، وبقي على الأرض كانت القبائل تتحاشى قتله242، ولا تقدم عليه كما ذكر ذلك المؤرخون. إلى أن تقدم من كتبت عليه اللعنة والخزي.. وأكثر الروايات التاريخية، يتردد فيها أحد أسماء الشؤم التالية باعتبار أن واحدا منها أو أكثر، هو الذي لبس ثوب اللعنة الإلهية:
1. خولى بن يزيد الاصبحي: فقد نسب القاضي المغربي في كتابه شرح الأخبار، الفعل إلى خولى قائلا: وأجهز خولى بن يزيد الاصبحي بن حمير، واحتز رأسه، وأتى عبيد الله بن زياد، فقال:
إملأ ركابي فضة وذهبا
إني قتلت السيد المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا..
وكذا فعل ابن عساكر في ترجمة الامام الحسين﵇ فقال: قتله سنان بن أنس النخعي، وأجهز عليه وحز رأسه الملعون خولى بن يزيد الاصبحي.. وكذا ذكر أحمد بن عبد الله الطبري في كتابه ذخائر العقبى فقال: أجهز عليه خولى بن يزيد الاصبحي من حمير حز رأسه وأتى بها عبيد الله بن زياد. ومثله ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال: طعنه سنان في ترقوته واحتز رأسه خولى لا رضي الله عنهما.
2. سنان بن أنس النخعي: وأكثر الروايات تشير إلى أنه هو الذي احتز رأس الحسين﵇ ؛ فقد قال ابن عنبة في كتابه عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: واختلف في الذي أجهز عليه فقيل شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله تعالى، وقيل خولى بن يزيد الاصبحي، والصحيح أنه سنان بن أنس النخعي وفى ذلك يقول الشاعر:
فأي رزية عدلت حسينا
غداة تبيره كفا سنان
كما ذكره الفضيل بن زبير الكوفي الاسدي (من أصحاب الامامين الباقر والصادق﵉ في كتابه (تسمية من قتل مع الحسين﵇)243 فقال: الحسين بن علي، ابن رسول الله صلوات الله عليهم. قتله سنان بن أنس النخعي، وحمل راسه فجاء به خولى بن يزيد الاصبحي.
وذكره الشيخ المفيد244 رضوان الله عليه في كتابه الاعتقادات باعتبار أنه قاتل الحسين﵇، وكذا المسعودي245 فقال: وطعنه سنان بن أنس النخعي لعنه الله ثم نزل واحتز رأسه والسمعاني في الانساب. والطبري فقال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع ثم قال لخولي بن يزيد الاصبحي احتز رأسه فأراد أن يفعل فضعف فأُرعد فقال له سنان بن أنس فت الله عضديك وأبان يديك فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ثم دفع إلى خولى بن يزيد246، والطبري في المنتخب من ذيل المذيل أنه (قال الحجاج من كان له بلاء فليقم فقام قوم فذكروا وقام سنان بن أنس فقال أنا قاتل الحسين﵇ فقال بلاء حسن ورجع إلى منزله فاعتقل لسانه وذهب عقله فكان يأكل ويحدث مكانه).
ونسب الفعل إليه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، فقال إنه احتز رأسه ودفعه إلى خولى. والسيد ابن طاووس في كتابه اللهوف247. وكذلك ذكره الشيخ عبد الله البحراني في كتابه العوالم فقال: وأقبل عدو الله سنان بن أنس الايادي وشمر بن ذي الجوشن العامري لعنهما الله في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين﵇، فقال بعضهم لبعض: ما تنظرون؟ أريحوا الرجل، فنزل سنان بن أنس الايادي لعنه الله وأخذ بلحية الحسين﵇، وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: والله إني لأحتز رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول الله﵌ وخير الناس اما وأبا. وهذا الخبر هو الذي نقله الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي248 عن الامام الباقر﵇ ينسب فيه الفعل إلى سنان بن أنس. وقال ابن نما الحلي (ت 645هـ) أن الذي حز رأسه سنان.
وذكره ابن الأثير في أسد الغابة باعتباره قاتل الحسين﵇، وكذا ابن حبان في كتاب الثقات فقال: الذي قتل الحسين بن علي هو سنان بن أنس.
3. شمر بن ذي الجوشن الضبابي: وقد ورد ذكره مخصوصا باللعن في زيارة عاشوراء على لسان الامام الباقر﵇ إن تم السند. ويحتمل249 أنه هو المشار إليه في ما نقله بعضهم عن الحسين﵇: كنا مع الحسين بنهري كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال: صدق الله ورسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي « وكان شمر قبحه الله أبرص.
كما ورد ذكره في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة: (....على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك، مولغ250 سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورفع على القنا رأسك..).
وذكره الشيخ المفيد في الارشاد فقال: وبدر إليه خولى بن يزيد الاصبحي لعنه الله فنزل ليحتز رأسه فأُرعد، فقال له شمر: فت الله في عضدك، ما لك ترعد؟ ونزل شمر إليه فذبحه ثم دفع رأسه إلى خولى بن يزيد.
وقال محيي النووي في كتابه المجموع:والضبابي وهو بطن من كلاب منهم شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين﵇.
ذكر القندوزي في ينابيع المودة عن أبي مخنف251 (.. فأقبل الى شبث، سنان بن أنس النخعي، وكان كوسج اللحية قصيرا أبرص أشبه الخلق بالشمر اللعين فقال له: لِمَ ما قتلته ثكلتك أمك؟ قال شبث: يا سنان إنه قد فتح عينيه في وجهي فشبهتهما بعيني رسول الله﵌. ثم دنا منه سنان، ففتح عينيه في وجهه فارتعدت يده وسقط السيف منها وولى هاربا، فأقبل الى سنان، الشمرُ اللعين وقال له: ثكلتك أمك مالك رجعت عن قتله؟ فقال: إنه فتح عينيه في وجهي فذكرت هيبة أبيه علي بن أبي طالب ففزعت فلم أقدر على قتله.
فقال له الشمر الملعون: إنك جبان في الحرب، فوالله ما كان أحد غيري أحق مني بقتل الحسين. ثم إنه ركب على صدره الشريف، ووضع السيف في نحره، وهم أن يذبحه، ففتح عينيه في وجهه فقال له الحسين (رضي الله عنه وأرضاه): يا ويلك من أنت فقد ارتقيت مرتقى عظيما؟ فقال له الشمر: الذي ركبك هو الشمر بن ذي الجوشن الضبابي. فقال له الحسين: أتعرفني يا شمر؟ قال: نعم أنت الحسين بن علي، وجدك رسول الله، وأمك فاطمة الزهراء، وأخوك الحسن. فقال: ويلك فإذا علمت ذلك فلم تقتلني؟ قال: أريد بذلك الجائزة من يزيد. فقال له: يا ويلك أيما أحب اليك، الجائزة من يزيد أم شفاعة جدي رسول الله﵌؟ فقال الشمر الملعون: دانق من جائزة يزيد أحب إلى الشمر من شفاعة جدك. فقال له الحسين (رضي الله عنه وبلغه الله إلى غاية بركاته ومنتهى رضوانه): سألتك بالله أن تكشف لي بطنك، فكشف بطنه فإذا بطنه أبرص كبطن الكلاب، وشعره كشعر الخنازير. فقال الحسين﵇: « الله اكبر لقد صدق جدي﵌ في قوله لأبي: يا علي إن ولدك الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلاء، يقتله رجل أبرص أشبه بالكلاب والخنازير «. فقال الشمر اللعين: تشبهني بالكلاب والخنازير، فوالله لاذبحنك من قفاك. ثم إن الملعون قطع الرأس الشريف المبارك، وكلما قطع منه عضوا يقول: «يا جداه، يا محمداه يا أبا القاسماه، ويا أبتاه يا علياه، يا أماه يا فاطماه، أقتل مظلوما، وأذبح عطشانا، وأموت غريبا».
****
بعد التعرض إلى الأقوال، يمكن لنا أن نذكر ملاحظات لعلها تلقي بضوء على الإجابة، ونترك المجال للقارئ أيضاً لكي يتأمل، ويكون صورة عن الحادثة:
الملاحظة الأولى: أنه لا بد من التفريق بين (قتله) و (احتز رأسه) مع أن هاتين الكلمتين أحيانا يذكران في سياق معنى واحد، ولذا فإن الرواة الذين نقلوا الصورة التفصيلية فرقوا بين من (قتله) ومن (احتز رأسه). فإن (حز الرأس) عادة ما يكون بعد القتل، فإن طبيعة عمل المجرمين ذلك أنهم يريدون أن يهدوا أمراءهم رؤوس أعدائهم كما فعل أتباع معاوية برأس عمرو بن الحمق الخزاعي رضوان الله عليه، للتقرب لهم وللحصول على جوائزهم، وأيضا لإضعاف الروح المعنوية لأتباعهم، وهم في هذا حتى يحتزون رأس الميت لهذا الغرض، أو يقتلون شخصا آخر للتلبيس على الأتباع بأن المقتول هو قائدهم252.
والتركيز على الفرق بين الأمرين مهم جدا، ويرفع الكثير من الابهام عن الصورة الحقيقية. فقد ترى نفس الشخص يروي بأن شمرا هو الذي قتل الحسين، وفي مكان آخر يقول إن الذي حز رأسه هو سنان، فيتصور الناظر لأول وهلة أن كلامه متخالف، بينما التدقيق في المسألة بناء على الفرق بين (القتل) و (حز الرأس) ينفي ذلك.
الملاحظة الثانية: أننا نعتقد أن الروايات القائلة بأن خولى بن يزيد الأصبحي هو الذي قتل الحسين أو احتز رأسه ليست قريبة من الواقع، ونعتقد أن الذين ذكروها قد اعتمدوا أساسا على الشعر الذي قاله هذا الآثم أمام أميره وهو يحمل الرأس، طمعا في الجائزة:
إملأ ركابي فضة أو ذهبا
إني قتلت السيد المحجبـا
قتلت خير الناس أماً وأباً253
وأول ما في ذلك أن هذه الأبيات أيضاً نسبت لسنان بن أنس النخعي، ولو صحت نسبة الأبيات له فالصورة التي يمكن رسمها من خلال ما ذكر عن تـأريخ هذا الرجل هي صورة الرجل المعتوه الذي لا يقدّر ولا يعرف حتى كيفية طلب الجائزة من أعداء القتيل وهم قادته !! فإن من يريد جائزة من عمر بن سعد أو من ابن زياد أو يزيد لا يصح أن يتوسل في ذلك بمدح عدوهم بأنه خير الناس أماً وأباً، وأنه السيد المحجب !! ولذا قيل أنه قد منع من العطاء ورُد بقولهم: إن علمت أنه خير الناس أما وأبا فلمَ قتلتَه؟
وفي الوقت الذي كانت سائر القبائل والأفراد يتحامون عن قتله ويترددون في ذلك لكيلا ينسب الفعل إليهم، يقوم هذا الرجل بالافتخار بذلك، مع العلم أنه لم يفعل ! مما يعطينا صورة عن شخص أقرب إلى العته منه إلى الشخص السوي !
والظاهر والله العالم أن الحسين﵇ بعدما قُتل، وحز رأسه، أعطي هذا الرجل رأسه لكي يحمله إلى ابن زياد كما هو الثابت أنه حمله فيما بعد وانطلق به إلى الكوفة بعد المعركة (مشتركا مع حميد بن مسلم الأزدي أو أن هذا في مهمة حمل الرأس وذاك في مهمة إخبار عائلة عمر بن سعد عن سلامته !). ويشهد له أن أكثر من رواية تفيد أنه بدر إليه خولى فأُرعد (أصابته الرعدة من الخوف) فتراجع. وأيضا ما ذكره أكثر من مصدر أنه قد دفع إليه الرأس254. إضافة إلى أنه لم يأت له ذكر في أي من الأخبار مهما كانت أسانيدها المنسوبة إلى أهل البيت﵈ باعتباره القاتل.
الملاحظة الثالثة: يبقى الاحتمال دائرا بين شمر بن ذي الجوشن وبين سنان بن أنس النخعي، وبالنسبة إلى الثاني فإن أكثر الروايات التاريخية تتحدث عن أنه قتل الامام، أو احتز رأسه، بينما تتحدث الروايات المنسوبة لأهل البيت المعصومين﵈ عن أن القاتل شمر وأنه هو الذابح.
ويحتمل أن يكون القاتل هو شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وأن الذي احتز رأسه فيما بعد القتل هو سنان بن أنس، ويمكن الاستشهاد لهذا بعدة أمور:
ما ذكر في أكثر من رواية تاريخية أن شمر بن ذي الجوشن أمر أن ينزلوا إليه وأنهم ما ذا ينتظرون به، فنزل إليه سنان فأرعد وخاف وتراجع (وبعضها يفصل أنه نظر إلى عينيه فرأى فيهما عيني علي ابن أبي طالب أو عيني النبي﵌) فاكتفى من ذلك بأن طعن الامام الحسين﵇ بالرمح، ثم ولى خائفا، فتولى شمر أمر قتله، ثم بعد أن قتل الشمر الحسين﵇ وأجهز عليه، لم يبق المانع الذي منع سنان قبلئذ، فاحتز رأسه.
يظهر من روايات أخرى أن سنانا هذا كان حريصا على أن (يحوز) برأس الحسين﵇ مهما كلف الأمر، ولعل شمرا الذي كان يهمه فقط إنهاء المعركة منتصرا !! وفي وقت سريع ولذا لم يتحمل تردد البعض، فصاح بهم ماذا تنتظرون؟ ولم يكن همه في رأس الحسين، قد التقت رغبته مع رغبة سنان الذي كان يهمه فقط أن يظفر برأس الحسين255، إما ليفتخر به أو ليحصل على الجائزة هذا بناء على أنه هو قائل الأبيات المذكورة (إملأ ركابي..)256.
وإذا أعدنا إلى الذكر ما سبق من التفريق بين القتل وحز الرأس، وأنه يظهر أن الذي حصل شيئان مختلفان قد قام بكل جريمة منهما شخص يختلف عن الآخر، أمكن لنا تصوير الجمع بين ما هو في الروايات التاريخية، وما ورد في بعض المرويات المنسوبة257 لأهل البيت﵈.
أن اختصاص شمر بن ذي الجوشن في زيارة عاشوراء باللعن (إضافة إلى يزيد وابن زياد وعمر بن سعد وهم من يمكن أن ينسب إليهم القتل لأمر الأولَين وقيادة الثالث كما ذكرنا في البداية من صحة نسبة بعض الأفعال لمتعددين مع أن المباشر له واحد ـ)، هذا الاختصاص لا مبرر له غير دوره الاستثنائي في هذه الجريمة، وهو القتل وإزهاق روح الامام المعصوم صلوات الله عليه، الأمر الذي ذكر في زيارة الناحية.. والحد المذكور في زيارة الناحية وهي الأكثر تفصيلا في هذه الجهة من عاشوراء، أنه (جالس على صدرك، مولع (مولغ)258 سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده..) وهذه لا تفي بمعنى أكثر من القتل. والذبح يمكن حصوله من دون حز الرأس بكامله.
ولم يذكر سنان بن أنس في روايات أهل البيت، غير الرواية التي وردت في الأمالي ويظهر فيها أن سنان كان مستقلا بأمر القتل بتمامه دون شمر، وهو مخالف للمشهور من أن شمرا كان له دور أساس في القتل..
وهناك ملاحظة أخيرة وهي احتمال حصول الاشتباه عند بعض ناقلي الخبر لا سيما ممن كان حاضرا، بين الشمر وسنان، فإن الأخير كان شديد الشبه259 بالأول من ناحية الشكل كما ذكروا.
والمسألة غير محسومة عندي، وتحتاج إلى مزيد بحث، وإن كان ما سبق ذكره من أن القاتل هو شمر لما ورد في الزيارتين، وأن مَن حز الرأس بعد القتل طلبا للجائزة هو سنان لما ذكر في أكثر المصادر التاريخية، هو الأقرب260لكنه مخالف لما عليه المشهور لدى أهل المنبر والمتحدثين في السيرة، والله العالم.
�س: كيف يتم التوفيق بين ما ورد من استحباب الاغتسال والتطيب لزيارة الحسين﵇ كما فعل جابر بن عبد الله حيث اغتسل، ونثر على نفسه صرة سعد261، وبين ما ورد أنه يزور الزائر أشعث أغبر؟
الجواب: في البداية ينبغي أن يقال أن عمل جابر ليس فيه دلالة على الاستحباب، إذا لم نعلم استناده فيه إلى قول المعصوم. ولكن أصل القضية فيها صنفان من الروايات الواردة عن أهل البيت فمنها ما يدل بظاهره على أن الاستحباب هو أن يكون الزائر حين الزيارة أشعث أغبر معللا في بعضها بأن الحسين قد قتل على تلك الحال: مثل:
ما روه في كامل الزيارات262 عن ابي عبد الله (الصادق)﵇، قال: إذا أردت زيارة الحسين﵇ فزره وأنت كئيب حزين مكروب، شعث مغبر، جائع عطشان، فان الحسين قتل حزيناً مكروباً شعثاً مغبراً جائعاً عطشاناً، وسله الحوائج، وانصرف عنه ولا تتخذه وطناً..
وبهذا الإسناد عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن عمر، عن صالح بن السندي الجمال، عمن ذكره، عن كرام بن عمرو263، قال: قال أبو عبد الله﵇ لكرام: إذا أردت انت قبر الحسين﵇ فزره وأنت كئيب حزين شعث مغبر، فان الحسين﵇ قتل وهو كئيب حزين، شعث مغبر جائع عطشان.
وفي بعض الروايات الأخرى أنه يأتي إلى الزيارة حافيا: مثلما رواه أيضاً في كامل الزيارات264عن الصادق﵇: من أتى قبر الحسين﵇ ماشيا كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة، ومحى عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة، فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك، وامش حافيا، وامش مشي العبد الذليل، فإذا أتيت باب الحائر فكبر أربعا، ثم امش قليلا، ثم كبر أربعا، ثم ائت رأسه فقف عليه فكبر أربعا، وصل عنده وسل الله حاجتك.
وفي المقابل ما يظهر من روايات أخر أنه يأتي مغتسلاً لابساً نظيف الثياب:
فمنها ما رواه في الكافي265:
عن الحسين بن ثوير قال: كنت أنا ويونس بن ظبيان عند أبي عبد الله﵇ وكان أكبرنا سناً ـ إلى أن قال: ـ فقال: إذا أردت زيارة الحسين كيف أصنع وكيف أقول؟ قال: إذا أتيت أبا عبد الله﵇ فاغتسل على شاطئ الفرات والبس ثيابك الطاهرة، ثم امش حافياً فإنك في حرم من حرم الله وحرم رسوله، وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح والتمجيد...
وما رواه أيضاً في الكامل266 عن الصادق﵇ عندما سئل عما يلزم للذاهب إلى زيارة الحسين﵇ (.. يلزمك حسن الصحبة لمن صحبك، ويلزمك قلة الكلام إلا بخير، ويلزمك كثرة ذكر الله، ويلزمك نظافة الثياب، ويلزمك الغسل قبل أن تأتي الحائر..).
وهنا ينبغي التأمل في هاتين الطائفتين:
فالمفردات الواردة فيها: الاحتفاء (المشي حافيا) والاغتسال، والتشعث، والتغبر، ونظافة الثياب، والكون على سكينة ووقار.
ولا يوجد تعارض بين الاغتسال وكل من الاحتفاء ونظافة الثياب، والكون على سكينة ووقار، وإنما قد يبدو التعارض بين الاغتسال (ومعه نظافة الثياب) وبين التشعث والتغبر.
وهنا قد يمكن القول بأن معنى المراد في هذه الروايات من: الأشعث والأغبر، أنه ما كان في مقابل التدهين والاكتحال والتزين، وحينئذ لا ينافي الاغتسال، وشاهد ذلك ما ورد في المحرم، فإنه يستحب أن يكون أشعث أغبر، ومع ذلك يستحب له الاغتسال غسل الإحرام، فهو يغتسل للاستحباب، ولكنه لا يكتحل، ولا يتزين ولا يتطيب، وربما يؤيد هذا رواية267 عن أبي عبد الله﵇ (.. فإذا أردت المشي إليه فاغتسل ولا تطيب ولا تدهن ولا تكتحل حتى تأتي القبر..).
ويظهر والله العالم أن الأئمة﵈ لم يكونوا يريدون أن تتحول الزيارة إلى نوع من النزهة والتفرج، واللهو مما ينافي الغرض من الزيارة التي تهدف إلى تذكر مواقف الحسين﵇ وما جرى عليه من مآس ومعاناة، ومعرفة حقه وتجديد العهد معه للسير على نهجه وطريقه، فإذا فُرّغت الزيارة من محتواها ومضمونها ذاك، أصبحت أقرب إلى التلهي منها إلى تحقيق أهداف الزيارة.. ففي رواية عن الصادق﵇: إن قوما إذا زاروا الحسين بن علي حملوا معهم السُّفر فيها الحلاوة والأخبصة268 وأشباهه لو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا ذلك269.
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله﵇: تزورون خير من أن لا تزورون، ولا تزورون خير من أن تزورون، قلت: قطعت ظهري، قال: تالله إن أحدكم يخرج إلى قبر أبيه كئيبا حزينا وتأتونه انتم بالسُّفر؟! كلا..حتى تأتونه شعثا غبرا270.
ولعل هذا المعنى هو الذي يستفاد من العنوان الذي عنون به صاحب الوسائل الباب المذكور فرأى أنه ينبغي أن يكون الزائر ملازما للحزن: ـ باب انه يستحب لمن أراد زيارة الحسين﵇ أن يصوم ثلاثا آخرها الجمعة، ثم يغتسل ليلتها ويخرج على غسل تاركا للدهن والطيب والزاد الطيب ملازما للحزن والشعث والجوع والعطش ولا يتخذه وطنا.
ويحتمل الحمل على التخيير، بين الحالتين. كما أن بعض الفقهاء أيدهم الله قد احتملوا الحمل على اختلاف الزيارات، فالمطلوب في زيارة عاشوراء هو ما ذكر من التشعث، والتغبر.. الخ وربما يكونوا قد استفادوا في ذلك من التعليل الموجود في ذيل بعض هذه الروايات، فإن الحسين قد قتل وهو َشِعث مغبر.. بينما في سائر الزيارات، الاستحباب هو للاغتسال ولبس نظيف الثياب. ولم أجد في مقدار ما نظرت اختصاص زيارة عاشوراء بعنوانها بالتشعث والتغبر حتى يجمع بين الطائفتين بحمل هذه الروايات على خصوص زيارة عاشوراء. والله العالم.
�س: سؤال: هل كان أبو الفضل العباس ناسيا لعطش الحسين﵇ عندما اقتحم نهر الفرات، (فتذكر) عطش الحسين﵇ لما أراد الشرب؟ و ألم يكن المناسب أن يشرب الماء لكي يتقوى على قتال الأعداء؟ أو كان يجب عليه الشرب لكي يحافظ على نفسه من الهلاك؟
الجواب: أصل الخبر هو ما ورد في مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي271 كما نقل: (.. فقال له الحسين ﵇. ان عزمت فاستسق لنا ماءا، فاخذ قربته وحمل على القوم حتى ملأ القربة قالوا واغترف من الماء غرفة ثم ذكر عطش الحسين ﵇ فرمى بها وقال:
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت ان تكوني
هذا الحسين وارد المنــون وتشربين بارد المعــين272
هذا هو المصدر الرئيس للخبر، وقد ذكره في البحار بعنوان في بعض تأليفات أصحابنا.
الموجود هو وصف المؤرخين لحالة أبي الفضل العباس وهو ليس سوى وصف ظاهري، للواقعة من دون أن يعلم الراوي عما كان يعتلج في نفس العباس حينئذ.كما أنه لم يرد ذلك في نص روائي معتبر عن المعصوم حتى يفيدنا علما بالموضوع.
يضاف إلى ذلك أن الذكر حينئذ لا يلزم منه الغفلة قبله. خصوصا وأن للذكر مراتب تتفاوت شدة وضعفا.
كما أنه يمكن على فرض صحة الوصف وكشفه عن حالة أبي الفضل سلام الله عليه، أن يقال بأن العباس الذي قد قدم لتوه من عمل عسكري ضخم حيث اخترق الصفوف حتى وصل إلى المشرعة وأزال عنها أربعة آلاف فارس كما نقلوا على رأسهم عمرو بن الحجاج الزبيدي ونزل إلى شاطيء الفرات، وهنا قد يكون الأمر على نحو الحركة اللاشعورية التي تحدث للظاميء والعطشان عندما يرى الماء فإنه يسارع إليه، في رد فعل سريع لرؤيته، ويملأ كفه، لكن مع أدنى توجه إلى تلك الحركة اللاشعورية، يقوم أبو الفضل بسكب الماء مرة أخرى ويمتنع عن الشرب.
ويا بعد ما بين الشطر الأول والشطر الثاني من السؤال، فإن الأول يستكثر على أبي الفضل تلك الحركة اللاشعورية للظاميء بينما يطالبه الشطر الثاني بأن يشرب الماء وأن يلتذ به !!
والجواب عليه: أما حكاية المحافظة على النفس، والنجاة من الموت، فلم يعلم أن أبا الفضل﵇ كان قد بلغ به العطش مبلغا يؤدي إلى إنهاء حياته حتى يجب المحافظة عليها بشرب الماء، وذلك أننا رأيناه يقاتل بعد ذلك قتال الأبطال لفترة غير قصيرة، ومن حاله هكذا لم يكن ليهلكه العطش.
وأما أنه لماذا لم يشرب حتى يتقوى على قتال الأعداء، فإضافة إلى الجواب السابق، نقول هؤلاء قوم ليس مشروعهم في الحياة البقاءَ، وإنما مشروعهم تقديم النموذج الايماني والأخلاقي العالي. حتى تأتي الأجيال273وتقتدي بهم في إيمانها وصمودها، ودفاعها. وإلا فما قيمة شربة ماء لن تقدم أو تؤخر في الصورة النهائية للمعركة؟ إنما قيمة الامتناع عنها هي التي تؤسس معنى في الإيثار، والأخوة لم يسبق له نظير.
إن الموقف الذي يطالب به السائل هو الموقف الذي يلتزم به أكثر الناس، في هذه المواقف حيث لا يقدّمون في مضمار سباق القيم، والحاجات الشخصية إلا الثانية. لكن أهل البيت﵈ ومن تأثر بهم يريدون أن يرفعوا الإنسان إلى سماء أخرى، ذات آفاق أرحب. لا سيما في كيفية العلاقة مع الأئمة والقادة.
وإن الألى بالطف من آل هاشم
تآسوا فسنوا للكرام التأسيــا
الهوامش
- 161. تجد تراجمهم وتراجم غيرهم من عمالقة الشعر الحسيني في كتب متعددة منها (أدب الطف للسيد جواد شبر، والنجفيات للشيخ علي الخاقاني، وشعراء الحسين.
- 162. عطية بن علي الجمري البحراني، خطيب حسيني وشاعر مجيد لا سيما بالدارجة، يفضل شعره على غيره من قبل خطباء المنبر، طبع من شعره خمسة مجلدات باسم (الجمرات الودية في المودة الجمرية).
- 163. هناك بعض الروايات تشير إلى أن مرض الامام زين العابدين قد حصل من مشاركته في القتال وأنه جرح حتى ارتث.. وقد نتعرض إلى تحقيقها، وملاحظة صحتها أو عدم ذلك في القسم الثالث من الكتاب.. وشتان بين الصورتين.
- 164. سبأ 46.
- 165. النحل 125.
- 166. الأعراف 62.
- 167. ميزان الحكمة / 2.
- 168. كلمة فارسية معناه قارئ الروضة، وأصل ذلك أن عالما يسمى الملا حسين الكاشفي (توفي حوالي 910هـ) قد ألف كتابا باسم (روضة الشهداء) يتناول مصارع شهداء كربلاء ومصائب العترة الطاهرة، وهو من أوائل من كتب في هذا المجال بذلك النحو، فكان الخطباء يقرؤون منه على المنبر، فسمي الحطيب لذلك (قارئ الروضة) أي كتاب روضة الشهداء، ومع أنه قد كتبت كتب أخرى في نفس الموضوع، بل إن الخطباء لم يعودوا يقرؤون من الكتب لكن الاسم بقي ولم يتغير.
- 169. بالطبع هناك شيء من الاختلاف بين ظروف من يتحدث عنهم وظروف خطبائنا ولو لجهة العدد الكبير من المواضيع التي يراد منهم التحدث عنها، ولكن استشهادنا هو في أصل الطريقة.
- 170. / فن الخطابة / دايل كارنيجي.
- 171. ميزان الحكمة ـ محمدي الريشهري ج 2 ص 1400.
- 172. يوجد في بعض المجتمعات مواكب عزائية خاصة بالأطفال، والتجربة تشهد بنجاحها.
- 173. (حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق (رحمه الله)، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه عن الرضا﵇..) والرواية يمكن أن تكون معتبرة، فإن محمد بن إبراهيم هو الطالقاني وقد روى عنه الصدوق مترضيا عليه، بناء على أن ترضي مثل الصدوق كاشف عن حسن حال المترضى عنه وإن ناقش في ذلك بعض العلماء، وأحمد بن محمد بن سعيد الهمداني هو أبو العباس بن عقدة، قالوا عنه أنه جليل القدر عظيم المنزلة وأمره في الحفظ والجلالة أشهر من أن يذكر توفي سنة 333هـ. وعلي بن الحسن بن فضال فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم كما ذكر النجاشي، وأبوه الحسن بن علي ثقة عظيم القدر، قيل إنه كان فطحيا وعاد عن ذلك.
- 174. ولا نحتاج إلى هذا بعدما كانت الرواية من الروايات الواعدة بالثواب، وهي مشمولة لقاعدة التسامح في أدلة السنن.
- 175. نقله في وسائل الشيعة الحر العاملي ج 14 ص 509: محمد بن الحسن، في (المصباح) عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة عن أبيه، عن علقمة. والرواية من حيث السند غير تامة، فإن صالح بن عقبة (بن قيس بن سمعان) وإن كان من رجال تفسير علي ابن إبراهيم القسم الأول ويكون ثقة على المبنى، إلا أنه قد ضعف واتهم بالكذب، كما عن الخلاصة، إلا أن يقال أن يونس بن عبد الرحمن والذي هو من أصحاب الاجماع قد روى عنه، ويكون على المبنى المعروف مقبول الرواية، وقد يناقش ما ذكر في الخلاصة بأنه معتمد في جرحه ذاك على كتاب ابن الغضائري، والمعروف عندهم التشكيك في كون كل ما في الكتاب الموجود صحيح النسبة إلى الشيخ ابن الغضائري (والمسألة بحاجة إلى بحث أكثر، وللتفصيل مقام لا يتسع له هذا المختصر). وابوه عقبة بن قيس أيضاً لم يوثق لا بتوثيق عام ولا خاص، ومثله علقمة (بن محمد الحضرمي).
- 176. أمضى بعض المراجع المعاصرين العقود القائمة بين الموظفين وبين الحكومات، وبناء عليه ترجع المسألة إلى القسم السابق.
- 177. حقيقة النهضة الحسينية: الشهيد مرتضى مطهري، تعريب صادق البقال.
- 178. في الفتوح 5/14 لأحمد بن أعثم الكوفي: قال الحسين: إن مثلي لا يعطي بيعته سرا، وإنما أحب أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا.
- 179. فقال له الوليد: أبا عبد الله ! لقد قلت فأحسنت في القول وأحببت جواب مثلك وكذا ظني بك، فانصرف راشدا على بركة الله حتى تأتيني غدا مع الناس !.
- 180. جاء في ترجمة الشهيد عمر بن ضبيعة التميمي، أنه كان شجاعا وكان ممن خرج مع عمر بن سعد فلما رأى رد الشروط على الحسين وعدم تمكينهم إياه من الرجوع من حيث أتى انتقل إلى الحسين، وهكذا حال يزيد بن زياد (أبو الشعثاء الكندي) وغيره.
- 181. الطبري 4 /326.
- 182. أسد الغابة / 2.
- 183. منها قوله﵌ (إن الله زوجني في الجنة مريم ابنة عمران، وامرأة فرعون، واخت موسى..) وفي حديث آخر يخاطب فيه خديجة، زوجني معك.
- 184. منها قوله﵇: أمرت بقتال القاسطين والناكثين والمارقين..) كما في تاريخ دمشق ج 42.
- 185. ففي مسند أحمد ج 3: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عبد الملك يعني ابن سليمان عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله﵌ أني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
- 186. في كفاية الأثر للخزاز القمي: أخبرنا أبو المفضل رضي الله عنه، قال حدثنا الحسين ابن زكريا العدوي، عن سلمة بن قيس، عن علي بن عباس، عن ابن الحجاف، عن عطية العوفي، عن ابي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله﵌ وسلم يقول: الائمة بعدي تسعة من صلب الحسين﵈ والتاسع قائمهم، فطوبى لمن أحبهم والويل لمن أبغضهم.
- 187. أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ج 2 ص 22:
- 188. حدثنا محمد بن عبد العزيز بن ربيعة الكلابي أبو مليل الكوفي حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد المقري عن أبي سلمة الصائغ عن عطية عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يقول إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له.
- 189. المعجم الأوسط ـ الطبراني ج 2 ص 229:
- 190. حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا أبو الجواب الاحوص بن جواب عن سليمان بن قرم عن هارون بن سعد عن عطية العوفي قال سألت أبا سعيد الخدري من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فعدهم في يده خمسة رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين قال أبو سعيد في بيت أم سلمة أنزلت هذه الآية.
- 191. بلاغات النساء لابن طيفور.
- 192. كتاب الفتن للمروزي.
- 193. البداية والنهاية لابن كثير / 10.
- 194. الطبقات الكبرى 5 / 102.
- 195. البداية والنهاية ـ ابن كثير 8 / 244:
- 196. الدارقطني: ثنا علي بن أحمد بن القاسم، ثنا أبي، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا أبو زكريا، يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله قالا: خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره فقال: تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا أبة وهل أحد يخيف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين ـ ووضع يده على جبينه ـ».
- 197. الطبقات الكبرى: محمد بن سعد 5 / 231:
- 198. أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث قال رأيت جابر بن عبد الله دخل على عبد الملك فرحب به عبد الملك وقربه فقال جابر يا أمير المؤمنين إن المدينة حيث ترى وهي طيبة سماها النبي﵇ وأهلها محصورون فإن رأى أمير المؤمنين أن يصل أرحامهم ويعرف حقهم فعل قال فكره ذلك عبد الملك وأعرض عنه وجعل جابر يلح عليه حتى أومأ قبيصة إلى ابنه وهو قائده وكان جابر قد ذهب بصره أن أسكته قال فجعل ابنه يسكته قال جابر: ويحك ما تصنع بي؟ قال اسكت ! فسكت جابر فلما خرج أخذ قبيصة بيده فقال: يا أبا عبد الله إن هؤلاء القوم صاروا ملوكا ! فقال له جابر: أبلى الله بلاء حسنا فإنه لا عذر لك وصاحبك يسمع منك ! قال: يسمع ولا يسمع ما وافقه سمع وقد أمر لك أمير المؤمنين بخمسة آلاف درهم فاستعن بها على زمانك فقبضها جابر.
- 199. الكليني ؛ محمد بن يعقوب: الكافي 1 / 469:
- 200. ـ عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله﵇ قال: إن جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول الله﵌ وهو معتـجر بعمامة سوداء وكان ينادي يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله صلى اله عليه وآله يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقرا، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مر بطريق في ذاك الطريق كتاب فيه محمد بن علي فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: شمائل رسول الله﵌ والذي نفسي بيده، يا غلام ما اسمك؟ قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين، فأقبل عليه يقبل رأسه ويقول: بأبي أنت وامي أبوك رسول الله﵌ يقرئك السلام ويقول ذلك، قال: فرجع محمد بن علي بن الحسين إلى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر، فقال له: يا بني وقد فعلها جابر، قال نعم قال: الزم بيتك يا بني فكان جابر يأتيه طرفي النهار و كان أهل المدينة يقولون: واعجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله﵌ فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين﵉ فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول الله﵌ قال: فجلس﵇ يحدثهم عن الله تبارك وتعالى، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا أجرأ من هذا، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله﵌ فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أكذب من هذا يحدثنا عمن لم يره، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد الله، قال فصدقوه وكان جابر بن عبد الله يأتيه فيتعلم منه.وسند الرواية وإن كان فيه محمد بن سنان وقد ضعف على المشهور، إلا أن المضمون لا ينحصر بهذه الرواية، ولا بسندها كما ذكر المولى المازندراني.
- 201. هناك رواية نقلها العلامة المجلسي في البحار 46، تفيد أنه كف بصره، ولكنه رد إليه كما أخبره النبي﵌، فرأى الامام الباقر﵇، لكن هذه الرواية التي نقلها عن أمالي الشيخ الطوسي، غير معتبرة من ناحية السند.
- 202. لجهة أبي محمد الأنصاري فإنه لم يوثق بتوثيق خاص لكن مدحه محمد بن عبد الجبار في رواية في الكافي.
- 203. قال العلامة المجلسي في بحار الأنوار54 / 114:
- 204. رأيت في بعض الكتب المعتبرة روى مرسلا عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد لاصلاح دار الامارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الابواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت: مالي أرى الكوفة تضج؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي ! قال: فتركت الخادم حتى خرج ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهب، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملا فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة﵍ وإذا بعلي بن الحسين﵉ على بعير بغير وطاء، وأوداجه تشخب دما، وهومع ذلك يبكي ويقول:
- 205. قال: وصار أهل الكوفة يناولون الاطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم ام كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام وصارت تأخذ ذلك من أيدي الاطفال وأفواههم وترمي به إلى الارض، قال كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم ثم إن ام كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم: صه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء فبينما هي تخاطبهن إذا بضجة قد ارتفعت، فاذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين﵇ وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول الله﵌ ولحيته كسواد السبج قدانتصل منها الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع والرمح تلعب بها يمينا وشمالا فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل، حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول:
- 206. أقول: أول ما في هذا الخبر أنه من بعض الكتب (المعتبرة) عند العلامة المجلسي، ولم يعلم أي كتاب هو ولا مؤلفه، وثاني ما فيه إرساله، وثالث ما فيه مجهولية مسلم الجصاص فليس له ذكر في كتب الرجال، ورابع ما فيه وجود الخلل في المتن فقد ذكر فيه أن زين العابدين كانت أوداجه تشخب دما!! ولا يخفى ما فيه إلا أن يكون تعبيرا كنائيا، وكذلك لم يعلم أن النساء سيرن إلى الكوفة على محامل وإنما كن على جمال بغير غطاء ولا وطاء كما هو المعروف، وإن كانت هذه بدورها تحتاج إلى تحقيق. وأيضا هل كان على النساء أقنعة حتى يخرج الدم من تحت القناع !! إلا أن يقال أنهن في بداية دخولهن لم يكن عليهن أقنعة ثم ناولتهن بعض الكوفيات أزرا ومقانع كما ورد في بعض المرويات التاريخية.. ثم أين كانت عن زينب﵍ وصية الحسين: إني أقسمت عليك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها.. كما نقلها في الارشاد؟. هذا مع ملاحظة أنهم يذكرون بأن رأس الحسين﵇ قد سير في نفس يوم العاشر مع خولى بن يزيد الأصبحي (ليبشر) بن زياد بالنصر !! ويفترض أنه في اليوم الحادي عشر او الثاني عشر موجود في قصر الامارة عند ابن زياد.. فكيف يقال فإذا هم بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين؟
- 207. ما وجدت في ما لدي من المصادر هذا النص، نعم في الوسائل وغيره (فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام). وفي دعاء الندبه (فعلى الأطائب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون وإياهم فليندب النادبون ويضج الضاجون ويعج العاجون أين الحسن أين الحسين...). وفي التهذيب 8/ 325 توجد رواية (وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب..) من دون جملة تخمش الوجوه.
- 208. ذكرنا في القسم الأول من هذا الكتاب وجود رأيين حول الزيارة المذكورة، فليراجع.
- 209. سورة النحل: من الآية 118.
- 210. الأحاديث من تحف العقول.
- 211. للتفصيل يراجع كتاب التشكيك.. كيف واجهه أهل البيت.. للمؤلف.
- 212. سورة يوسف: من الآية 108.
- 213. سورة فاطر: من الآية 28.
- 214. في الحديث عن أمير المؤمنين﵇ (من أتى الصلاة عارفا بحقها غفر له). وفي الحديث عن الامام الكاظم﵇: (ما أتى الحسين آت عارفا بحقه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) يراجع ميزان الحكمة.
- 215. هناك شيء من الاختلاف في الأيام الأولى، وحيث أن الترتيب هذا لم يكن من خلال نص شرعي، أو سيرة مثلا، وإنما جرى الاعتياد عليه في العصور المتأخرة، لذلك يحصل الاختلاف بعض الشيء، ففي دول الخليج غالبا يتم في الليلة الثانية الحديث في جهة المصيبة عن الخروج من المدينة، وفي الثالثة عن الخروج من مكة، وفي الرابعة عن مسلم بن عقيل وفي الخامسة عن نزول كربلاء. وفي ليلة العاشر يقرأ البعض المصرع إن لم يكن مجلس صباحي. ولا يخفى أن هذا الالتزام قائم بالنسبة للمصيبة والرثاء، دون المواضيع والمضمون فقد تتعدد المواضيع ولا ترتبط من البداية بالمصيبة التي ستقرأ في الأخير، والكلام في المتن إنما هو حكاية ما هو سائد غالبا في المنابر التقليدية.
- 216. التعيني والتعييني مصطلحان أصوليان، يبحث عنهما في العلاقة و الارتباط الحاصل بين اللفظ والمعنى، فمثلا كلمة كتاب تحمل معنى هذه الأوراق المجموعة على نحو خاص.. ويتبادر إلى الذهن عندما تطلق الكلمة ذلك المعنى، فمن أين حصل هذا الارتباط بين المعنى الذي سبق إلى الذهن وبين ذلك اللفظ؟ قال بعض بالوضع التعييني أي أن واضع اللغة على اختلاف المسالك في هوية الواضع قد عيّن ووضع هذا اللفظ بإزاء ذلك المعنى بأن يقول وضعت لفظ (كتاب) في هذا المعنى المعين. والثاني وهو الوضع التعيّني بأن يكثر استعمال اللفظ في معنى بحيث لا يحتاج إلى تعيين الواضع، ولا يحتاج انسباق المعنى إلى قرينة. وقد استفاد المؤلف من هذين الاصطلاحين في هذا المورد.
- 217. تجاربي مع المنبر للوائلي ص 57.
- 218. سورة الحشر: من الآية 21.
- 219. من خلال هذا أيضاً سوف يتأيد ما سبق أن ذكر في القسم الأول من هذا الكتاب في إجابة على سؤال (ناشرات الشعور)، وأن أحد الاحتمالات فيه هو أنهن لم يخرجن خارج المخيم، وإنما خرجن من خدورهن في داخل حدود المخيم.
- 220. الطبري 4 / 340.
- 221. الطبري 4 / 345.
- 222. قد سبق الحديث عن القيمة التاريخية لزيارة الناحية من حيث كونها كلام المعصوم أو لا.
- 223. ذكر المرحوم الشيخ فرج بأنه انتخب (وفاة) العقيلة زينب من كتاب زينب الكبرى للمحقق الشيخ جعفر النقدي رحمه الله.
- 224. ذكر ه ناقلا إياه عن كتاب المناقب لابن شهرآشوب، والكتاب المطبوع ليس عندي، ولكن الكتاب الموجود في شريط (المعجم الفقهي) لا يحتوي على تلك الجملة كما ان صياغة النص في قصة كربلاء (ثم وقفت على جسده الشريف بخشوع وتأمل وبسطت يديها تحت الجثمان المقدس..) لا ينسجم مع طريقة التعبير السائدة في زمان ابن شهرآشوب ويظهر أن هناك اشتباها في الارجاع كما هو متعدد في الكتاب لمن يلاحظ.
- 225. البداية والنهاية 8 / 220.
- 226. لما اضطربت الأمور على عبيد الله بن زياد بعد هلاك يزيد، وأبى أهل البصرة طاعته، هرب منها متجها إلى الشام، يقول مسافر بن شريح اليشكري الذي رافقه في المسير بعد أن سكت ابن زياد في الطريق طويلا، قلت في نفسي لئن كان نائما لأنغصن عليه نومه، فدنوت وقلت له: أنائم أنت؟ قال: لا إنما كنت أحدث نفسي. قلت: أفلا أحدثك بما كنت تحدث به نفسك؟ قال: هات. قلت: كنت تقول ليتني لم أقتل حسينا ! قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن قتلت من قتلت.. فأجابه ابن زياد: أما قتلي الحسين فإنه أشار إلي يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله.. الى آخر حديثه الذي نقله ابن الأثير في الكامل 4 / 140.
- 227. استدعى يزيد واليه ابن زياد، بعد مقتل الحسين﵇ كاتبا إليه: (أما بعد فإنك قد ارتفعت إلى غاية أنت فيها كما قال الأول:
- 228. فإذا وقفت على كتابي فاقدم علي لأجازيك على ما فعلت..) فلما جاء عنده أجلسه إلى جانبه، وشربا وهو يقول للساقي:
- 229. نقل ذلك صاحب كتاب قصة كربلاء عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، كما ذكر بعضه المسعودي في مروج الذهب.
- 230. جواهر المطالب لابن الدمشقي الشافعي ج 2.
- 231. الطبري 8 /188.
- 232. رجال النجاشي في ترجمة أبان بن تغلب.
- 233. ذكر المحقق المقرم رحمه الله في كتابه مقتل الحسين أن الحسين دعا عبد الله بن عمر لما جاءه مودعا حين خروجه من المدينة، وقال له: اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي ! ولكن الصحيح أن هذا الحوار لم يجر في المدينة وإنما حين عزم الحسين على الخروج من مكة إلى العراق.
- 234. في تاريخ الطبري 4/ 530:
- 235. قال جاءنا السائب بن مالك الاشعري في خيل المختار فخرجت نحو عبد القيس وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في اثري وشغلوا بالاحتباس عليهما عني فنجوت واخذوهما ثم مضوا بهما حتى مروا على منزل رجل يقال له عبد الله بن وهب ابن عمرو ابن عم أعشى همدان من بني عبد فاخذوه فانتهوا بهم إلى المختار فأمر بهم فقتلوا في السوق فهؤلاء ثلاثة فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم: ألم ترني على دهش * نجوت ولم أكد أنجو رجاء الله أنقذني * ولم أك غيره أرجو.
- 236. (قال أبو مخنف) فحدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال ثم إن عبيدالله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلما وإن هم أبوا فليقاتلهم فإن فعل فاسمع له وأطع وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلى برأسه.. الطبري 4.
- 237. هذا ولكن يظهر من رواية أخرى نقلها الطبري أيضاً، أن مجيء الكتاب المذكور لعمر كان يوم السابع فهو ينقل عن أبي مخنف قال حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد أما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان؟؟ عفان قال فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث / 312. ويحتمل أن يكون ذيل هذه الرواية غير تام، فإنه من المعروف بين المؤرخين أن الرسالة وصلت يوم التاسع بعد الظهر.
- 238. وما بعدها من الروايات عن الطبري 4/326 350.
- 239. عن حميد بن مسلم قال كانت عليه جبة من خز وكان معتما وكان مخضوبا بالوسمة قال وسمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقى الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو يقول: أعلى قتلي تحاثون أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله، الله أسخط عليكم لقتله مني وايم الله إني لارجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لى منكم من حيث لا تشعرون! أما والله ان لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الاليم.
- 240. قال: ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس ان يقتلوه لفعلوا ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء! قال: فنادى شمر في الناس ويحكم ماذا تنظرون بالرجل اقتلوه ثكلتكم امهاتكم قال فحمل عليه من كل جانب فضربت كفه اليسرى ضربة ضربها زرعة بن شريك التميمي وضرب على عاتقه ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو قال وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع. ثم قال لخولي بن يزيد الاصبحي احتز رأسه فأراد أن يفعل فضعف فأرعد فقال له سنان بن أنس فت الله عضديك وأبان يديك فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ثم دفع إلى خولى بن يزيد وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف. الطبري 4 /346 (وهذا يساعد القائلين بأن الذي احتز رأس الحسين هو سنان وسيأتي الكلام فيه).
- 241. حال الرجل في متن فرسه، أي وثب عليه، عن معجم مقاييس اللغة.
- 242. الطبري 4 / 341.
- 243. الطبري 4/347 وقد احتمل بعض المؤرخين أن يكون المختار قد عفا عن حميد بن مسلم بينما انتقم من قتلة الحسين فيما بعد في الكوفة، واحتملوا أنه لأجل كونه قد دفع القتل عن السجاد !! ولكن هذا غير تام، فإن المختار كما سيأتي قد طلب حميد بن مسلم، ولكنه فر.. على أن هذا النص الذي يذكره فيه نقاش بأنه كيف يكون الامام السجاد﵇ في ذلك الوقت وعمره 22 سنة (ولد سنة 38هـ)، وكان له حينذاك ولد هو الباقر وعمره قرابة ثلاث سنين، فكيف يكون والحال هذه صبيا؟
- 244. بعض الروايات التاريخية فيها أن عمر بن سعد قد أرسل خولى بن يزيد الاصبحي وحميد بن مسلم، ومعهما رأس الحسين﵇ ليخبرا ابن زياد بالنصر والفتح، ولا نعلم هل كانت المهمة مشتركة أو أن خولى ذهب بالرأس، بينما ذهب حميد إلى أهل عمر بن سعد.
- 245. المصدر السابق.
- 246. الزمر: من الآية 42.
- 247. آل عمران: من الآية 145.
- 248. لما سيطر عبيد الله بن زياد على الكوفة، اتخذ مجموعة اجراءات وفرض نظاما أشبه بالأحكام العسكرية وحالة الطوارئ، فسجن عددا من زعماء الكوفة، وطلب عددا آخر مما دعاهم إلى الاختفاء، وفرض المسالح (الدوريات العسكرية) على بوابات الكوفة، حتى أن، عامر بن أبي سلامة الدلاني، لم يستطع الخروج من الكوفة إلا بعد قتال زجر بن قيس الذي كان موكلا بإحدى بوابات الكوفة لمنع خروج الخارج ودخول الداخل. فقاتله إلى أن استطاع التخلص منه ووصل إلى كربلاء (ورد اسمه في الشهداء في الزيارة باسم عمار بن أبي سلامة الهمداني).
- 249. الطبري ج 4 ص 428.
- 250. الطبري ج 4 ص 452.. مع أن تحفظ المختار على طريقة التوابين واسلوبهم في العمل الثوري، كان واضحا، فأولئك كانوا يعملون بمنطق المؤمنين الاستشهاديين الذين يعتبرون الشهادة غايتهم الكبرى، بينما المختار كان يعمل بمنطق السياسي الواقعي الذي يخطط للانتصار ومن الطبيعي أن تختلف رؤى الطرفين بناء على ذلك. إلا أن المتاجرة بهذا الاختلاف وتحويله إلى حالة فرز اجتماعي، ومواجهة سياسية أمر خطير، لا سيما إذا كان من شخص كان للسنة الماضية (مبعوث عمر بن سعد لتبشير أهله بسلامته)!.
- 251. الأخبار الطوال للدينوري / 260.
- 252. بغر: أن يشرب الانسان ولا يروى / عن معجم مقاييس اللغة لابن فارس.
- 253. الطبري ج 4 ص 312.
- 254. ذكر المرحوم آية الله شمس الدين في كتابه أنصار الحسين ما يلي:... رواية نقلها السيد بن طاووس في مقتله المسمى (اللهوف على قتلى الطفوف) وهي: (.. وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة (ليلة العاشر من المحرم) ولهم دوي كدوي النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد إثنان وثلاثون رجلا). إننا نقف من هذه الرواية موقف الشك: أولا: لان حدثا كهذا كان يجب أن يلفت نظر الرواة الآخرين، فهو حدث شديد الاثارة في مثل الموقف الذي نبحثه، ولهذا فقد كان لا بد أن ينقله رواة آخرون. إن عدم نقله عن رواة آخرين مباشرين يبعثنا على الشك في صدق الرواية. وثانيا: إن هذا العدد (اثنان وثلاثون) عدد كبير جدا بالنسبة إلى أصحاب الحسين ﵇ القليلين، ولذا فقد كان يجب أن يظهر لهم أثر في حجم القوة الصغيرة التي كانت مع الحسين في صبيحة اليوم العاشر من المحرم، على اعتبار أنهم انحازوا إلى معسكر الحسين في مساء اليوم التاسع، مع أننا لا نجد لهم أي أثر في التقديرات التي نقلها الرواة. لهذا وذاك نميل إلى استبعاد هذه الرواية من دائرة بحثنا في عدد أصحاب الحسين ﵇، ونرجح أن الرواية ـ على تقدير صدقها ـ لا تعني، كما يراد لها، أن هؤلاء الرجال قد انحازوا إلى معسكر الحسين وقاتلوا معه، وإنما تعني أن هؤلاء الرجال ـ نتيجة لصراع داخلي عنيف بين نداء الضمير الذي يدعوهم إلى الانحياز نحو الحسين والقتال معه، وبين واقعهم النفسي المتخاذل الذي يدفع بهم إلى التمسك بالحياة الآمنة في ظل السلطة القائمة ـ قد (حيدوا) أنفسهم بالنسبة إلى المعركة، فاعتزلوا معسكر السلطة، ولم ينضووا إلى الثوار. ويبدو أنه قد حدثت حالات كثيرة من هذا القبيل، منها حالة مسروق ابن وائل الحضرمي الذي كان يطمح إلى أن يصيب رأس الحسين (فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد)، ولكنه تخلى عن القتال وترك الجيش عندما رأى ماحل بابن حوزة عندما دعا عليه الحسين ﵇، وقال لمحدثه: (لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا أقاتلهم أبدا). وربما كان هؤلاء ـ على تقدير صدق الرواية ـ هم أولئك الرجال التافهون الذين قال الحصين بن عبد الرحمن عنهم أنهم كانوا وقوفا على التل يبكون، ويقولون: (اللهم أنزل نصرك). انتهى كلام المرحوم شمس الدين.
- 255. ويمكن التعليق على ما ذكر آنفا بعدم استبعاد هذا الرقم، فإن الناظر في روايات المقتل كما تبين لك في المتن، يرى أن نصف هذا العدد قد رصدت حركتهم لاقترانها بحدث، ولم ترصد باقي الأسماء لسبب أو لآخر.. كما أن بعضهم كما يذكر المؤرخون قد مالوا على الجيش الأموي وهم فيه، وقاتلوهم. ولعل استبعاد الشيخ شمس الدين ليس في محله لأنه مبني على أنه حدث وقع دفعة واحدة، ولذلك قال أن حدثا كهذا كان يجب أن يلفت نظر الرواة الآخرين.. الخ.. وهو في غير محله فإن حالات التحول كانت فردية، وامتدت من ليلة العاشر إلى يوم العاشر، وتحول عدد ثلاثين من مجموع ثلاثين ألف لا يمكن أن يلفت الأنظار أصلا، خصوصا أنه ضمن حالات فردية لا أن مجموع الثلاثين قد جاؤوا في صورة مجموعة للحسين. ولو كان اعتراض الشيخ شمس الدين على أن مجموعة اثنين وثلاثين شخصا قد عبروا في الليل مرة واحدة يضاف إلى ذلك أن عددا غير قليل من المذكورين في الشهداء في الزيارة لم يعرف كيفية شهادتهم ولا طريقة التحاقهم بالحسين، ولا شك ان قسما من هؤلاء كانوا ممن التحق به في اليوم العاشر. إضافة إلى من ذكرت اسماؤهم كما في المتن.وهؤلاء يختلفون عن القسم (المحايد) الذين ذكرهم، والذين لم يكونوا بالعدد القليل.سواء أولئك الواقفين على التل، أو غيرهم ممن لم يحب أن يشارك إلا بمقدار تكثير السواد من دون أن يكون له مساهمة فعلية في المعركة.
- 256. موسوعة كلمات الإمام الحسين / 461.
- 257. شمس الدين: أنصار الحسين / 81.
- 258. الأمين العاملي: أعيان الشيعة 4/ 302.
- 259. أنصار الحسين 85.
- 260. قصة كربلاء 284 نقلا عن أعيان الشيعة.
- 261. قصة كربلاء 286 عن إبصار العين.
- 262. قصة كربلاء 287.
- 263. قصة كربلاء عن تنقيح المقال للمامقاني.
- 264. المصدر السابق 288.
- 265. المصدر السابق 300.
- 266. الكنى والألقاب 1 / 45.
- 267. في رواية معتبرة في الكافي عن الامام الصادق﵇ يتحدث عن شرار الخلق الذين ابتلي بهم خيار الخلق:.. ويزيد بن معاوية لعنه الله قاتل الحسين بن علي﵉ وعاداه حتى قتله.
- 268. لما تواقف التوابون مع جيش عبيد الله بن زياد، خطب قادة التوابين في أصحابهم وقالوا: هذا عبيد الله بن زياد بن مرجانة قاتل أبي عبد الله الحسين أمامكم.
- 269. ذكر السيد الشهرستاني في هامش كتابه وضوء النبي ج 2 أن يحيى بن سعيد قد حدّث عن عمر بن سعد !! فقال له رجل: أما تخاف الله..تروي عن عمر بن سعد؟ فبكى، وقال: لا أعود يا أبا سعيد، هذا قاتل الحسين، أعن قاتل الحسين تحدثنا؟ انظر تهذيب الكمال 21: 257 و تقريب التهذيب 2: 56 (العجيب أن يحيى بن سعيد هذا قد تكلم في الامام الصادق أي لم يقبل الرواية عنه﵇ !!).
- 270. في تاريخ الطبري ج 4: قال ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس ان يقتلوه لفعلوا ولكنهم كان يتقى بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.. وفي موضع آخر ذكر وغيره من المؤرخين أنهم توقفوا إلى أن قال لهم شمر ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟
- 271. نشر في مجلة تراثنا العدد 2 بتحقيق العلامة السيد محمد رضا الحسيني.
- 272. في بعض كتب الشيخ المفيد يظهر منه أنه الشمر كما في الارشاد ج 2، قال: ويدر إليه خولي بن يزيد الاصبحي لعنه الله فنزل ليحتز رأسه فأرعد، فقال له شمر: فت الله في عضدك، ما لك ترعد؟ ونزل شمر إليه فذبحه.
- 273. مروج الذهب / 3.