وهكذا قوله لعبد الله بن مطيع العدوي، الذي استقبله في طريق مكة فقال أين تريد أبا عبد الله جعلني الله فداك؟ ! قال: (أما في وقتي هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله تعالى في أمري بعد ذلك). فقال له عبد الله بن مطيع: خار الله لك يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه، غير أني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني. فقال له الحسين﵇: (وما هي يا ابن مطيع؟) قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة، فيها قتل أبوك، وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فوالله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك والسلام. وروى الدينوري: أن الإمام﵇ قال لابن مطيع: (يقضي الله ما احب).
ويمكن أن نصنف أيضاً إجاباته القائلة بأنه رأى رسول الله﵌، وأنه أمره بأمر، لا بد أن يمضي إليه لما أخبره الرسول.في هذا الجانب.وليس معنى ذلك أنه لم يكن الخبر حقيقيا، ولكنه بهذه الطريقة يقطع النزاع مع أشخاص مثل ابن عباس أو ابن الحنفية بحيث لا مجال مع ذلك للحديث عن الأفضل والأحسن..
إننا نلاحظ التركيز في بعض الأماكن كان على كلمات بعينها، باعتبار أن السامعين أقرب إلى فهم تلك المفردات والمعاني، فمثلا هو﵇ في المواجهة العسكرية مع الجيش القادم من الكوفة يركز على أنهم هم الذين دعوه، وطلبوه، وهذا أبلغ في الاحتجاج166. انظر مثلا إلى خطبته في الجيش المعادي يوم عاشوراء: قال﵇: فتبا لكم أيتها الجماعة وترحا أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم..
ولعل هذه الخطبة كانت نهاية نقطة التحول الذي حدث عند الحر الرياحي، وهو نفسه عندما خطب في جيش الكوفة بعد انتقاله إلى معسكر الحسين﵇ ركز على هذه النقاط أيضاً فقال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمداً في ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه167.
�س: كيف توفقون بين كون جابر بن عبد الله كفيف البصر في كربلاء حيث كان يقوده خادمه أو غلامه عطية، وبين كونه قد رأى الإمام الباقر﵇ في المدينة وهو صغير فقال شمائل كشمائل رسول الله﵌ ثم بلغه سلام النبي؟ فإن كان كفيفا كيف رأى الباقر وإن كان مبصرا حينئذ فكيف كان كفيفا في الأربعين (العشرين من صفر)؟
الجواب: في البداية نحب أن نوضح جانبا من حياة الراوي الثقة عطية العوفي، فإنه يغمط حقه عادة مع أهمية دوره وربما لا يذكر اسمه في المحافل إلا في مرة واحدة هي كونه غلاما أو خادما لجابر، ولم يكن غلاما، وإنما هو تلميذ نجيب لجابر وراو واع لأحاديثه وصاحب مواقف وإليك بعض الكلمات عنه، ثم نجيب على السؤال الأصلي: