أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

7. رواية المآثر والمواقف (الجيدة) لنفسه: روى حميد بعض الحوادث، مما يحسب له كمآثر، ولذا يمكن التأمل قبل قبولها، فمن جهة يُقرّب احتمال قبولها باعتبار أن تلك المواقف تستدعي الحالة الإنسانية بغض النظر عن موقفه السياسي والديني، خصوصا مع ملاحظة أن بعض من جاء إلى المعركة في الطرف الأموي لم يكن مؤمنا بها. ولذا فإنه لو استطاع في بعض المواقف التي تملي عليه فطرته الإنسانية موقفا صحيحا، فليس ذلك بالغريب بل هو مقتضى الفطرة.

وقد يُوجَّه ردها بأن أحدا لم يروها غيره، وأن هذا من باب أنه (يجر النار إلى قرصه) خصوصا بعد أن تكشفت المعركة عن الفجائع والمأساة، وصار الجو العام معاديا للأمويين وللقتلة، ولا سيما حين بدأ دور الاقتصاص منهم أيام المختار، فكان من الطبيعي هنا أن ينكر البعض دوره السلبي، ويصطنع له دوراً إيجابياً، دفاعاً عن نفسه، واكتسابا لحظوة ضمن الوضع الجديد.

وعلي أي من التقديرين فقد نقل الطبري عنه، أنه لما حاول شمر بن ذي الجوشن أن يقوض مخيم الحسين باشعال الحريق فيه، قبل المصرع جاء إليه حميد بن مسلم وتكلم معه في ذلك:

قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال قلت: لشمر ابن ذي الجوشن سبحان الله إن هذا لا يصلح لك أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك !

فقال: من أنت قال قلت لا أخبرك من أنا قال وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرني عند السلطان !

قال فجاءه رجل كان أطوع له مني شبث بن ربعي فقال ما رأيت مقالا أسوأ من قولك ولا موقفا أقبح من موقفك أمرعبا للنساء صرت؟ قال فأشهد أنه استحيا فذهب لينصرف.

ويروي هو بنفسه أيضاً عن محاولته لثني عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي (وحميد كان أزديا أيضاً) عن الهجوم على القاسم بن الحسن وقتله فيقول خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر في يده السيف عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها اليسرى فقال لى عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والله لأشدنَّ عليه فقلت له سبحان الله وما تريد إلى ذلك يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم214 قال فقال والله لأشدنَّ عليه فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه 215..

وهناك رواية أخرى يأتي بها في سياق مآثره، وهي بالتالي خاضعة لما تقدم ذكره، وهي دوره كما نقل في التأثير على شمر بن ذي الجوشن، لإقناعه بترك قتل الامام السجاد بعد مصرع الحسين﵇، فعنه قال: انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي (الاصغر) وهو منبسط على فراش له وهو مريض وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون ألا نقتل هذا قال فقلت سبحان الله أنقتل الصبيان إنما هذا صبي قال فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن سعد فقال: ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده عليهم قال فوالله ما رد أحد شيئاً قال فقال علي بن الحسين جزيت من رجل خيرا فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شراً216.