ثالثا: إنه لا بد من التفريق بين الحكم الأولي والذي لا يخضع لرأي الغير، ولا يؤثر فيه الزمان ما دام الموضوع واحدا، وبين الحكم الثانوي الذي ينظر إلى الطوارئ والعناوين اللاحقة. والمجوزون القائلون بالاستحباب، أيضاً يقولون بأنه لا يجوز لشخص القيام بهذا العمل لو كان بالنسبة له يؤدي إلى ضرر لا يتحمل عادة. وهكذا لو كانت الظروف المحيطة بالمجتمع كما لو كان أقلية شيعية في محيط معاد تنتج مشاكل حياتية صعبة، كالاحتراب الداخلي، وغيره.. وكانت تلك الشعائر فرضاً تسبب في حدوث تلك المشاكل فإنه حتى القائلين بالاستحباب لا يلتزمون به بالنظر إلى هذا العنوان الثانوي الطارئ بالنسبة إلى ذلك المجتمع وفي تلك الفترة الزمنية.
وهكذا يفترض أن القائلين بالحرمة على أساس أن هذه الممارسات تؤدي إلى وهن المذهب والإزراء عليه، يربطون الحرمة من هذه الجهة بتحقق الوهن، فلو فرضنا في مكان أنه لا يحصل وهن بل تقوية، فإنه لا ينبغي أن يلتزموا بالتحريم من هذه الجهة، مع فرض عدم الاضرار.
والاختلاف في تشخيص الأمور الخارجية أمر شائع ولا يفسد لا للود ولا في الدين قضية.
وهذا يعني أن يفكر الشباب المؤمنون في مناطقنا زادهم الله وعيا وحماسا، بأن القضية ليست على نحو الاطلاق بين حدي التحريم والوجوب.
�س: هل كان الحسين ملاحقا من أعوان يزيد؟ واضطر اخيرا إلى خوض معركة أم كان ثائرا؟
الجواب: الناظر إلى مجمل حركة الامام الحسين﵇، يقطع بأنه لم تكن تلك إلا ما عبر عنه (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنازعا في سلطان ولا التماسا لشيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك، وتقام المعطلة من حدودك فيأمن المظلومون في بلادك).
وأنه لم يكن سلام الله عليه إلا ثائراً آثر العز والشهادة على الذل والحياة الذميمة فقال (فليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما). وأقسم أنه لا يعطي بيده إعطاء الذليل ولا يفر فرار العبيد.
رأى أن ظهر الذل أخشن مركبا
من الموت حيث الموت منه بمرصد
فآثر أن يسعى على جمرة الوغــــى
برجل ولا يعطي المقادة عن يد
وقال قفي يا نفس وقفـــة وارد
حياض الردى لا وقفة المتــردد
بل إنه رفض أن يتنكب الطريق الأعظم من المدينة المنورة إلى مكة، مع أن البعض نصحوه بأن يفعل ذلك كما فعل ابن الزبير، فلم يقبل منهم. وبعدها من مكة إلى كربلاء خرج جهاراً أمام الملأ، إلا حين كادت أن تحصل المواجهة بينه وبين الحر بن يزيد الرياحي، الذي اقترح عليه أن لا يدخل الكوفة، فسار على غير الجادة.
إن الملاحَق أو المنهزم لا يفوت على نفسه فرصة النجاة لو حصلت، بينما حصل للحسين، وعُرض عليه العديد من فرص (النجاة).. وكان الحسين﵇ لا يبحث عن فرصة لنجاته وإنما كان يريد إنقاذ الدين، وإحياء ما مات منه حتى لو أدى ذلك إلى أن يكون شهيدا في هذا الطريق.
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
إلا إذا دمه في كربلا سفكــا