وهذا هو ما لم يفهمه بعض من عاصره، ولذلك طفقوا يقترحون عليه مرة أن يعتصم بالبيت الحرام حتى ينجو فإنه أعز واحد في الحرم !!، وأخرى يشار عليه بأن يذهب إلى اليمن فإنهم شيعة أبيه، وثالثة يشاور في أمر الذهاب إلى جبال آجا وسلمى !! بل أشار عليه بعضهم بأن (أوَلا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يُروك إلا ما تحب!!).
وعرض عليه عمر بن سعد ذلك، ولكن الحسين﵇، ما كان يبحث عن نجاته هو وإنما كان يبحث عن نجاة الأمة وتحقيق هدفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
�س: ألا يخشى أن تؤدي كثرة التدقيق في مسائل السيرة ونفي بعضها إلى تقليل ولاء أتباع أهل البيت﵈، والتأثير سلباً على الاعتقادات الأخرى؟ فيكون فتح هذا الباب سيئاً لأجل هذه الأثر السيء؟
الجواب: نحن نعتقد خلاف ذلك للأمور التالية:
1. لأننا مأمورون بالمعرفة والوعي في كل قضايانا العقيدية، وقد رأينا أن الذين ساروا على غير بصيرة ومن دون معرفة كيف انتهى بهم الحال إلى مشاكل في الرؤية والعمل.
«ومن ذلك ما يقوله أمير المؤمنين﵇ في إحدى وصاياه لكميل بن زياد:
(يا كميل: ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة)، ويحذر المعصومون﵈ من السير دونما بصيرة، لأن ذلك إضافة إلى أنه تبديد للجهد والطاقة و لا يوصل المرء إلى الهدف إطلاقاً بل يبعده عنه. يقول الإمام الصادق﵇:
(العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق فلا تزده سرعة السير إلاّ بعداً)188 ويجعل الإمام الصادق مقياس التفاضل بين العاملين، المعرفة، والبصيرة التي تجعل أعمال المؤمن ضمن الإطار الصحيح، فليست كثرة الصلاة والعبادة الخالية عن الوعي دليلاً على أفضلية المؤمن، إنما البصيرة الرسالية التي تعطي كل عمل أبعاده الكاملة في شخصية المؤمن.. فعن الصادق﵇ أنه قال:
«بعضكم أكثر صلاة من بعض وبعضكم اكثر حجاً من بعض، وبعضكم أكثر صدقة وبعضكم أكثر صياماً من بعض. وأفضلكم أفضل معرفة».
2. نحن نعتقد أن هناك ارتباطا وثيقا بين المعرفة العلمية، وبين قوة الاعتقاد وديمومة الولاء لأنه يكون في هذه الحالة ثابتا لا يتأثر بعواصف التشكيك189، ولا بحملات الآخرين، وإنما لسان حال المؤمن {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}190، لهذا كان ايمان العلماء بالغيب وما يرتبط به أقوى من إيمان غيرهم، {كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}191.
3. بل هناك ارتباط بين مقدار الثواب والمنزلة الإلهية، وبين الوعي والمعرفة، فصلاة العالم العارف تختلف عن صلاة غيره192 وزيارة المعصومين﵈ مطلوبة لكن زيارة الزائر إذا كان (عارفا بحقهم) أفضل.
ثم إننا نعتقد أن الكثير مما هو في السيرة ثابت ومحقق، وينبغي الاعتناء به، ولكن هناك بعض القضايا مما لا تعد من الأساسيات، لا ثبوت لها، وهذه لا يؤثر قبولها وردها كثيرا في ميزان الولاء والاعتقاد. حيث أنها لا تتصل في الغالب بأمور عقيدية وإنما هي تفاصيل في السيرة.
ولو كان المذكور صحيحا، أن التحقيق والبحث والمعرفة تؤثر سلبا على الولاء والاعتقاد السليم لرأينا أئمتنا ينهون عن التعلم والتعرف والحال أنهم يأمرون به. ولرأينا علماءنا يجتنبونه والحال أنهم يحققون فيه.
بل بالعكس نعتقد أن الإنسان كلما ازداد بصيرة، ازداد بمقدارها اعتقادا وولاء.