أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

لكنهم أجابوا: أن مطلق الإضرار بالنفس ولو في مراتبه الدانية لا دليل على حرمته، وخصوصا لو كان فيه مصلحة عقلائية. نعم لو كان الضرر يعد جناية على النفس بإتلافها أو يعد ظلما لها، كما لو أدى إلى نقص عضو، فهنا يكون حراما. وهذا غير متحقق في مظاهر الشعائر فإنهم يقومون بعملهم صباحا وبعد الظهر يمارسون حياتهم العادية. بالاضافة إلى المصالح الدينية المترتبة عليه مما هو واضح.

وواضح أن هذا المقدار من الاستدلال لا ينتج أكثر من الجواز والمشروعية، لا الاستحباب. لكنهم يضيفون:

2. أن هذا العمل مثل التطبير والادماء من مراتب الجزع الممنوع إلا في مورد الإمام الحسين﵇ فإنه غير ممنوع بل مرغوب ومحبوب. وقد ورد في الخبر بسند معتبر هو حسنة معاوية بن وهب183: كل الجزع والبكاء مكروه إلا الجزع والبكاء على الحسين﵇.

3. أن هذه الشعائر بما فيها التطبير والإدماء، من مصاديق إحياء الأمر، وقد ورد في الروايات كثيرا التوجيه إلى إحياء أمرهم، ومن مصاديق تعظيم الشعائر (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب). والشاهد على ذلك جريانها منذ فترات طويلة من الزمان بمسمع ومرأى من علماء الطائفة وأكابر المذهب، ولم يردعوا عنها أو يمنعوا منها، مع توفر الدواعي للمنع، والقدرة عليه ولو في حدود الفتوى.

وبالتالي فإن هذا العمل وإن لم يأت على الفرض إمضاء خاص بشأنه، إلا أنه مشمول للعمومات المرغبة في تعظيم الشعائر، وإحياء الأمر.

4. ويستشهدون ولو على نحو التأييد بما ورد في بعض الروايات التي لم تكن نقية السند، إلا أنهم عملوا بها كالخبر الذي نقله العلامة المجلسي في البحار184 وفيه أن زينب نطحت جبينها بمقدم المحمل، وكذلك ما ورد عنهم﵈ أنه (على مثل الحسين فلتشق الجيوب، ولتخمش الوجوه، ولتلطم الخدود)185.فإن لطم الخدود وإن لم يلزم منه الإدماء إلا أن خمش الوجوه لا ينفك عن الإدماء. وما ورد في زيارة الناحية المنسوبة 186 للإمام الحجة عجل الله فرجه (..ولأبكين عليك بدل الدموع دما..) فإن ذلك من إدماء العين بالبكاء، ولو لم يكن كل ذلك راجحا ومستحبا لما فعلته العالمة غير المعلمة زينب ولما تعهد به الإمام المعصوم﵈.

يا امة السوء لا سقيا لربعكم

يا امة لم تراع جدنا فينا

لو أننا ورسول الله يجمعنا

يوم القيامة ما كنتم تقولونا

تسيرونا على الاقتاب عارية

كأننا لم نشيد فيكم دينا

بني امية ماهذا الوقوف على

تلك المصائب لاتلبون داعينا

تصفقون علينا كفكم فرحا

وأنتم في فجاج الارض تسبونا

أليس جدي رسول الله ويلكم

أهدى البرية من سبل المضلينا

يا وقعة الطف قد أورثتني حزنا

والله يهتك أستار المسيئينا

ياهلالا لما استتم كمالا

غاله خسفه فأبدا غروبا

ما توهمت يا شقيق فؤادي

كان هذا مقدرا مكتوبا

يا أخي فاطم الصغيرة كلمها

فقد كاد قلبها أن يذوبا

ومما استدل به المانعون:

1. التشكيك في كون التطبير والادماء من مصاديق الجزع، أو التألم لما جرى على أهل البيت﵈ وبخاصة على الحسين﵇.فالبكاء هو من مصاديق التألم عرفا، والضرب على الصدور كذلك وأما الإدماء للجسد فليس كذلك. وحينئذ فلا يشمله ما دل على الترغيب في الحزن لأحزانهم والتألم لأجلهم.

2. أنه لم يعهد من الأئمة﵈، ولا العصر القريب منهم إمضاء عام ولا خاص لهذا النوع من العزاء، والممارسات.