أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

كما أنه لا يرتبط بالضرورة على الظاهر بالنهج الفكري، الذي رأى بعض تصنيف الفئات إليه، كما كتب فيه بهذا الاتجاه، وصنفوا على أساسه القائلين بالمنع من التطبير (والقسم الثاني عموماً) بأنهم بأنهم دعاة إصلاح، ورجال تغيير، وفكرهم ينتهي إلى إنهاض المجتمع الشيعي، بينما دعاة الاهتمام بهذا النوع من الشعائر، والقائلين باستحبابه هم رجعيون في الفكر، وتقليديون في الممارسة، وليس لهم من الفكر المتطور نصيب !

أقول: لا يرتبط بذلك بالضرورة فإننا وجدنا تداخلا كبيرا في هذه المسألة، فإن شخصا مثل المحقق النائيني أعلى الله مقامه، مع ما هو عليه من الوعي السياسي حتى عد من أوائل الذين كانت لهم نظرية سياسية واقعية ناظرة إلى الأوضاع الحاضرة تجلت في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) وله ممارسة سياسية متطورة، قال بالجواز والاستحباب.

ومثله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والذي كان يعد من المجددين في الفقه وغيره، (ولا مجال للحديث هنا عن التفاصيل) أيضاً مع ما هو عليه من الادارة الاجتماعية الحكيمة، وبعد النظر السياسي، فإنه ذهب أيضاً إلى جواز ذلك والحث عليه فيما نقل من تعليقته على فتوى المحقق النائيني.

وقد أوردنا هذين المثالين للتأكيد على أن الأمر ليس ضمن معادلة الخط السياسي، كما قد يتراءى بادئ النظر، وليس ضمن معادلة الواقع المعاش الحديث. هذا كله بالنظر إلى الحكم الأولي.

كما أنه ليس أمرا حادثا، ولا وليد اليوم، وإنما كان محور نقاش، وربما صراع في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، والناظر إلى كتاب شعراء الغري (النجفيات) للشيخ علي الخاقاني، و (هكذا عرفتهم) للاستاذ جعفر الخليلي، وغيرها من الكتب التي أرخت للفترة تلك من حياة الحوزة العلمية في النجف يجد بشكل واضح أثر ذلك الاختلاف في الموقف بين فئات الحوزويين.

ولعل تلك الفترة نشطت فيها حركة التأليف في هذا المجال، واستصدار الفتاوى الموافقة أو المخالفة لكل فريق.

ونحن نقول هذا لكي لا يتصور الجيل الجديد، أن المسألة حديثة الظهور: فيظن الشباب وهم من الطرفين غيورون على الدين أن عليهم أن يواجهوا بعضهم، لأن الدين في خطر، فهذا الطرف المجوز يحارب الطرف المانع بكل ما أوتي من قوة باعتباره ضد الشعائر أو أنه يريد هدم شعارات المذهب وتقويض أسس الطائفة. أو أن الطرف المانع يحارب الطرف المجوز باعتباره متآمرا مع الأجانب لتشويه صورة الدين، وأنه داخل في مخطط لالحاق الأذى بصورة المذهب النقية !!

لا ليس الأمر هكذا، وليست القضية وليدة اليوم. وإنما هي منبعثة من خلال اختلاف طريقة الاستدلال والمقدمات التي يمهدها كل فريق للنتيجة الخاصة به. ونحن سوف نتعرض إلى عرض إجمالي لأدلة الطرفين بما يتناسب مع وضع هذا الكتاب، وبما يتناسب مع الفئة التي يوجه لهم، وهي في الغالب الفئة الشابة بنين وبنات.

فمما استدل به المجوزون:

1. أصل الاباحة: فقد تقرر عندهم أن الأشياء على الاباحة، وأن (كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام)، وهذا الأصل وإن تعددت صيغه، إلا أن نتيجته: أن ما لم يأت دليل على المنع منه من الله سبحانه أو المبلغين عنه (كالنبي والأوصياء﵈) فإنه مباح. وممارسة العزاء بهذا النحو من الضرب والادماء يشك في تحريمها والأصل عدم التحريم.

قد يقال: أنه قد ورد النهي عن الإضرار بالنفس، وهذا من الإضرار بها، ومع وجود النهي لا مجال لتحكيم الأصل.