وقال الآلوسي: لو سلم أن الخبيث كان مسلماً فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان. قال: وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين. انتهى.
وقال القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي ـ وقد صنف كتاباً فيه بيان من يستحق اللعن وذكر فيهم يزيد ـ : «الممتنع من لعن يزيد إما أن يكون غير عالم بجواز ذلك، أو منافقاً يريد أن يُوهم بذلك، وربما استفز الجهال بقوله﵌: «المؤمن لا يكون لَعَّاناً»، وهذا محمول على من لا يستحق اللعن»363.
كما أن أبا الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن بن على البغدادي الحنبلي المتوفى سنة (597هـ) ألف كتاب (الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد) قال فيه: «سألني سائل عن لعن يزيد، فقلت قد أجازه العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فبلغ كلامي إلى شيخ قد قرأ أحاديث مروية ولم يخرج عن العصبية العامية. فأنكر ذلك»، إلى آخر كلامه.. مشيراً إلى كتاب ألفه عبد المغيث بن زهير الحنبلي في منع لعن يزيد.
لماذا يُلعن الظالمون؟
1. إن من أهم مكونات الوعي والفكر لدى الإنسان، معرفته التاريخية، وما يحمله من قصص سابقة، وأحاديث عن حياة الماضين من أمم ورجال ومتى كانت تلك المعرفة وافية وصحيحة، فإن البناء الفكري لذلك الإنسان يكون صحيحاً وسليماً.
ولذلك وجدنا حرص القرآن الكريم على استعراض جملة كبيرة من قصص السابقين من الأمم والأنبياء والطواغيت، مع توجيه الأحداث بما يناسب الحالة الوعظية، واستفادة العبرة.
فهناك فرق بين إبراز صورة شخص على أنه قوي وصلب وأنه مسيطر على الأمور، وبين إبراز صورته باعتباره طاغوتا ظالما.
ومع الأسف فإن الصورة المتوارثة في كتب التاريخ الإسلامي عن الأمويين والعباسيين ـ على سبيل المثال ـ هي صورة خلفاء الرسول، وأمراء المؤمنين الحريصين على الإسلام وهي صورة كاذبة بلا ريب.
ويصر هؤلاء الكتاب متعمدين في ذلك على نسبة تقدم المسلمين في المجالات المختلفة إلى الحاكم والسلطان، فإذا فتح المسلمون بلادا، فإنما هي (فتوحات الخليفة) وإذا ازدهرت الحالة العلمية في بلاد المسلمين بجهود العلماء والمفكرين فإنما ذلك من (إنجازاته، ومميزات عصره). ويتطرف البعض حين ينسب إليه فضائل لا تنسجم معه، ويفصلون له ثوبا ليس على مقاسه!!
وقد أدى هذا الأمر إلى نشوء أجيال من المسلمين على ثقافة سلطوية تخديرية، تدين الثائرين والمطالبين بحقوق أمتهم. وكان من الطبيعي مع ثقافة التقديس للحاكم الأموي والعباسي أن يُدان كل فعل معارض له، وأن يعادى كل ثائر عليه!!
بتحديد الموقف من قضايا التاريخ وما جرى فيه، والانتصاف للمظلومين والاحتكام على الظالمين والجائرين، يمكن أن تُنشأ معرفة صحيحة، ويُربى جيل جديد واع يستند إلى حقائق التاريخ، ويكتسب منه حكمة، ويتعلم {سُنَّة اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}364..
2. رسالة للحاضر: لا يظن الظالمون أنهم يستطيعون أن يعبثوا بدين الله، ويظلموا عباد الله، ويعيثوا في بلاده فساداً، ثم يرحلون بمخازيهم، وتنتهي القضية عند هذا الحد.
وإنما سوف ينتظرهم منذ بدء حلولهم تحت التراب عذاب البرزخ، وتلاحقهم فوق التراب اللعنات، والبراءة منهم ومن أعمالهم.