وهذا وإن كان عملاً بالنسبة للظالمين في الزمن الماضي، إلا أنه رسالة لظلمة الحاضر. وفي الواقع فإن الشيعة ـ بل عموم المسلمين ـ عندما يلعنون رمزا من رموز الظلم في تاريخ المسلمين فهم يتخذون موقفا، ويمارسون (إسقاط) هذا الموقف من الرمز التاريخي على الواقع المعاصر. فهم لا يعيشون في الماضي إلا بمقدار ما يجعلهم {شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} الذين عاشوا في تلك الفترات، وارتكبوا ما ارتكبوا من الفظائع.
�س: لماذا يلبس الشيعة السواد في محرم؟ خصوصاً أن هناك روايات تنهى عن لبس السواد؟
الجواب: بحث علماؤنا المسألة في موارد متعددة منها: في الصلاة حيث ذكروا أنه يكره الصلاة في السواد واستثنوا العمامة والكساء والخف. وفي أبواب الحج في موضوع الإحرام في اللباس الأسود وأنه يكره فيه.
وتعرض الأكثر منهم بالمناسبة إلى الحديث عن لبس السواد في أيام مصيبة الإمام الحسين﵇. والمشهور على أنه لا يكره ذلك، بل مع كونه شعارا للحزن والتفجّع عليه﵇ يكون راجحاً ومستحباً.
ونقوم هنا بإلقاء نظرة سريعة على ما ورد من الروايات في المسألة:
ما ورد من النهي عن لبس الأسود:
1. كان رسول الله﵌ يكره السواد إلا في ثلاث: الخف والعمامة والكساء365.
2. وقال أمير المؤمنين﵇ فيما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون».
3. كنت عند أبي عبد الله﵇ بالحيرة فأتاه رسول أبي جعفر الخليفة يدعوه فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله﵇: «أما إني ألبسه وأنا أعلم أنه لباس أهل النار»366.
4. وسئل الصادق﵇ عن الصلاة في القلنسوة السوداء؟ فقال: «لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار».
ودلالة الرواية الأولى على الكراهة أوضح367 من الحرمة، لكن الروايات التالية واضحة الدلالة في النهي الإلزامي، وخصوصاً مع تعليل بعضها بأنه لباس أهل النار وأنه لباس فرعون، مع ما ورد من النهي عن لبس ملابس أعداء الله368. وإن كان في إحداها التخصيص بالصلاة وأنه لا ينبغي لبسه فيها.
الروايات المجوزة
وهناك طائفة أخرى من الروايات التي يستفاد منها خلاف ما سبق، وأن لا مانع من لبس الأسود في نفسه بغض النظر عن العناوين الطارئة عليه.
فمن ذلك:
1. ما رواه سليمان بن راشد، عن أبيه، قال: رأيت علي بن الحسين﵉ وعليه دراعة سوداء وطيلسان أزرق369.
2. وعن أبي جعفر﵇ قال: «قتل الحسين بن علي﵇ وعليه جبة خز دكناء370 فوجدوا فيها ثلاثة وستين من بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح أو رمية بالسهم»371.
3. عن داود الرقي قال: «كانت الشيعة تسأل أبا عبد الله﵇ عن لبس السواد؟ قال: فوجدناه قاعدا عليه جبة سوداء وقلنسوة سوداء، وخف أسود مبطن بسواد، ثم فتق ناحية منه وقال: أما أن قطنه أسود وأخرج منه قطنا أسود، ثم قال: بيض قلبك والبس ما شئت»372.
كما أن هناك طائفة أخرى هي أخص من السابقة وهي تلك التي تستثني بعض الملابس السوداء من النهي كالعمامة والكساء والخف، فقد مر أن رسول الله﵌ كان يكره السواد إلا في ثلاث: الخف والعمامة والكساء.
وفي حديث معاوية بن عمار عن الصادق﵇ قال: «سمعته وهو يقول: دخل رسول الله﵌ الحرم يوم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وعليه السلاح».
ويبقى التعارض قائماً بين الطائفة الأولى الناهية عن لبس السواد وبين الثانية ـ فيما عدا المستثنيات ـ ، فكيف يمكن حل هذه المعارضة؟
سلك علماؤنا في ذلك طرقا متعددة: