أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية

بل حتى أهل الكتاب الذين أبوا أن يؤمنوا برسالة النبي محمد﵌ وقد كانوا يستفتحون من قبل على كفار العرب، فإذا بهم اليوم ينكرون ما بشروا به من قبل، لذلك استحقوا اللعنة الإلهية:

{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ}346.

ولعل قائلاً يقول: إنه وإن وردت اللعنة في القرآن على الكافرين إلا أنه لا يصح أن يُلعن مسلم، فيقال في جوابه: إن العلة واحدة وهي التخلف عن إطاعة الله ورفض العمل بشريعته جحوداً ونكراناً، وفي هذا لا يختلف الاثنان بل ربما كانت الملامة على من يحمل صفة الإسلام أعظم.. ولهذا فقد صب القرآن الكريم اللعنة على مسلمين، وإن لم يسمهم، لكن التاريخ قد تكفل بالأخبار عنهم، وحتى لو أمكن إخفاء أسمائهم فإن الصفات الموجودة تكفي من إيذاء الله ورسوله، ومن الفساد في الأرض وقطع الأرحام، ومن النفاق والإرجاف في المجتمع المسلم، ومن الصد عن سبيل الله ومن كتمان الحق عن طالبيه، والكذب فتعال عزيزي القارئ، واتلُ ما في القرآن الكريم وتدبر آياته البينة:

{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً}347.

وقد جاءت هذه الآية المباركة بعد آية الصلاة على النبي﵌: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}348.

وكأنها تريد أن تنقل صورتين متقابلتين من الاحترام للنبي﵌ ومن الإيذاء له وإغضابه.

وتقوم آيات أخرى بالتهديد للمنافقين من المسلمين، والمرجفين من (الطابور الخامس)349 الذي يثبط المسلمين عن الجهاد ويحبط عزائمهم، وتصفهم بأن اللعنة تلاحقهم أينما ثقفوا، وكيفما تصرفوا.

{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}350.

{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}351.

{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}352.

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ *الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ}353

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ}354.

فهذا القرآن الكريم لم يوّفر أحداً من المجرمين والمنافقين بل صبّ عليه اللعنة صبًّا لتتلى ليل نهار، قول هؤلاء: ونحن نتبعه في لعن من تتوفر فيه صفات الملعونين بل وجدنا القرآن يلعن أسرة بكاملها، وشجرة بتمامها حتى لقد صارت (الشجرة الملعونة) كأنها اسم من الأعلام:

{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَاناً كَبِيراً}355.

وفي موضوع الملاعنة بين الزوجين نجد أن طلب اللعنة الإلهية لتحل بالكاذب والفاسق هي خاتمة مطاف الملاعنة:

{وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}356.

يقول هؤلاء إنهم: يتبعون حديث رسول الله﵌ الذي لعن طوائف مختلفة فقد لعن من يرتبط بالخمر تسعة أصناف فقد روي أنه قال﵌: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها».

وروي أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي».