فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون340، وقد قال رسول الله﵌: «المسلم ليس بلعان». ولا يجوز لعن البهائم، وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي﵌، ويزيد صح إسلامه341، وما صح قتله الحسين، ولا أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام. ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية الحماقة342، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله، أو من الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف ولو كان في بلد بعيد وفي زمن قديم قد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد، وقد تطرق التعصب في الواقعة، فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن به.
ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه، فكيف من تاب عن قتل، ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى.
ولو جاز لعنه فسكت عنه لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة: لم لا تلعن إبليس؟ ويقال للاّعن: لم لعنت؟ ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون؟ والملعون هو المبعد من الله عز وجل، وهو غيب لا يعرف إلاّ في من مات كافراً، فإن ذلك علم بالشرع.
وأما الترحم عليه، فهو جائز بل مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة: «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات» فإنه كان مؤمنا والله أعلم، كتبه الغزالي343.
في الصواعق المحرقة لابن حجر: لا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره، فإنه من جملة المؤمنين، وأمره إلى مشية الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه.
وقال التفتازاني الحنفي344 في شرح المقاصد عن منعهم لعن يزيد.. فإن قيل: من علماء المذهب من لم يُجَوِّز اللعن على يزيد، مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد. قلنا: تحامياً أن يُرتقى إلى الأعلى فالأعلى.
والتوجه الثاني بين المسلمين وهو المشهور بينهم: يرى جواز لعنه، ويستدل على ذلك بأمور:
إن من يفعل ذلك يتبع فيه القرآن الكريم، حيث لم يوفر حظا للكافرين والفاسقين والظالمين، ولم يدخر وسعا في التأكيد على لعنهم، ويظهر أن أمر لعن الكافرين والفاسقين والظالمين الهادف لإيجاد الفاصل النفسي، والحاجز القلبي بين المؤمن بالديانة السماوية وبين تلك الفئات المنحرفة، ليس من مختصات هذه الرسالة بل كان موجودا في سائر الرسالات السماوية أيضاً فالقرآن يتحدث عن لعن أنبياء بني إسرائيل للكافرين فيقول:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}345.