والتطير: من الطيرة، وهي ـ كما قالوا ـ ما يتشأم به من الفال الرديء وقد كانت سائدة عند العرب في الجاهلية فأبطلها الإسلام وألغى آثارها، وقيل: إن الأصل فيه أنهم كانوا إذا أرادوا غزو قوم عمدوا في طريقهم إلى ما يرون من أوكار الطيور فيزعجونها ويطيرونها عنها يتفاءلون بذلك لتفريق العدو والأبعاد من المنزل أو أنها إن أخذت يمينا تيمنوا وذهبوا يمينا في الحاجة وإن أخذت شمالا تشاءموا ورجعوا أو كانوا يطلقون الظباء فإن تيامنت استبشروا وإن تياسرت تراجعوا ثم استعمل هذا اللفظ في مطلق الفال سواء كان بإطارة الطيور عن أعشاشها أو بغير ذلك مما كانوا يتفألون به مثل نعب الغراب وإقعاء الذئب واعتراض الصيد وغيرها ثم خص بالفال الرديء..
ونجد أن الجاهليين المكذبين للأنبياء كانوا يجعلون التطير (حجة) كافية لتكذيبهم الأنبياء فالقرآن يتحدث عن قوم صالح {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ}451 وكما قال أصحاب القرية لأنبيائهم: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}452.
ولأنها تنمي الفكر الخرافي من جهة، وتضيع على المجتمع كثيراً من فرص الخير والعمل لأجل أن العصفور قد اتجه شمالا، لأنه مثلا وجده أقرب لنجاته! أو غير ذلك، فتتعطل الأمور العامة تبعاً لاختيار العصفور أو اتجاه الغراب!فقد نهى الإسلام عنها، وذكّر المعصومون أنها لا أثر له. ولك أن تتصور مجتمعا يعتمد في اختياراته وقراراته على نعيب الغراب، وما شابه.
بل إنها في بعض الحالات تصل إلى درجة من درجات الشرك، وذلك عندما يعتقد المتطير أن التوفيق قرين الطير المتيامن، وأن الشر سيحصل بسبب توجهه إلى الشمال.. وينسى أن الله سبحانه وتعالى هو المؤثر الوحيد في هذا الكون، وليس تيامن أو تياسر الطير من الأسباب التي جعلها الله في عالم التكوين لشيء.
ففي الحديث عن رسول الله﵌: «الطيرة شرك». وعنه أيضاً: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». وأنه: «من خرج يريد سفرا فرجع من طير فقد كفر بما أنزل على محمد». و: «ليس منا من تطير ولا من تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له»453.
ولعله لهذا السبب جعل «كفارة الطيرة التوكل» على الله والاعتقاد بأنه لا يصنع الخير ولا يدفع الشر إلا الله كما روي عن رسول الله «كان يأمر من رأى شيئا يكرهه ويتطير منه أن يقول: اللهم لا يؤتي الخير إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» ويأمره بالمضيّ على خلاف ما تُطير به. فقد جعل علاج التطير خلافه فقال كما في الحديث عن رسول الله «إذا تطيرت فامض».
هذا هو التطير: عادة جاهلية قد تجر في حالات إلى الشرك، وهي ليست في المؤمنين ولا سيما في أهل البيت: ما منا من يتطير ولا من يتطير به، وعلاجها أن يمضي الإنسان متوكلاً على الله في سبيله..
فهل يعقل بعد هذا أن يكون مسلم الذي هو (ثقة) الحسين، وفي بعض المرويات المفضل عنده من أهل بيته أن يتطير من ذلك الطريق الذي مضى فيه ويفكر في الرجوع عن تلك المهمة العظيمة التي أوكلت إليه؟
إن من يريد الرجوع عن مهمة لا بد أن يبدي سببا معقولا عند نفسه أولاً وعند من وجهه ثانياً، والتطير لم يكن معقولا لا عند مسلم ولا عند الحسين.