فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلاَّ واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام فكتب إليه حسين أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك.
فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيء فنزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمي الصيد فنطر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبى عبيد»448. انتهى.
ولنا مع هذا النقل وقفات:
1. محل الحادثة: يظهر من النقل المذكور أن الحادثة قد وقعت بعدما استأجر مسلم دليلين من المدينة، ومات هذان الدليلان في مكان ما بمضيق الخبت ثم بعث مسلم رسالته إلى الحسين، ويفترض أن يكون ذلك بعد الخروج من المدينة باتجاه العراق، لكن أرباب المعاجم ذكروا أن منطقة الخبت بين المدينة ومكة، وليست بين المدينة والعراق.. وقد أشار إلى ذلك العلامة القرشي في كتابه حياة الإمام الحسين فقال: إن مضيق الخبت الذي بعث منه مسلم رسالته إلى الإمام يقع ما بين مكة والمدينة حسب ما نص عليه الحموي في حين أن الرواية تنص على أنه استأجر الدليلين من يثرب وخرجوا إلى العراق فضلوا عن الطريق ومات الدليلان ومن الطبيعي أن هذه الحادثة وقعت ما بين المدينة والعراق ولم تقع ما بين مكة والمدينة449.
وأنه لو كان هناك مكان يدعى بهذا الاسم يقع ما بين يثرب والعراق لم يذكره الحموي فان السفر منه إلى مكة ذهاباً وإياباً يستوعب زمانا يزيد على عشرة أيام في حين أن سفر مسلم من مكة إلى العراق قد حدده المؤرخون فقالوا: انه سافر من مكة في اليوم الخامس عشر من رمضان، وقدم إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال فيكون مجموع سفره عشرين يوماً، وهي أسرع مدة يقطعها المسافر من مكة إلى الكوفة فان المسافة بينهما تزيد على ألف وستمائة كيلومتر، وإذا استثنينا من هذه المدة سفر رسول مسلم من ذلك المكان ورجوعه إليه، فان مدة سفره من مكة إلى الكوفة تكون أقل من عشرة أيام ويستحيل عادة قطع تلك المسافة بهذه الفترة من الزمن450.
2. قول مسلم: بحسب النقل المذكور: «وقد تطيّرت من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري».