وبعد حادثة كربلاء، فقد اتخذت بعض الزوجات موقفا شديدا تجاه أزواجهن ممن شاركوا في المعركة ضد الحسين وأصحابه، ويذكر المؤرخون في ذلك زوجة كعب بن جابر التي عارضته، بعد رجوعه وقالت له: أعنت على ابن فاطمة وقتلت شيخ القراء، والله لا أكلمك من رأسي كلمة443.
ومنهن زوجة خولى بن يزيد الأصبحي، واسمها النوار بنت مالك بن عقرب فقد نقل بسنده عنها: «قالت أقبل خولى برأس الحسين فوضعه تحت أجانة في الدار ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر ما عندك؟ قال: جئتك بغنى الدهر هذا رأس الحسين معك في الدار! قالت: فقلت: ويلك جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا!قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار فدعا الأسدية (زوجته الثانية) فأدخلها إليه، وجلست أنظر قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الأجانة ورأيت طيرا بيضا ترفرف حولها قال فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله»444.
ومن أولئك أم عبد الله بنت الحر البدي، زوجة مالك بن النسر البدي التي رفضت أن يدخل زوجها البيت ومعه سلب الحسين﵇ 445.
وفي الجانب السلبي أيضاً وجدنا بعض تلك الآثار، فإن من المعلوم أن التي منعت مسلما أن يقتل ابن زياد في بيت هاني بن عروة هي زوجته، التي هي بنت الحجاج الزبيدي، وأخت عمرو بن الحجاج الزبيدي قائد إحدى الفرق العسكرية الأموية في كربلاء، ولم يكن على وفاق مع الخط العلوي والحسيني، ونحن وإن كنا نعتقد أن هناك أسبابا أخرى أيضاً جعلت مسلما يمتنع عن اغتيال ابن زياد446، إلا أن هذا الموقف أيضاً يبين الدور السلبي الذي يمكن للزوجة أن تمارسه حتى على خلاف رغبة زوجها، وخطه.
ونحن لا نعلم هل كان لبحرية بنت المنذر العبدي447 زوجة عبيد الله بن زياد، دور في وشاية عمرو برسول الحسين﵇ الذي جاء إلى البصرة؟ وهل أنها مثلا أشارت على أبيها أو أن هذا الأب هو قد تبرع بإيصال رسول الحسين خوفا على ابنته، أو لم يكن لها ارتباط.
والمنذر بن الجارود العبدي هو الذي جاء برسول الحسين، زاعما أنه خاف أن يكون دسيساً من ابن زياد فقدم الرسول وضرب عنقه.
�س: كيف يمكن التوفيق بين ما هو معلوم من منزلة مسلم بن عقيل الكبيرة عند الحسين وبين رسائله إلى الحسين، والتي يقول فيها مسلم أنهم الاستمرار، وجواب الحسين له الذي يشم منه الاتهام بالجبن لمسلم؟
الجواب: ذكر الطبري في تاريخه القضية هكذا:
«دعا (الحسين) مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي فأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجل إليه بذلك فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله﵌ وودع من أحب من أهله ثم استأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلاَّ الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان: هذا الطريق حتى ينتهي إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشاً.