أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية

والذي يجمع بين الأمرين هو ما ذكرته الآيات البينات في تشخيص أمر الرسول {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} وهذان الجانبان: البشري أفقياً مع المجتمع، والإلهي عموديا في الارتباط بالخالق، وما تحدث عنه القرآن {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}425 وبهذا يمكن تفسير صدور المعجزات من الأنبياء والكرامات من الأولياء، فإنه من الثابت بحيث لا ينكره غير المكابر صدور المعجزات التكوينية من الأنبياء والكرامات من الأولياء وقد تحدث عنها القرآن.

الثالثة: إن إثبات حصول الأمور الغيبية لا يختلف عن إثبات الأمور العادية، وليس له طريقة خاصة يفرضها موضوع (الغيبية). فإذا كان إثبات الوقائع العادية يكفي فيه خبر الثقة ـ على القول به في الموضوعات وإن لم يفد الاطمئنان ـ أو البينة، فإنه أيضاً يأتي في الوقائع التي ترتبط بالمسألة الغيبية كنقل المعاجز والكرامات وإن مجرد تعجب الناس أو استغرابهم من حدوث مثل هذه الأمور أو إنكار بعضهم لها لا يؤدي إلى اصطناع طريقة خاصة في الإثبات. نعم لو كانت المسألة من الأمور الاعتقادية التي يطلب فيها اليقين، فإنها تحتاج إلى مثل التواتر مما يفيد اليقين ولا يكتفى فيها بخبر الثقة أو البينة.

ومع ذلك فإن أخبار المعاجز والكرامات ـ لا سيما بعضها ـ تدخل فيما هو مفيد للاطمئنان، وذلك لكثرة الناقلين لها، وكثرة الاهتمام بها لما تحتوي عليه من معان دينية وعقيدية. وعلى هذا الأساس تم تناقل أخبار الكرامات والمعاجز، بل هي لغرابتها كانت محلا للاهتمام المركز بها، فتكاد تصل في بعضها إلى التواتر أو الاستفاضة.

الرابعة: ما يرتبط بقضية الإمام الحسين﵇ في كربلاء، فقد نقل المؤرخون وأهل السير، عددا من القضايا التي تصنف على الجهة الغيبية، وتخرج عن المألوف عند الناس مثلما ذكر في السؤال، وسنتحدث عن هاتين القضيتين كنموذج:

أ. يوم بكت السماء دما في روايات أهل البيت﵈:

1. نقل ابن قولويه في كامل الزيارات روايات متعددة تشير إلى هذا الموضوع، عن غير واحد من الأئمة﵈ منها ما عن إبراهيم النخعي426 عن أمير المؤمنين علي﵇، قال: خرج أمير المؤمنين﵇ فجلس في المسجد واجتمع أصحابه حوله، وجاء الحسين﵇ حتى قام بين يديه، فوضع يده على رأسه فقال: «يا بني إن الله عيّر أقواماً بالقران، فقال: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}، وأيم الله ليقتلنك بعدي ثم تبكيك السماء والأرض».

2. نقل الشيخ الصدوق رحمه الله رواية في الأمالي، سوف يأتي تحقيق سندها عند الحديث عن عدد الجيش الذي واجه الحسين﵇، وقد ذكر فيها عن الإمام الحسن المجتبى﵇ وهو على فراش مرضه الذي توفي فيه مسموما، أنه قال لأخيه الحسين:.. لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنهم من أمة جدنا محمد﵌، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار427.

3. وذكر أبو الفضل بن طيفور في كتابه بلاغات النساء، ناقلا خطبة (أم كلثوم) بسنده إلى الإمام الصادق عن آبائه﵈، وقد ذكرت فيها ما يشير إلى أن السماء قد مطرت دماً فقد قال في كتابه: