أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية

ولم يكد الإمام السجاد﵇ يقوم من علته تلك حتى تعرض لآلام السفر العنيف418 والإيذاء البدني والنفسي مما أثر كثيرا على صحته، فقد نقل من رآه في الكوفة أنه كان عليلا419، وكان يتكلم بصوت ضئيل.

�س: ما هو الحد الذي نستطيع المسير فيه مع ما يذكر من قضايا غيبية في كربلاء وما بعدها، مثل تكلم رأس الحسين وهو على الرمح! أو أن السماء قد أمطرت دما حزنا على الإمام الحسين! وغيرها؟ وما هو الموقف منها؟

الجواب: حيث أن هذا الموضوع بما يمثله من رؤية له جانب سيال، ولا يقتصر على الموضوع الغيبي في كربلاء، وإنما يشمل ما حصل في غيرها أيضا، فسوف نتعرض إليه بنحو من التفصيل ضمن النقاط التالية:

الأولى: أن الكون من حولنا يسير ضمن خريطة الطاعة الإلهية، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} ولذا فمن الطبيعي أن يتناغم ما في الكون من أشياء مع هذا الإنسان المؤمن، في تلك الحركة العبادية المؤمنة، وإن كان الإنسان لا يفقه تسبيح وعبادة ما حوله. قد لا نعرف كيفية التسبيح، وبكاء الأرض والسماء، وترحيبهما وغير ذلك، وقد أخبر الباري سبحانه فقال: {وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، وعدم المعرفة والفقه شيء وعدم وجود التسبيح وتلك الأفعال شيء آخر.

ومعرفة هذا الجانب يفسر لنا الكثير مما ورد في أن الكائنات تستغفر لطالب العلم420 وأن المؤمن إذا مات بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كان عمله يصعد إليها421، وأن الأرض تستقبل الميت المؤمن استقبالا حسنا422، بينما تعنف بالكافر وتؤذيه.. وكذلك ما ورد في تفسير الآية المباركة {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}423 مع ملاحظة النقطة المتقدمة لن تكون حاجة ماسة للحمل على المجاز والكناية. ومجرد عدم معرفة الإنسان بكيفية صدور تلك الأمور منها، أو عدم تعقله لها، لا ينفي وجودها، فكم من الأشياء حولنا أصبحت اليوم حقائق تلمس وكانت قبل هذا أمورا لا تصدق ولا تُتعقل!

وإن حمل كل هذه الآيات والروايات ـ وغيرها كثير جداً ـ على المجاز والكناية وإرادة غير المعنى الحقيقي، لا لشيء إلا لأننا لا نتعقل ولا نعرف كيفية تلك الأفعال، هو خلاف الإنصاف واحتكام إلى الاعتساف.

الثانية: أن هناك حدين متطرفين424 في هذه القضايا ينبغي أن ينفصل الإنسان من تأثير كل منهما عليه، يميل الأول منهما إلى جعل قضايا الأنبياء والأوصياء سلسلة مترابطة من القضايا الغيبية اللامفهومة، ويتصور بذلك أنه يعظم قدرهم ويعلي من شأنهم!! وتجد عند هؤلاء الناس، إغراقا في الجانب الغيبي، وإذا أراد بعضهم أن يشرح لك معظما قدر الأنبياء والأوصياء اكتفى بأنه لا يعرف ولا أحد يعرف ولا يستطيع أحد أن يعرف.. الخ. وبالتالي يجعلون حياة النبي والوصي في الغيب هي الأصل، وفي الحضور هي الاستثناء والنادر!! وهذا توجه غير صحيح.

ويميل قسم في مقابلهم إلى نفي أي علاقة للأنبياء والأوصياء بعالم الغيب ويصورونهم بصورة عادية في كل شؤونهم وقضاياهم، فهم لا يختلفون عنا في شيء ويردون أي نقل أو حادثة تتحدث عن جلالة شأنهم، أو ارتباطهم بالعالم الأعلى، بحيث يتمكنون ـ بتمكين الله سبحانه لهم ـ من فعل الخوارق مع الحاجة الدينية لذلك، وتجري على أيديهم الكرامات.. فيرون كل ذلك غير صحيح.. وهذا كسابقه في عدم الصحة.