أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية

كما نعتقد أن مرض الإمام﵇ في تلك الفترة كان ضمن الحكمة الإلهية لجهة أن يستمر النسل الحسيني، والامتداد العلوي، والإمامة المحمدية بحيث يكون في الأمة من هو قادر على حمل مواريث النبوة والإمامة، ويكون فاعلاً في تغيير مسيرتها، والحفاظ فيها على شريعة الرسول﵌.

وإلاّ لو كان صحيح البدن إلى مقتل الحسين﵇ لما وسعه التأخر عن نصرته والمبادرة إلى فدائه بنفسه، لما ثبت من لزوم دفع الموت عن النبي والإمام، فإنه «لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلاّ أكبه الله على منخريه في نار جهنم»409. إضافة إلى أنه مقتضى بر الولد بأبيه حتى في حالة عدم العصمة والإمامة.

أما ما هي كيفية مرض الإمام السجاد﵇، فما وجدته من النصوص هو التالي:

أقدم نص رأيته هو ما ذكر في كتاب للزبير الأسدي410 (تسمية من قتل مع الحسين﵇) فقد قال:.. «وكان علي بن الحسين﵇ عليلا، وارتث411 يومئذ، وقد حضر بعض القتال فدفع الله عنه، واخذ مع النساء هو، ومحمد بن عمرو بن الحسن، والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب﵇.

ما ذكره الشيخ الطبرسي412 في كتابه (إعلام الورى بأعلام الهدى)413 في حديثه عن رحيل الركب الحسيني إلى الكوفة فقال:.. «ثم نادى في الناس بالرحيل، وتوجه نحو الكوفة ومعه بنات الحسين﵇ وأخواته ومن كان معه من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين﵇ فيهم وهو مريض بالذرب414 وقد أشفى».

ـ نقل العلامة المجلسي في البحار415 عن كتاب نوادر ابن أسباط عن بعض أصحابه رواه قال: «إن أبا جعفر (الباقر)﵇ قال: كان أبي مبطوناً416 يوم قتل أبوه صلوات الله عليهما وكان في الخيمة وكنت أرى موالينا كيف يختلفون معه، يتبعونه بالماء».

والنص الأول الذي ذكر في كتاب الفضيل بن الزبير يفيد بظاهره أمرين:

أن الإمام السجاد قد شارك في بعض القتال.

وأنه كان قد اُرتث أي جُرح.

وقد أصر السيد الجلالي في كتابه (جهاد الإمام السجاد﵇) على هذا واستفاد من النص المذكور ما ينفعه في الاستدلال على جهاد الإمام وشجاعته وأنه قد شارك في المعركة أو مقدماتها، وقد أصيب بجراح على أثر ذلك.

بينما النصان التاليان لذلك لا يتعرضان لأمر القتال ولا الجراح، وإنما يثبتان كونه عليلاً إلى درجة أنه قد أشفى على الموت، وأنه كان بحسب النص مريضاً بالذرب (وهو الذي لا يبرأ من الأمراض كما عن بعض أهل اللغة وكما في الحاشية مرض يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام ولا تمسكه) وهو ما يسبب الإعياء وعدم القدرة على ممارسة النشاطات الاعتيادية للمصاب به. وهو شبيه لما يسمى اليوم بالإسهال الشديد، الذي قد ينتهي في بعض الحالات إلى التجفاف والوفاة سواء في الصغار أو الكبار.

وأمر مشاركة الإمام السجاد في القتال، لا شاهد عليه في روايات أهل البيت أو نقل أهل التاريخ، إلا أن يكون بمعنى محاولة النهوض والخروج للقتال على أثر استغاثة والده الحسين واستنصاره.

بل ربما كان ما جرى على الإمام السجاد﵇، مما ذكره المؤرخون حين الهجوم على المخيم بعد شهادة الإمام الحسين، وأنه كان منبسطا417 على فراش له وهو مريض يشير إلى أنه حتى في تلك الحال لم يكن قادرا على النهوض والدفاع عن نفسه، مما يبعّد أمر مشاركته في القتال. والله العالم.