ثم إنه قدس سره قد نقل قولا آخر عن ابن الجوزي، وهو أن الرأس الشريف قد دفن مدينة الرقة على الفرات، وهذا القول من البعد إلى درجة أنه لم يكن ينبغي ذكره، ويتلوه في الضعف القول بأنه كان في عسقلان وأنه قد نقل فيما بعد إلى مصر.
الرابع: أنه مدفون مع جسده الشريف، وفي البحار أنه المشهور بين علمائنا الإمامية رده علي بن الحسين﵉ انتهى. وفي اللهوف أنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف وكان عمل الطائفة على هذا المعني المشار إليه انتهى. واعتمده هو أيضاً في كتاب الإقبال «وقال ابن نما: الذي عليه المعول من الأقوال انه أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه» انتهى. وعن المرتضى في بعض مسائله أنه رد إلى بدنه بكربلاء من الشام وقال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين وقال سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص): اختلفوا في الرأس على أقوال أشهرها أنه ـ يعني يزيد ـ رده إلى المدينة مع السبايا ثم رد إلى الجسد بكربلا فدفن معه قاله هشام وغيره انتهى. فهذا القول مشترك بين الشيعة وأهل السنة. انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
أقول: هذا القول هو المتعين الذي لا مناص من القبول به ويمكن الاستدلال لذلك:
1. من الناحية التاريخية: فإن من المعروف أن يزيد بعدما تحقق له ما أراد من قتل الحسين﵇ وسبي نسائه إلى الشام، وانقلاب الأمر عليه، أراد أن ينهي القضية بحيث لا تتصاعد، فسمح للنساء بإقامة مأتم الحزن، ثم استدعى الإمام زين العابدين﵇ بعد أيام، وخيره بين البقاء معهم أو إن أرادوا الذهاب إلى المدينة بعث معهم من يوصلهم، وأظهر له أنه يريد قضاء حوائجه، فطلب الإمام أموراً كان منها رأس أبيه﵇. ومن الطبيعي ويزيد في هذه الحال يريد إنهاء القضية أن يستجيب لطلب الإمام رأس أبيه.
2. روايات أهل البيت﵈: ففي رواية نقلها الشيخ الصدوق قدس سره في الأمالي، تصريح برد رأس الحسين إلى كربلاء. فقد روى بطريق معتبر إلى لوط بن يحيى الأزدي عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت علي﵇ قالت: ثم إن يزيد ـ لعنه الله ـ أمر بنساء الحسين﵇، فحبسن مع علي بن الحسين﵉ في محبس لا يكنهم من حرّ ولا قرّ، حتى تقشرت وجوههم، ولم يرفع من بيت المقدس حجر على وجه الأرض إلا وجد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء، كأنها الملاحف المعصفرة إلى أن خرج علي بن الحسين﵉ بالنسوة ورد رأس الحسين﵇ إلى كربلاء.
والروايات التي تتحدث عن تربة قبر الحسين، مشعرة بذلك ففي بعضها، عن أبي عبد الله﵇ قال: «عند رأس الحسين﵇ لتربة حمراء فيها شفاء من كل داء إلا السام»403 (أي الموت).
كما تشير إليه الروايات القائلة باستحباب الصلاة عند رأس الحسين﵇ كما في ورواية ابن ناجية: «صل عند رأس قبر الحسين﵇ «. و رواية الثمالي: «ثم تدور من خلفه إلى عند رأس الحسين﵇ وصل عند رأسه ركعتين تقرأ في الأولى ـ إلى أن قال ـ : وإن شئت صليت خلف القبر وعند رأسه أفضل». وفي رواية صفوان: «ثم قم فصل ركعتين عند الرأس».
وروايات الاستخارة عند رأس الحسين﵇ كما في الوسائل، إلا أن تحمل كل هذه الروايات والأفعال على موضع الرأس وجهته وإن لم يكن موجوداً. وهو خلاف الظاهر.