أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية

وقد ذكر السيد الأمين قولاً آخر يرجع إلى هذا القول، وهو ما ذكره في كتابه بعنوان: «الثالث: أنه مدفون بظهر الكوفة دون قبر أمير المؤمنين﵇ رواه في الكافي بسنده عن الصادق﵇ « والكلام فيه هو الكلام في الأول حيث مرجعه إليه.

الثاني: إنه دفن بالمدينة المنورة عند قبر أمه فاطمة﵍ وأن يزيد أرسله إلى عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة فدفن عند أمه الزهراء﵍ وأن مروان بن الحكم كان يومئذ بالمدينة فأخذه وتركه بين يديه وقال:

يا حبذا بردك في اليدين

ولونك الأحمر في الخدين

والله لكأني انظر إلى أيام عثمان. حكاه سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص عن ابن سعد في الطبقات.

أقول: لا يظهر لهذا القول أثر في روايات أهل البيت﵈ بحسب التتبع المحدود. هذا إضافة إلى أن موضع قبر الزهراء﵍ كان ولا زال مجهولاً، فلا يعلم على نحو الدقة أين قبرها الشريف؟ يضاف إلى ذلك مما يوهن الأمر أنه قد ذكر كون مروان بن الحكم بالمدينة وهو خلاف ما ذكره المؤرخون من كونه حينئذ في الشام وأنه دخل على يزيد، وسأل الجنود الذين أتوا بالرؤوس عن كيفية القتال402.. فكيف يكون في الشام ويكون في المدينة والظاهر من سياق الكلام المذكور أنه (كان..) بالمدينة لا أنه قدم إليها بعد تلك الحادثة مثلاً.

الثالث: أنه بدمشق قال سبط بن الجوزي حكى ابن أبي الدنيا قال وجد رأس الحسين﵇ في خزانة يزيد بدمشق فكفنوه ودفنوه بباب الفراديس وكذا ذكر البلاذري في تاريخه قال هو بدمشق في دار الأمارة وكذا ذكر الواقدي أيضاً انتهى. ويُروى أن سليمان بن عبد الملك قال وجدت رأس الحسين﵇ في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة أثواب من الديباج وصليت عليه في جماعة من أصحابي وقبرته. وفي رواية: أنه مكث في خزائن بني أمية حتى ولي سليمان بن عبد الملك فطلب فجيء به وهو عظم ابيض فجعله في سفط وطيبه وجعل عليه ثوباً ودفنه في مقابر المسلمين بعدما صلى عليه فلما ولي عمر بن عبد العزيز سأل عن موضعه فنبشه وأخذه والله أعلم ما صنع به.

وقال بعضهم: الظاهر من دينه أنه بعث به إلى كربلا فدفنه مع الجسد الشريف. وروى ابن نما عن منصور بن جمهور أنه دخل خزانة يزيد لما فتحت فوجد بها جونة حمراء فقال لغلامه سليم: احتفظ بهذه الجونة فإنها كنز من كنوز بني أمية فلما فتحها إذ فيها رأس الحسين﵇ وهو مخضوب بالسواد فلفّه في ثوب ودفنه عند باب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق انتهى.

أقول: وكأنه هو الموضع المعروف الآن بمسجد أو مقام أو مشهد رأس الحسين﵇ بجانب المسجد الأموي بدمشق وهو مشهد مشيد معظم.. انتهى كلام السيد الأمين.

وغاية ما يثبته هذا النقل ـ لو تم ـ هو أنه بقي في دمشق مدة من الزمان ثم أعيد إلى قبره أيام عمر بن عبد العزيز، أو غيره. على أنه لا يتم. نعم المعروف أنه وضع في الجامع الأموي في الشام أيام وصلت نساء الحسين هناك، وأنه صار على أثر ذلك مكان يقصد، وشيد فيه مشهد باعتبار أنه محل وضع الرأس. وأيضا يرد عليه ما على سابقه من أنه لا شاهد عليه من روايات أهل البيت﵈ الذين هم أعرف بموضع دفن الرأس، بل الشاهد على خلافه كما سيأتي.