أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية

الأول: إنه عند أبيه أمير المؤمنين﵇ بالنجف ذهب إليه بعض علماء الشيعة استناداً إلى أخبار وردت بذلك في الكافي والتهذيب وغيرهما من طرق الشيعة عن الأئمة﵈ وفي بعضها أن الصادق﵇ قال لولده إسماعيل: إنه لما حمل إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين﵇ وهذا القول مختص بالشيعة.

أقول: إشارة السيد الأمين إلى عدد من الروايات:

منها مرفوعة ابن أسباط عن الصادق﵇: «إنك إذا أتيت الغري رأيت قبرين قبراً كبيراً وقبراً صغيراً، فأما الكبير فقبر أمير المؤمنين﵇، وأما الصغير فرأس الحسين﵇ «، ولكن الخبر ضعيف بأكثر من جهة كما أنه يمكن توجيهه بأنه موضع الرأس الذي وضع فيه لا محل دفن الرأس، وهذا ما يشير إليه خبر المفضل بن عمر أنه «جاز الصادق﵇ بالقائم المائل في طريق الغري فصلى عنده ركعتين، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ فقال: هذا موضع رأس جدي الحسين﵇ وضعوه هنا». وربما يستشهد له بخبر يونس بن ظبيان «أن الصادق﵇ ركب وركبت معه حتى نزل عند الذكوات الحمر، وتوضأ ثم دنى إلى أكمة فصلى عندها وبكى، ثم مال إلى أكمة دونها ففعل مثل ذلك، ثم قال: الموضع الذي صليت عنده أولا موضع قبر أمير المؤمنين﵇ والآخر موضع رأس الحسين﵇ وأن ابن زياد لعنه الله لما بعث برأس الحسين بن علي﵉ إلى الشام رد إلى الكوفة، فقال: أخرجوه منها لا يفتتن به أهلها، فصيره الله تعالى عند أمير المؤمنين﵇ (فدفن)، فالرأس مع الجسد، والجسد مع الرأس». والإشكال عليه أنه مع ضعف سنده بيونس399، هو مضطرب المتن ظاهراً، فكيف يكون في موضع قبر أمير المؤمنين ويكون أيضاً الرأس مع الجسد والجسد مع الرأس، مع أنه من المسلم به أن جسد الحسين﵇ في كربلاء؟ واحتمال أن يقصد كون الرأس مع جسد أمير المؤمنين بعيد جداً، مع مخالفته لما سبق!

نعم حمله في الجواهر400 على أنه دفن هناك ثم نقل بعدها إلى كربلاء، والحديث لا يفي بهذا المعنى!

كما يمكن الاستشهاد له بخبر النهدي401 قال: «دخلت على أبي عبد الله﵇ فذكر حديثاً حدثناه، قال: مضينا معه يعني أبا عبد الله﵇ حتى انتهينا إلى الغري، قال: فأتى موضعا فصلى ثم قال لإسماعيل: قم فصل عند رأس أبيك الحسين﵇، قلت: أليس قد ذهب برأسه إلى الشام؟ قال: بلى ولكن فلان مولانا سرقه فجاء به فدفنه هاهنا.

والخبر ضعيف سنداً، وإن كان صريح الدلالة، لكن في التعليل أن (فلاناً سرقه فجاء به فدفنه هنا) في النفس منه شيء!

وعلى كل حال فإن باقي الأخبار تكون مبينة للمقصود منه كما في خبر مبارك الخباز قال: «قال لي أبو عبد الله﵇: أسرجوا البغل والحمار في وقت ما قدم وهو في الحيرة، قال: فركب وركبت حتى دخل الجرف، ثم نزل فصلى ركعتين ثم تقدم قليلا آخر فصلى ركعتين ثم تقدم قليلا آخر فنزل فصلى ركعتين ثم ركب ورجع، فقلت له: جعلت فداك ما الأولتين والثانيتين والثالثتين (هكذا)؟ قال: الركعتين الأولتين موضع قبر أمير المؤمنين﵇، والركعتين الثانيتين موضع رأس الحسين﵇، والركعتين الثالثتين موضع منبر القائم﵇ فإنه ظاهر في أنه موضع الرأس، لا محل دفنه، وخصوصا مع قرينة موضع منبر القائم. ومثله خبر أبان عن الموضعين والصلاة فيهما».